تعقيبًا على مقالة الدخيل (عبده خال.. المدينة تدمر الخيال)

TurkiArtical

 

أن تجيء متأخرًا خير من ألا تجيء أبدًا.

قادتني المصادفة البحتة والصفحات التي تجر بعضها إلى مقال تركي الدخيل المعنون بـ(عبده خال .. المدينة تدمر الخيال!) والذي نشر في جريدة عكاظ يوم الخميس الموافق 27 مارس 2014، ورغم مرور ثمانية أشهر على نشره إلا أن الموضوع شخصية المقال تجبرني على التوقف وترك انطباع وأتمنى أن يصل دون أن يُربط بـأي انتماءات غير عشق السرد واحتفاءً برواده. وبما أن باب التعليق على المقال مقفل، فقد آثرت نشر التعليق مستقلاً في رصيف.

عبده، كما هو قامة أدبية عملاقة احتفى بها العالم العربي، فهو كما وُصف في المقال إنسان خلوق ومتواضع يجبرك على احترامه. إنه من الكتاب القلة الذين تعجب بنتاجاتهم الأدبية وعندما تلتقيهم تؤخذ بشخصياتهم الساحرة والمؤثرة، هو أيضًا ذو حس مرهف ويتضح ذلك في كتاباته التي لا تخلو من معاناة، حب، صراع طبقي، فقر وحالات إنسانية لا يستطيع القبض عليها، تجريدها، وتصويرها بذلك الأسلوب السردي سوى شخص عاشها أو عايشها ولمسها في حيوات الناس البسطاء حوله، كما يستطيع المتابع له ملامسة ذلك في حديثه ومراعاته لنوعيات المتلقين على اختلاف أيدولوجياتهم.

شخصيًا، أكنّ لعبده خال الكثير من الاحترام، وهو أحد الشخصيات الأدبية التي يعود إليها الفضل في تعلقي بالسرد، كانت “مدن تأكل العشب” الرواية التي جرتني إلى نهم القراءة وعشق الكتابة. شكرًا تركي على حفاوتك بهذا الرجل، فمثله يستحق الإشادة. تمنياتي لك ولعبده الصحة وراحة البال.

محمديّة

وانتقلت جدتي إلى رحمة الله هذا الصباح بعد عامين من الذاكرة المترنحة في أزمانٍ لم أعشها. حزينٌ هو الجنوب اليوم، فلن تشرق شمس غدهِ على وجهها وهي تسقي ريحاناتها في حديقة بيتها العتيق. وحزينة جِرارُها الطينية وهي تصطف بيضاويةً متكئةً على بعضها تنتظرُ عجوزًا جعدت الشمس والسنين وجهها، عسى أن تبزغ من على قعادتها، تشرب الماء وتسدّ تسربًا جديدًا في قعر إحدى الجرات بلطخات طينٍ جمعته من باحة البيت، وتترك طبعةً جديدةً بأصابع فلاحةٍ جوار طبعةٍ قديمة. حزينةٌ هي قطط جدّي الذي مات قبل عام، فلا أحد بعد اليوم سيحن بفائض أسماك الغداء، ويمدُّ راحةَ يدهِ يُعلم قطًا جديدًا المصافحة. وحزينٌ هو صاحبكم يا أصدقاء.

خرجتُ إلى هذه الحياة قبل واحدٍ وثلاثين عام، ووجدتها عجوز تبتسم بأسنانٍ بيضاء كعقد لؤلؤ خليجيّ ألهمتني لأن أكتبها في قصة صفية التي ماتت أيضًا. وكبرتُ، وجدتي توزع السعادة والحنان والشوق على أبنائها وأحفادها وأبطال المسلسلات البدوية بعد صلاة المغرب في تلفزيون جدي الأبيض والأسود، تتناول عشاءها وهي تتساءل عمّا إذا كانت تلك المسكينة التي سقطت في البئر قد تناولت العشاء أم لازالت تنتظر إلى أن يأتي أحد وينقذها في حلقة الغد، وفعلاً ينقذها البطل وتكون النهاية سعيدة في الحلقة الأخيرة، وتستمر جدتي بتوزيع شفقتها على قطط بيتها وقطط بيوت القرية الذين يتجمعون في مأدبةٍ كل ليلة أمام زربِ البيت، يأكلون ويدعون لها بطولة العمر.

وكبرتُ أكثر، وهي تتعب أكثر، وتثقل حركتها، فتدعوا لأحفادها العابرين من أمامها على طراحة البيت، بالتوفيق، دون أن تقف معهم طويلاً تسألهم عن حالهم أو توصيهم بأن يشتروا لها كريم الشعر ماكسام الأبيض بزجاجته الشفافة وغطائه الأسود ويخبروها بأنه لم يعد متوافرًا في السوق.

رحمك الله يا جدتي محمديّة.

هنا، جدتي في حبق

وزير التجارة والصناعة السعودي، والإعلام!

ElaphArtical2010

رابط المقال المنشور في صحيفة إيلاف الإلكترونية، بتاريخ 30 أبريل 2010

“يرغب وزير التجارة والصناعة السعودي بالاجتماع والحديث مع الطلاب السعوديين المبتعثين في شيكاغو ويدعوهم للمشاركة مع اللجنة التنظيمية للمنتدى.” هذا ما قاله “موسى” صديقي وشريكي في السّكن، وهو يسألني إذا ما كنت أرغب بالذهاب معه والتطوّع بمساعدة منظميّ “منتدى فرص العمل السعودي الأميركي”، أجبته بالإيجاب، وكنتُ أفكر: هل أحضر كطالب، أم صحافيّ؟ الحقّ، أنني بمجرد سماعي لاسم وزير التجارة والصناعة عبدالله زينل، فكرتُ باقتناص الفرصة، والحديث معه في حوارٍ سريع على هامش الفعاليات رغم أنني أعرف عن حرصه الدائم على ترك مسافة طويلة بينه والصحافة، لأسباب نجهلها ولا يرغب سيادة الوزير بالتصريح بها. حزمتُ دفتري وقلمي والكاميرا في حقيبة الظهر، ولبست ابتسامةَ طالبٍ ممتن، وفي القطار كتبتُ أسئلتي وأنا متجهٌ إلى فندق شيراتون حيث تقام فعاليات المنتدى.

في اليوم الأول، الأربعاء 28 أبريل 2010، قابلت سكرتيرة وزير التجارة وأخبرتها عن رغبتي في الحصول على عشر دقائق مع الوزير لعمل حوار سريع حول المنتدى وقضايا أخرى متعلقة بعمل الوزارة. وعدتني بالرد عليّ هاتفيًا عندما يجد الوزير فرصة. فعقدتُ أملي حول ذلك الوعد، ثم اتجهت إلى القاعة حيث يجتمع الحفل.

خلال انتظار وجبة الغداء توزع الحضور على الطاولات، وعلى المنصة وقف الوزير عبد الله زينل ملقيًا كلمته الأولى إلى جموع الحاضرين. تحدث الوزير عن امتنانه وشكره للمشاركين من تجار ومسؤولين ومنظمين من الدولتين. “العلاقة بين السعوديّة وأميركا علاقة استراتيجيّة، صلبة، وسوف تستمر في التطور خلال السنوات القادمة. أنا أثق أنّ شراكتنا سوف تنجح في تجاوز الكثير من التحديات. هذه الشراكة المبنية على القيم والاحترام المشتركان والالتزام بالعمل جنبًا إلى جنب.” قال ذلك زينل بالإنجليزية وهو يقف ببدلته الرمادية موزعًا نظراته على الحضور، كمتحدثٍ محترف. “تركيزنا في هذا المنتدى، من الجانب السعودي، هو بناء ثقافة وفكر رأس مالي. إن هذا الجهد التعاوني بحاجة إلى أن يتحول إلى تعاون مؤسساتي، خصوصاً الآن، حيث يتعافى الاقتصاد العالمي، كما سمعنا من وزير ماليتنا اليوم.” ويواصل قوله ” تتوقّع السعودية بنهاية عام 2010 أن تستقبل 23% من إجمالي الصادرات الأمريكيّة للدول العربية، والذي قد تصل قيمته إلى 75 بليون دولار، وذلك يدل على أنّ السعودية هي السوق الأول في المنطقة، ويحتمل أن يصل رقم الصادرات الأمريكية إلى الضعف مع عام 2015، الأمر الذي يساعد على خلق مليوني وظيفة للشعب الأمريكي.”

“إن القطاع الخاص السعودي، الذي يمثله اليوم 250 رجل وامرأة أعمال، حضروا إلى هنا متحدين السحب والرماد البركاني في سماء العالم -وأنا فخور أنهم فعلوا ذلك- هذا القطاع سوف تتخطى مساهمته القطاع الحكومي والقطاع النفطي في الاقتصاد الكلي للسعودية.”

ثم واصل الوزير متحدثًا عن خطة السعودية لتخفيض اعتمادها على عوائد تصدير النفط، حيث أن ارتفاع الطلب على الطاقة في المملكة العربية السعودية قد يقلل إلى حد كبير من قدرتها على تصدير النفط إلى باقي دول العالم على مدار العقدين المقبلين كما صرح بذلك، قبل أيام، خالد الفالح، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية. وقد قال الوزير في هذا الخصوص: “لتعجيل التنويع، وتخفيض نسبة الاعتماد على النفط، فإن المملكة العربية السعودية تعمل على تحسين نسبة المحفزات الربحية. فإن تسلّق سلّم القيمة سيكون الموجِّه الرئيسي لنا، لِهذا، بالرغم من أنَّ قطاعنا البتروكيمياوي وصل إلى الحقيبة العالمية، إلا أننا نستهدف الصناعات التي ستطوّر سلسلة البتروكيمياويات، مثل هندسة البلاستيك ومنتجات أخرى عالية القيمة. باختصار، السعوديّة ستتحولّ من كونها مجرد محطة وقود للعالم، إلى مختبر متطوّر للإبداع والبراعة والمعرفة.”

تحدث الوزير عن العمل الجدي الذي يظهر على الواقع الآن لفتح فرص استثمار كبيرة، والتي ستضاعف عوائدها المادية خلال العقد القادم، وأن لدى السعودية الإمكانيات والقدرة الاستيعابية لتحقيق ذلك. ثم أشار إلى أهمية تحويل سمة العمل الاستثماري والخط الإنتاجي إلى ما يخدم الإنسانية ويخفض نسبة التلوث البيئي والاحتباس الحراري. ثم انتقل إلى الحديث حول التعليم، وذكر أن أهم دور تقوم به الحكومة السعودية هو التركيز على الإنسان أولاً، حيث أنها تقوم ببناء جيل جديد من الشباب والشابات ذوي معرفة عالية، من خلال برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث. وأن السعودية تصرف ربع ميزانيتها على قطاع التعليم، وقال أنه “في نهاية عام 2006 كان هنالك 8 جامعات حكومية، وفي نهاية عام 2009 قفز ذلك الرقم إلى 25 جامعة. وعدد الطلاب السعوديين الذين يدرسون في الخارج زاد إلى سبعة أضعاف، وسيكون منهم 29 ألف طالب وطالبة سعوديّة في الولايات المتحدة فقط مع نهاية عام 2010″ ثم تطرق الوزير إلى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST) وعن الدور الريادي الذي ستسعى له من خلال توفير بيئة خصبة للبحث العلمي والتطوير المعرفي، وعن نظرة الملك عبد الله في أن تكون (KAUST) ضمن قائمة أفضل الجامعات العالمية، وأن تصبح بيتًا من المعرفة ومصدرًا للتنوير.” ثم ختم زينل كلمته باقتباس للرئيس الأمريكي السادس عشر، أبرهام لينكون: “أَنا أشدّ المؤمنين بالناس. يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة أي أزمة وطنية إذا ما قيلت لهم الحقيقة. النقطة العظيمة هنا، هي أن يتم إعطاؤهم الوقائع الحقيقية.”

سعدتُ كثيرًا بسماع ذلك، فتبني سيادة الوزير لهذا الاقتباس جعلني أطمئن لحقيقة استعداده إلى مواجهة الصحافة والناس والإجابة على أسئلتهم، وتبادل الحقائق معهم.

في اليوم الثاني من فعاليات المنتدى، تلقيت اتصالاً من سكرتيرة الوزير، حيث أمليتُ عليها المحاور التي أنوي التطرق إليها خلال الحوار، ولكنها قالت أنها لا تعدني بإمكانية إجراء الحوار، فجدوله مزدحم. وبعد ظهر ذلك اليوم، كنتُ أجلس مع بقية الطلاب في اجتماعٍ مع الوزير، في إحدى قاعات فندق شيراتون، على هامش الفعاليات. تحدث الوزير عن تجربته كمبتعث سابق، وعن الحظوظ الجيدة التي تنتظر المبتعثين في الحصول على فرص وظيفية قيادية، وعن المستقبل المشرق للبلد، وأكّد على أن الحكومة السعودية تعوّل على المبتعثين كثيرًا عند إنهاء دراستهم. وقال أنه يجب الإيمان بأن التكنولوجيا لا تقود دفة الاقتصاد بل تستخدم للوصل إلى الأهداف الاقتصادية.

كما صرّح بعض الطلاب برغبتهم في اكتساب خبرة بالعمل في شركات أمريكية على الأقل لعامٍ واحد لاكتساب خبرة بالإضافة إلى ما تعلموه، بحجة أن التعليم وحده لا يكفي، وأنهم لابد أن يعيشوا بيئة عمل فهي المدرسة الحقيقية، كي يتمكنوا من تطبيق معرفتهم عند عودتهم إلى بيئات عمل الشركات السعودية مستقبلاً. ولكن المشكلة التي تواجه الطلاب هو أن الشركات الأمريكية مع الأوضاع الاقتصادية المتدنية حاليًا، لا تقوم بصرف رواتب للعاملين من خلال برامج الدورات، الأمر الذي يجعل من بقاء الطالب للعمل هنا بدون دخل أمرًا مستحيلاً، ووعد الوزير الطلاب بأنه سيقوم بالنظر في الموضوع، وربما بدء مناقشات لتوفير فرص عمل تدريبي للطلاب السعوديين في أميركا بمقابل، حتى لو اضطرت السعودية إلى توفير النصف والشركة الأمريكية النصف الآخر راتب المتدرب.

ثمة أسئلةٍ كثيرة تبحث عن إجابة، وأنا متأكد أن هذه الأسئلة والمطالبات يشاركني بها الكثير. للأسف أنه تم تجاهل رغبتي بالسؤال خلال اللقاء، وعند نهايته، سألتُ الوزير إذا ما كان بإمكانه إعطائي عشر دقائق من وقته للإجابة على المحاور التي ذكرتها لسكرتيرته، فأجاب:

أنا لا أجري حوارات مع الصحافة.

ثم جاء صحافي من جريدة سعودية معروفة، وسلم عليه، وطلب منه أن يقول انطباعه عن المهرجان ونجاحه والإنجازات الرائعة فيه وبقية الديباجة الأدبية، فوافق سيادة الوزير، وسألته عن ذلك، فقال:

أنا أعرف هذا الصحافي من زمان.

وبختُ نفسي على عدم تمكني من التعرف على سيادة الوزير من زمان. وبقيت أحمل أسئلتي عن تضخم الأسعار التي وعد بالقضاء عليها منذ تسلمه المنصب في 2008 وأسئلتي حول غياب كبير من معظم التجار عن مساعدة المتضررين في فيضانات جدّة، والنازحين في مخيمات أحد المسارحة إثر الحرب مع الحوثيين، وأسئلتي حول استغلال أغلب التجار للمصائب التي تحلّ بالناس هناك في سبيل مضاعفة تجارتهم، وأسئلتي حول دور التاجر في البرامج التطوعية والتوعية الاجتماعية. وبعد أنهى سيادة الوزير حديثه مع الصحافي الذي يعرفه من زمان، اعتذر عن عدم قدرته للحديث معي، فنثرت الأسئلة في حقيبتي وغادرت.

مجمل الكلام الذي نقلته هنا على لسان الوزير، كان كلامًا متفائلاً، وجميلاً، ويدل على عقلية واعية وإنسان ذو فكر اقتصادي متقدم. ولكن الغريب، أن الوزير رغم هذه القدرة الحوارية العالية، وحضوره الجميل، يرفض الحديث مع الصحافة، في قضايا تهم المواطن، الإنسان الذي يجب أن يعرف الحقيقة، كما قال ذلك في نهاية كلمته خلال اقتباسه مما قاله أبرهام لينكون.

أخيرًا، في القطار وأنا عائدٌ إلى شقتي، أخرجتُ ورقة الأسئلة، وكتبت في نهايتها اقتباسًا للرئيس الأميركي الثالث، توماس جيفرسون:

“إذا ما ترك لي الخيار في تقرير إما أن نحظى بحكومةٍ بدون صحافة، أو بصحافةٍ بدون حكومة، فلن أتردد للحظة في تفضيل الأخيرة.”

قصة حياة هاتشيكو

تعرّف “هاتشيكو” على شوارع إحدى ضواحي طوكيو عندما دخلها لأول مرة في عام 1924م مع صديقه البروفسور “هتسابورو أوينو” وهو أستاذ في قسم الزراعة في جامعة طوكيو. ومنذ أن عرف تفاصيل المكان وحفظ ملامح المارة وأتقن أصواتهم واعتاد على روائحهم المختلفة كان هاتشيكو يودّع البروفسور في صباح كلّ يوم عمل وينظر إليه وهو يمشي خارجًا من باب البيت مبتعدًا إلى أن تخبئه المباني وتبتلعه الشوارع. وفي نهاية اليوم يذهب هاتشيكو إلى محطة القطار “شيبويا” القريبة وينتظر عودة صديقه ويستقبله بفرح الأطفال مع عودة آبائهم بقطع الحلوى، الفرق الوحيد هو أن هاتشيكو لم يكن يبحث عن حلوى أو أي مقابل، ما كان يبحث عنه ويحتفل به على طريقته هي عودة صديقه من الجامعة. لم يعد هاتشيكو يقاوم البقاء في البيت، ولم يكتفِ بمجرّد النظر إلى صديقه وهو يغادر، بل أصبح يرافقه ويمشي معه إلى المحطة، وبعد أن يودّعه، يعود إلى البيت، وينتظر وقت قدوم القطار ليذهب مجددًا في انتظاره. لم يكن ذلك مجرد عادة أو روتين يومي، ولم يلمس الأمر مجرد حياتيهما، بل تعدّى ذلك ليصل إلى أفراد الحيّ جميعًا، فقد صنع هاتشيكو خلال الوقت صداقة مع أصحاب المحلات في الطريق إلى محطة القطار، وعلاقة صداقة مع ركّاب القطار العائدين من أعمالهم في نهاية اليوم، ثمّ علَّمهم، دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة طوال حياته، أن للصداقة معانٍ أسمى من مجرّد المعرفة وتبادل المصالح، تبدأ بالحبّ وتنتهي بالولاء. كان يجلس مقابل باب المحطة، وينتظر بصمت وهو ينظر إلى بابها مترقبًا صديقه البروفسور، وعندما يتشكل جسده من خلف الباب، يقفز ويحتضنه بحميمية وسعادة لا يمكن مقايضتها، ومن ثمّ يعودان إلى البيت سويّة.

وفي يومٍ حزين من أيّام مايو من عام 1925 طال انتظار هاتشيكو أمام المحطة، الكلّ خرج من ذلك الباب، جميع الوجوه المألوفة التي اعتاد على تجاهلها كلّ يوم، ولم يعد صديقه، انتظره طيلة الليل ولم يعد. ما لم يعلمه هاتشيكو هو أن صديقه البروفسور قد أصيبَ بجلطةٍ في الدماغ ذلك اليوم وهو يلقي إحدى محاضراته بحماس وربما يفكر بصديقه الذي يجلس أمام باب المحطة. توفي البروفسور هتسابورو أوينو، ولم يعد أبدًا إلى محطة القطار حيث ينتظره هاتشيكو.

هاتشيكو لم يعلم ما الذي حصل لصديقه، ولم يتمكن أحد من أفراد الحيّ من إخباره بما حصل. فهام على وجهه في أزقة المدينة ولم يستطع البقاء في البيت أبدًا بعد ذلك. ورغم الحزن الذي خلفه غياب صديقه، إلاّ أنه استمرّ في ممارسة الحياة والمرور كلّ صباح أمام منزل البروفسور، ومع الوقت أيقن أنه لن يعود إلى المنزل. فتوقف عن الذهاب إلى هناك، وأصبح يكتفي بالانتظار أمام باب محطة القطار حيث كان يودعه ويستقبله. وهذا ما استمر هاتشيكو بفعله، فقد كان يتواجد أمام الباب كلّ مساء في موعد قدوم القطار، وكل يوم لا يرى صديقه بين الركاب الخارجين من المحطة، فيجمع خيبته وينسحب إلى ظلام أزقة المدينة، لينام في الشارع ويعود إلى أملٍ آخر في اليوم التالي.

تعاطف العابرون والخارجون من محطة القطار معه هو يجلس على ذات الرصيف كلّ يوم، ولمسوا ذلك الوفاء الذي يُقرأ في ملاحم تاريخية عن الأصدقاء القدامى أكثر من أن يُطبّق على الواقع. وتذكروا أيام ما كانوا يشاهدون الصديقين سوية في صباحات العمل ومساءات العودة من العمل. فأصبح الكثير منهم يحضر الطعام لهاتشيكو كي يأكل في لحظات انتظاره لصديقه التي استمرت لمدة 10 سنوات، ولو كان بإمكانه الانتظار أكثر لفعل ذلك، ولكن الموت جاءه في أحد المساءات وهو ينتظر أمام باب محطة القطار “شيبويا”، فتمدد مطلقًا روحه للسماء، حيث سيلتحق بصديقه ويجتمعان مرةً أخرى.

قبل عامٍ من موت هاتشيكو، بالتحديد عام 1933م، قام أحد الفنانين اليابانيين، الذين تأثروا بقصته، بنحت تمثالٍ له وقامت بلدية المدينة مع حضور هاتشيكو نفسه بتدشينه أمام بوابة محطة شيبويا الذي انتظر أمامه هذا الصديق لسنوات. وفي عام 1948 قام فنانٌ آخر بإبداله بتمثالٍ جديدٍ من البرونز، وأصبح مسمّى البوابة “هاتشيكو گوتشي” والذي يعني “مخرج هاتشيكو” وهي إحدى البوابات الخمسة للمحطة. ومُذّاك، أصبح المكان معلمًا تاريخيًا قبل أن يكون مزارًا للسياح، مكانًا للقاء العشاق والأصدقاء المنتظرين.

خلال السنوات التي تلت موته، كُتبت الكتب، وتحدثت الإذاعات، وانسابت قصة هاتشيكو من أفواه الجدّات، وفي الكتب المدرسية كمثالٍ على الوفاء. وتمّ تمثيلها في فيلم ياباني عام 1987م تحت مسمّى “هاتشيكو مونوگاتاري” وكلمة مونوگاتاري تُطلق في اليابانية على الأعمال القصصية وخصوصًا تلك التي تمت كتابتها بين حقبتي الـ”هيان” والـ”موروماتشي” (794م – 1573م) رغم أن حياة هاتشيكو كانت من عام 1923 إلى عام 1934 إلاّ أنّ كاتب الفيلم استخدم كلمة مونوگاتاري لإعطاء النص قيمة أسطورية لعظمة قصته.

وفي شهر يونيو من عام 2009 تمت أمركة الفيلم على يد المخرج “لاس هولستورم” وبطولة “ريتشارد گير”، غير أن المكان بالطبع عوضًا عن اليابان كان في أمريكا، وعوضًا عن البروفسور هتسابورو أوينو أصبح اسمه البروفسور “باركر ويلسون”. ورغم أن الفيلم يحكي القصّة ويعرضها بالزِّيّ الهوليودي الربحي المبالغ في لمعانه، والذي عادة ما يبتعد عن عمق الطرح، إلاّ أن الفيلم أوصل هذا الدرس في الوفاء بطريقة مؤثرة وجميلة. حاول المخرج خلالها أن يعرض القصة من خلال حياتين، بالألوان واللغة كما كان يعيشها البروفسور وبتواتر الأبيض والأسود كما كان يراها هاتشيكو. أتى الفيلم تحت مسمّى “هاتشيكو: قصّة كلب”. صحيح، لقد فاتني أن أخبركم، هاتشيكو كان كلبًا، وكم أتقنت الكلاب فنّ الصداقة وأدبيات الوفاء.

خالد الصامطي
16 فبراير 2010 – شيكاگو.

euhh7.jpg

hachiko200505-4.jpg

أبو فهد

 

قبل ذلك بيوم، كانَ يشغرُ السّريرَ شخصٌ آخر. عندما ينام “يشخر” كثيراً بشكلٍ مُخيف، بصوتٍ مرتفع، لدرجة أنّه بالإمكان أن يتحوّل إلى “أسد” أو ربما “دَبّاب سِباق” في أيّة لحظة يمكن أن يتخلّق من جديد، وينبت لهُ شعرٌ كثيف حول عنقه ورأسه، أو أطرافٌ من الـ”جنوط” والـ”تواير” -ككلمةٍ مُعرَّبة-. عندما ينام تجتمع الممرضات أمام الحجرة المكوّنة من سريرين، ويضحكن بالـ “تاگالوگ”. ضحكة لغة التاگالوگ غريبة، هي بشكلٍ ما تشبهُ الحديث العادي في لغة الدجاج.

هو شخصٌ سمينٌ جداً، ويعمل كـ”قائِل نكات” لدى أحد الأمراء. لا أدري هل فعلاً مُسمّى وظيفته “قائل نكات”، أو “خويّ” أو “بودي قارد” –فعلاً لا أدري بالضبط- المُهمّ أنهُ رجلٌ في نهايةِ الخمسينات من عمره، ويعملُ لدى أحد الأمراء. ولن نختلف على مسمّى الوظيفة، حتّى لو كانت “مصلّح ساعات” أو “تمرجي”. هذا الرجل الذي كانَ يشغل السّرير قبل ذلك بيوم –كما قلت في بداية النص- لهجته بدويّة قحّة. كانَ يشتكي من ألمٍ ما في “كليته” المزروعة، وبعد أن ظلّ ثلاثة ليالٍ في “الطوارئ” إلى أن فَرَغ هذا السَّرير، جاؤوا به، والمشكلة أنه عندما وصل، لم ينم سوى يومٍ واحد. في اليوم التالي، جئتُ صباحاً وقبّلتُ رأسَ جارهِ في السَّرير، الرجل الكبير الذي يعنيني أمره. المهم أنني اكتشفت أنَّ “قائل النكات” غادر، من الطبيعي أن أكتشف ذلك، لأنه ليس بطلنا على كلّ حال، ولأنّ “أبوفهد” كان نائماً على ذاتِ السرير، كـ حلٍ بديل، وشاغلٍ جديد للسرير ذلك اليوم.

“أبوفهد” بطلنا، رجلٌ في نهايةِ الخمسينات أيضاً. كانَ يعمل “وكيل رقيب” في الجيش. يقول أنّ الرئيس الأمريكي “كتينتون” منحهُ شهادة عندما زار الخفجي بعد حربِ الخليج الثانية. وكما يقول أنّه عندما دخل “الجهرا” شاهدَ فتاةً عمرها ثلاثة أعوام، كانت مذبوحة، حملها وبكى. هو لا يقرأ ولا يكتب، ومُتقاعدٌ حالياً. زرع كليته قبل عام. يقول أنّهُ عندما ركب الطائرة لأوّلِ مرّةٍ قادماً إلى الرياض قبل ثلاثين عام “كنتُ شاباً قوياً” هكذا يتنهّد، قام بوضع الفلفل والملح في الشاي الذي قدّمته المضيفة، لذعه الطعم واندلق الشاي على ثوبه. خلعه في حمّام الطائرة وشطفهُ.

“أبوفهد” لا يُحبّ الصّخب. لذلك هو لم يهتم بسخرية الآخرين في الطائرة عندما عاد إلى مقعده بسروال قصير وفنيلة “علاّقي”، بعد أن نشرَ الغسيل في ممرّ الطائرة لبعض الوقت. ولذلك أيضاً لا يهتمّ بتفسيرات الآخرين. هو يُحبّ أن يرى الحياة بعدستهِ الخاصّة. عدسته المُتخلّية عن قيود المثاليات ووجهات النظر المُخالفة. يصمت كثيراً، وعندما يتحدّث يحكي مواقفَ كثيرة. طبعاً ستكون كثيرة، لأنهُ عاشَ عمرهُ بتفاصيله، منذُ زمن وهو يعيشُ في هذهِ الدنيا، منذُ أن كان هناك شارعٌ في الرياض يُدعى “شارع البرسيم”.

ولنفسِ السّبب -أعني كونهُ لا يُحبّ الصّخب- يُشاهدُ التلفاز بلا صوت. يتأمّل الصور، المشاهد، الأفلام، البرامج الوثائقيّة، والمقاطع الأخباريّة، ويُفسّر كلّ ما يُشاهدُه بمزاجيّة طريفة. بطريقتهِ الخاصّة جداً. ذاتَ يوم كنتُ أشاهد معه التلفاز على طريقته، أشار إليه وقال لي [هذا زعلان عشان الحريري مات] كان مقطعاً إخبارياً يعرضُ أحد المسؤولين العراقيين يتحدّث بغضب وبيده صور وأوراق وأفلام فيديو، وفي الشريط أسفل الشاشة مكتوب [ظهور أدلّة جديدة تُدين القوات الأمريكيّة في جريمة تعذيب سجناء أبوغريب], هززتُ رأسي موافقاً، وسرحتُ بعيداً.

بشرتهُ سمراء داكنة، ووجهه ممتلئ بمرح وسماحة، ولأنهُ لم يحلق ذقنهُ منذُ أن دخل المستشفى. فقد بزغت شعراتهُ البيضاء مغطّيةً ذقنهُ وخدّيه، أعطتهُ هيبةً أخرى، أمسى وجههُ لوحة هوليوديّة. يليقُ بهِ أن يُمثّل دورَ الجدّ في عائلة سوداء. الجدّ الحكيم الذي فهم الحياة جيّداً وعاشَ فترةَ ما قبل النقلة الاجتماعيّة الجذريّة هناك وعاصر مارتن لوثر كينغ، ويتسلى عادةً بشذبِ العشبِ في الحديقة، والكلامِ العميق الممتلئ بالحكمة مع أحفادهِ المتهوّرين. ويبتسم للعابرين.
هو لا يهتمّ بالتسميات الصحيحة للأشياء. ببساطة يُكوّنُ جملةً تُفهم بعدّة اتجاهات. ربما لو كانَ كاتباً لمنح القارئ جميع حقوقه في الخيال، وفي فهم النّص المفتوح كما يشاء. لذلك عندما هبطت تلك الطائرة، قبل ثلاثين عام، كانَ الجوّ بارداً، ولازال ثوبهُ مُبتلاً، هبطتْ في المطار القديم، أوقفَ سيارة أجرة، وطلب منهُ أن يوصلهُ إلى “شارع الحشيش”. ولذلك أيضاً أخذتهُ فرقة من [المباحث] بعد أن أصرّ على أكثر من تاكسي بأن يذهب إلى الشارع الذي يبيعون فيه الحشيش في “برحة” كبيرة، دون أن تُدرك تلك الفرقة -سوى متأخراً- أنّ البرسيم أيضاً من حشائش الأرض. ودونَ أن يُدرك أبو فهد أنّ أهل المُدن يختلفون عن أهل القرى، لم تكن “موضة” النصّوص المفتوحة لأكثر من احتمال قد وصلت المُدن بعد.

في أحد الأيام، كنتُ نائماً على “الصوفا” بجوار سرير الشخص الذي يعنيني أمرهُ كثيراً، أكثر من أيّ شيء, أيقظني “أبوفهد” قال لي أنَّه لم يفهم ما تقوله الممرضة “برتقالة” –لقد منح كلّ موظفٍ في المستشفى مسمىً خاصاً، وبالمجّان أيضاً- بعد أن توجهت إليَّ بالحديث، وغادرتْ، ترجمتُ لهُ أنّها تريدُ منهُ ألاّ يأكل إلى الغدّ حيثُ سيأخذون من كليته عيّنة. والحقّ أنني لم استمتع بالنرجسيّة التي يشعر بها الشخص عادةً عندما يشرحُ للآخر شيئاً لا يفهمه، وهذا الشعور يكونُ مُضاعفاً عندما يتعلّق الأمر بالترجمة، لم استمتع لسببٍ بسيط وهو أنّني لم أُكمل ترجمتي، فقد سمعتُ صوتَ شخير، قادمٍ من خلفِ ستارة “أبوفهد”. عدتُ إلى وضعي على “الصوفا”، ونمتُ على صوتِ سمفونيّةٍ كانَ يؤدّيها جوقةُ موسيقيّين، مكوّنةٌ من حكيمين، قادمين من قرىً جنوبيةٍ متجاورة، قد يختلفان عن بعضهما ويتفقان، ينامانِ على سريرين متجاورين، ويهمّني أمرهما كثيراً.

من مقولات أبو فهد التي التصقت بالذاكرة: [الكلية حيوان ضعيف في جسم الإنسان، والإنسان كـ الآدمي, ما يصيبه إلاّ المكتوب].

منذُ أن قدم “أبوفهد” تحسّنت صحّة جارهِ السّريري الذي يُهمّني أمرهُ كثيراً، أصبح يبتسم، ويتحدث، ويحكي لي قصص طفولتي ويضحك. نفسيتهُ السعيدة أثّرت إيجاباً على وظائف جسدهِ العضويّة، غادر المستشفى بعد أكثر من شهر. ودّعنا “أبوفهد”، وهو بدورهِ وعدنا أنهُ سيخرجُ قريباً، وكأنهُ يحرصُ على رسمِ التفاؤلِ في الطُرقِ بعبثيّتهِ وقراراتهِ ومزاجيّتهِ الطريفة، يحرصُ على ذلك حتّى في الدقيقة الأخيرة. وعدتهُ بالزيارة، وخرجتُ بصحبةِ “والدي”، خرجتُ وبقي “أبوفهد” يُشاهد التلفاز بلا صوت.
إلى أبوفهد, الرجل الأُمّي, الذي باستطاعتهِ أن يقلب مفاهيم وناموس الحياة, دونَ أن يمسّ النظام الكونيّ, كأن يجعل من المستشفى روايةً لم تُكتب بعد, ومن الصوت مادةً غير ضروريّة لاستمرار السّماع. الآن عدتُ مُجدداً, أكتب, وأسمعُ جيداً.
_________________________
كتبتُ هذا النص بتاريخ 28.11.2005
وعلمتُ مؤخرًا، أن أبا فهد، قد تركَ الحياة بصخبها، ودّعها دون أن يمنحها متعة إزعاجه، ودعها مبتسماً، بعد أن أعطى لكلّ شيءٍ فيها اسماً من مخيلته، ولكلّ حدثٍ فيها معنى يفهمه ويعجبه.. رحل، وتركَ غبارهُ النقي في قلبِ الرجل الذي يهمني أمرهُ كثيرًا..