المزاج النيلي – Mood Indigo

mood_indigo_bench

بعد شعوره المفاجئ بالوحدة، يبحث “كولن” المترف عن شريكة والذي لعب دوره الممثل رومين دورياس، وبمساعدة صديقه الطباخ “نيكولاس” لعب دوره الممثل عمر ساي، يجد فتاته المنشودة ” كلوي” والتي لعبت دورها أودري تاوتو، ويقع في غرامها ويتزوجها، ولكن سعادته لم تكتمل، إذ تنبت في رئة “كلوي” اليمنى زهرة نيلوفر خلال شهر العسل وتجد صعوبة في التنفس فتقع طريحة الفراش. يبدأ “كولن” حينها رحلة العناء محاولاً علاج زوجته وحب حياته.

mood_indigo_flower

المزاج النيلي- Mood Indigo هو العنوان الذي اختاره الكاتب بورس فيان- Boris Vian عنوانًا لروايته والتي بنى عليها المخرج مشيل غوندري- Michel Gondry هذا الفيلم عام 2013. بالإضافة إلى الشخصيات الثلاث الرئيسية المذكورة أعلاه، هنالك صديق “كولن” الأناني والذي يعيش في تمجيد رمز حياته وكاتبه المفضل، اسم الشخصية “شيك” ولعب الدور الممثل الفرنسي من أصول مغربية جاد المالح، وشخصيتين إضافيتين “أليس” و “إسيس” رفيقتا “شيك” و”نيكولاس”.

تتمتع شخصيات الفيلم بجميع الخصال والطبائع الإنسانية المعتادة من عاطفة، هوس، تسرّع، وحماقة وغيرها، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الواقع الذي تعيشه الشخصيات يتماشى مع جميع القواعد الفيزيائية أو القوانين الوضعية أو المنطق البشري. فثمة لحظات كثيرة في الفيلم تشعر خلالها وكأنك تتطلع إلى واقع قامت بتشكيله مخيلة طفل في الخامسة، وذلك عبر مشاهد فنتازية صادمة، فالغرفة تضيق فعليًا عن سماع خبر سيئ، والموسيقى يمكن أن تتحول إلى سائل لتذوقها، وبوسع ظلك أن يطاردك فعليًا وكأنه وحش، وغيرها من المشاهد التي نقولها ونكتبها ونقرأها ونتقبلها فقط بشكلها اللغوي دون التفكير بماذا لو كانت تحدث فعلاً؟. ومن ناحية طريقة تقديم هذه المشاهد فيتضح أن المخرج لم يبتعد عن أسلوبه في خلق التأثيرات البصرية والعاطفية الذي تميز به في معظم أفلامه كـ “العقل-Mind” و “نحن وأنا- The We and the I ” وذلك بخلق صور سريالية أو مسطحة، ولكن بواسطة مؤثرات من الطراز القديم كطريقة توقف الحركة، وطريقة تقديم شخصية الحيوان من خلال شخص في زيّ حيوان، محافظًا على كلاسيكية إنتاج التأثيرات والبساطة في عرضها. وكأن صناعة الفيلم تمت خلال  لوحات كولاج متحركة، لذلك إذا كنت من نوع المشاهدين الواقعيين، أو المهتمين بإقناع الصورة أكثر من فرادة الفكرة، الذين لا يجيدون الاستمتاع بمتابعة فيلم دون تدخل شخصية الناقد المتأثر بالإخراج الحديث، فلا أعتقد أن الفيلم سينجح في إبهارك.

Mood-Indigo-2weather

فكرة الفيلم وطريقة عرضه الغرائبية أجبرتاني على العودة للمدونة والكتابة مجددًا. وهو حدثٌ لا يمكن وزنه لكاتب يبحث منذ زمن عن دافع للكتابة ولا يجد.

روائيون يتحدثون عن أفلامهم المفضلة

شرفني الصديق الكاتب عبدالله الزماي بالمشاركة في تحقيق قام بإعداده ونشره في جريدة الرياض، العدد 17263، الثلاثاء 29-9-2015، قد لا ينطبق عنوان التحقيق عليّ بما أنني لم أرتكب جرم الرواية بعد، وقد يكون سبب وضعه من باب الجمع مع الأغلبية بما أن ثلاثة من أصل أربعة مشاركين هم روائيون. أما محور التحقيق فقد كان كالتالي: بصفتك ساردا ولأن السرد كثيرا ما يتقاطع مع السينما ما هو الفيلم السينمائي المفضل بالنسبة لك؟ أو الذي أثر فيك بشكل عميق؟ وكيف كان ذلك الأثر؟ أرجو التحدث عن هذا الموضوع بحدود مائة كلمة.

 

تحقيق عبدالله الزماي

كثيرا ما تتقاطع الرواية مع السينما، وكثيرا ما اعتمد أحدهما على الآخر أو تأثر به، فيتأثر الروائي بالسينما ويتأثر السينمائي بالرواية وهكذا. “ثقافة اليوم” التقت عددا من الروائيين للحديث عن أفلامهم المفضلة تلك التي تركت في ذاكرتهم أعمق الأثر.

الروائي السعودي بدر السماري أشار عن أكثر الأفلام التي لمست بداخله أعمق المناطق، حيث قال :” هناك العديد من الأفلام التي أحببتها وأحدثت تغييرا ما علي ككاتب سردي، وسأكتفي بالحديث عن فيلم”castaway”. قصة الفيلم بسيطة، مسؤول في شركة شحن ينجو من حادث طيارة ويصبح وحيدا في جزيرة نائية لعدة سنوات، ويبقى أكثر من نصف الفيلم وحيدا. قوة هذا الفيلم تكمن في القدرة على صنع دراما بوجود إنسان واحد، وكيف أبدع كاتب السيناريو في خلق شخصية إضافية وهي كرة الطائرة التي رسم عليها البطل وجها ومنحها اسما “نيلسون”، بوجود هذه الشخصية، خلقت مع البطل العديد من المشاهد المؤثرة، وكان من أهمها حين حطمت العاصفة قارب النجاة الذي صنعه البطل للعودة، وكاد “نيلسون” (الكرة) أن يبحر بعيدا عن الشاطئ. الأمر الآخر المدهش في الفيلم هو تشبث البطل بالحياة بعد الكارثة، وكيف أصبحت الحياة ثمينة حين رأى الموت، كيف أصبح كل شيء له قيمة عند البطل نولاند؟”. وأضاف السماري :”هذا الفيلم مدرسة في صناعة الدراما وصناعة حدث دون أدوات كثيرة، الفيلم لم يكن حول كارثة تحطم الطيارة ولكن ما بعد الكارثة .. هو بلا شك أحد الأفلام المغايرة، والتي تجلى فيها الكاتب والمخرج، وعلى رأسهم المبدع “توم هانكس”، وأظن انه قدم أحد أبرز أدواره السينمائية”.

القاص السعودي خالد الصامطي تحدث عن آخر الأفلام العظيمة التي شاهدتها بقوله :” سيكون من المجحف بحق ذائقةٍ توّاقة وعين نهمة، وبحق تاريخ سينمائي مثقل بأعمالٍ خالدة، أن أفضّل فيلمًا واحدًا فقط. ولكن، سأتجاوز التفضيل وأتحدث عما شاهدته هذا الأسبوع، وهو (إن شاء الله- Inch’Allah ) فيلم من إنتاج فرنسي كندي (2012) يعرض القضية الفلسطينية من وجهة نظر “كلوي” طبيبةُ نساء وولادة وهي تزاول نهارًا مهنتها مستقبلةً الحوامل في عيادة تابعة للUN تحت الحصار والقصف والفقر حيث تتلاشى كرامة الإنسان، وفي المساء تقف في طابور أمام نقطة تفتيش جيش الاحتلال، لتعود إلى ما خلف الجدار الفاصل حيث شقتها. تحاول الطبيبة العيش بحياد مقاومة صراع أفكارها، بين صديقتها الفلسطينية “رند” الشابة الفلسطينية الحامل، وبين صديقتها وجارتها الجندية الإسرائيلية “إﭬا”. أما الأثر الذي خلفه الفيلم، هو سقيا بذرة القضية بذاكرتي، بعد أن جففت أنانية الروتين تربتها، فبعد الفيلم نمت بداخلي شجرة زيتون مرةً أخرى.

كما تحدث الروائي الكويتي عبدالوهاب الحمادي عن عدد من الأفلام العالمية وأنه يعيد مشاهدة بعضها كثيرا. يقول :” ثمة مخرجين لا أترك لهم فيلما إلا وأنتظر عرضه وإن عرض أعدته مثنى وثلاث ورباع الخ…منهم؛ وودي آلين الساخر اليهودي/النيويوركي الذي عشق جزيرته التي تحكم العالم ماليا. ستيفن سبيلبيرج والإثارة الغامرة في أفلامه مثل؛ كاتش مي إف يو كان وغيرها والتي لا تفلت من مبحث يدعو للتفكير كفيلم ميونخ. مارتن سكورسيزي وتعاونه مع روبرت دينيرو ثم المبدع ليوناردو ديكابريو. وغيرهم من مخرجين. لكن ثمة مخرج ينسج أفلامه بحرفية عالية أستمتع بها وقد صنع الفيلم الأحب لقلبي: روبرت زيمكش وفيلمه فوريست غمب. الذي شاهدته -ربما- ثلاثين مرة.. منذ رأيت فوريست الصغير يركض وأنا أنسى الزمن عندما أشاهد هذه البانوراما التاريخية لوطن بطولاته هزائم في حق الإنسان. فوريست غمب يعبر كما عبر أجداده قبله محطات التاريخ الأمريكي المهمة منذ الهنود الحمر وصولا للأيدز أو الثمانينات، يشتبك في أهم اللحظات دون أن يلقي بالاً للصدفة التي رمت به. فيلم متقن استحق عليه توم هانكس الأوسكار. هناك فيلم كاست أواي لنفس المخرج والممثل وأفلام أخرى لاشك عشت معها لحظات ماتزال عالقة في الذاكرة. إلا أن صرخة: رن فوريست رن ماتزال الأثيرة لدي”.

كما اختار الروائي السعودي علوان السهيمي هذا الفيلم ليتحدث عنه بقوله :” الرجل العجوز يجلس على كرسي متحرك، تقف أمامه فتاة صغيرة وتسأله: كيف يمكن أن أكون كاتبة؟، نظر إليها العجوز وقال، إنني لست مقعدا، إن ما أقوم به حيلة، أنا أستطيع القيام الآن والركض أمامك، إنني أذهب في الأوقات التي لا يكون فيها أحد للمشي في الشوارع، إنني بهذه الطريقة، عندما أمثّل دور المقعد أتهرب من الضريبة ومن أشياء أخرى، لكنني في الحقيقة أستطيع المشي، وأجيد لعب الكرة، وأمارس حياتي بشكل طبيعي، حتى يراني أحدهم فأعود إلى كرسيّ، يمكنك أن تفكري كيف يمكنني أن أسير، وأعيش حياتي كأي سوي، فبدأت الفتاة تتخيل، فشاهدت الرجل العجوز وهو يركض ويمشي بشكل طبيعي، ويمارس حياته بكل أريحية، فذهبت، فصدمت من كلامه فذهبت إلى المنزل، في اليوم التالي عادت لتطلب منه قائلة: أريد أن أكون كاتبة؟ فرد عليها، هل تتذكرين كيف تأملت حياتي وأنا أسير على قدمي كأي إنسان طبيعي؟ قالت نعم: قال هذا ما تحتاجينه لتصبحي كاتبة، إنه الخيال، لأنني في حقيقة الأمر عجو مقعد”، بهذه الطريقة البسيطة والعميقة يعبر الممثل العجوز الأسمر مورجان فريمان لتلك الفتاة الصغيرة كيف يمكن أن تصبح كاتبة، في فيلم The Magic of Belle Isle الذي يحكي قصة كاتب روائي يريد العودة للإلهام الكتابي، فيسكن في كوخ بعيدا عن الناس بجانب أسرة مكونة من أم عازبة وثلاث فتيات، وكيف يمكنه في النهاية أن يصل إلى مراده”.

The Darjeeling Limited

When you run after a train to go back to your old life. When you talk briefly about all the details. When everyone knows everything about each one. When others choose for you exactly what you want. When you learn the language of life from people whose language you don’t know. When resolving outstanding issues could be done by silent staring. When you create a religion and believe in it. When events are carriages and life is a train and destiny is a railway. When you run after the train to escape the old life

عندما تجري خلف القطار لتعود إلى حياةٍ قديمة. عندما تتحدّث باختصارٍ عن كلّ التفاصيل. عندما يعرف الجميع كلّ شيء عن كلّ واحد. عندما يختار لك الآخرون ما تريدهُ تماماً. عندما تتعلم لغة الحياة من أناسٍ لا تعرفُ لغتهم. عندما يتمّ حلّ القضايا المعلّقة بالتحديق الصامت. عندما تخلقُ ديناً وتؤمن به. عندما تكون الأحداث عربات والحياة قطار والقدر سكة حديد. عندما تجري خلف القطار لتهرب من حياةٍ قديمة.

THE PERFUME

The Story of a Murderer

قبل بضع سنوات مضت، قرأتُ رواية [العطر] التي بمجرد أن تنهي قراءتها تجد نفسك مشدوهاً وغارقاً بالتفكير تمعن النظر إلى الفراغ. تركت لديّ الرواية انطباعاً مبهجاً، البهجة المصاحبة لقراءة الكتب التي نندم عندما لا نقرأها. لم أحرّك ساكناً على مدى ساعتين أو أكثر، شعرتُ في تلك اللحظات بامتلاءٍ واكتفاءٍ من كلّ ضرورة. كل ما كنتُ أفعلهُ هو مواصلة النظر إلى اللاشيء، التفكير بالحكاية التي كنت قد أنهيتها للتوّ، التفكير بشخصيّة البطل غريب الأطوار وصاحب حاسة الشّم الدقيقة والمدهشة، بطل الرواية [غرنوِي]!

 قليلة تلك الروايات التي نقرأها فتُشعرنا بالرضا المُفرط عن الوقت الذي قضيناه في قراءتها. ونادرة تلك الروايات التي توصلني للحظات انتشاء وسعادة إلى درجةٍ أتحدث خلالها بصوتٍ مرتفع موجهاً كلامي إلى اللا أحد. والعطر واحدة من تلك الروايات الثريّة والعميقة والنادرة، لقد أمتعتني بحقّ، وللآن أشعرُ بامتنان تجاه كاتبها، Patrick Suskind باتريك زوسكيند، أجزم بأنني لستُ وحيداً، امتنان القارئ مستمّر تجاه أي كاتبٍ عبقريّ يتمكن من إمتاعنا وإقناعنا دون رأيٍ أو تلقينٍ أو نقاش، يقنعنا ببساطةٍ يرتبها في كتابةٍ صعبةٍ، ومجنونة بذات الوقت!.

العطر هي قصّة قاتل، هذا ما وضّحه زوسكيند على غلاف روايته. ورغم أنه قاتل إلاّ أن شخصيته وحياته تجبرك على التعاطف معه بشكلٍ أكبر من التعاطف مع المجني عليه!. هذه هي الحقيقة، وهذه هي شخصية غرنوي الشاب اليتيم، الذي ولدته أمه على عجل وبخوفٍ وسط ضجّة العابرين، قذفت به على أرضٍ نتنةٍ مغطاة بالقاذورات والدماء والماء الآسن والدبق وجمهور من الذباب، حانت ولادته وهي تعمل في السوق، جرت الولادة بسرعة، قطعت حبله السرّي وركلته دافعةً إياه تحت طاولة ترتص فوقها الأسماك الرطبة حديثة الصيد، بعد ولادته حاولت التسلل والهرب، لكن حظها العاثر أنطق الجامد، تلك الكومة من اللحم بدأت تبكي بعد دقائق، ليتم الامساك بالأم الولود التي اعتادت على ممارسة الحمل والإجهاد لتسعة أشهر، كما اعتادت على دلق أطفالها على الأرصفة وفي زوايا الأزقة الملتويّة. وبنفس سرعة ولادتها الأخيرة؛ جرى إعدامها الأول والأخير بطبيعة الحال. هكذا بدأت طفولة القاتل غرنوي.

ذكر زوسكيند في الرواية أنّ أولّ كلمةٍ نطق بها غرنوي كانت سمكة.
سمكة!! أليست كلمة مناسبة لأن تكون أول [نطق] ذو [معنى] لإنسان لن يحتاج إلى [النطق] كثيراً في حياته، و[المعنى] بالنسبة له غير مفهوم ولا حاجة له، مقارنة بأهميةّ [الرائحةِ]! لم يكن أنف غرنوِي مجرّد أداة لممارسة حاسة الشّم، بل كان أنفه بطريقة أو بأخرى هو العقل، المحرّك، القائد، المُسيّر لجسده، أفعاله، ردّات فعله، وحياته الشابة بكلّ تفاصيلها إلى أن انتهت، وبإرادته!

إنه شخص يجهل طرق التواصل مع الناس، ليس اجتماعياً ولا يكترث بعلم الاجتماع إلاّ إذا كان الحديث عن رائحة هذا العلم! شخص لا يعرف العاطفة، لا الندم، لا الخير و لا الشر، كل ما يعرفه أنّ ثمة روائح عديدة، وما نطلق عليه رائحة نتنة ولا نستطيع تحملها، هي بالنسبة له مجرد روائح لعدة أشياء محددة يعرفها ويستطيع تصنيفها وعدّها وتحديد نِسَبها ببساطةٍ ودون جهد أو تفكير!.العالم بالنسبة لغرنوي مجموعة من الروائح، وهو الوحيد الذي يتقن التعامل معها، والوحيد الذي استطاع بأنفه أن يملك العالم من حوله!

هذا باختصار هو بطل رواية العطر، و-حالياً- فيلم العطر، الفيلم الذي ظهر بعد تنافس طويل من قبل العديد من المنتجين للحصول على حقوقه، في مقابل رفض استمرّ لعدّة سنوات من قبل الكاتب زوسكيند، وأخيراً تم الإتفاق وأُنتج الفيلم على يد المنتج برند إيشينجر، الذي يقول أنه قرأ الرواية منذ نشرت لأول مرة، وأنه أيقن منذ ذلك الحين أنه يرغب ويسعى نحو تحويلها إلى فيلم. قال أيضاً: [العطر رواية لا تُقارن بأي قطعةٍ أدبيّة أخرى]. الألماني توم تيكر الذي فاز بعدة جوائز سينمائية على عدّةِ أفلامٍ معروفةٍ ومميزةٍ من أفلامه، قام بإخراج هذا الفيلم بجدارة ملفته، وبطريقةٍ أظهر خلالها أنه لم يقرأ الرواية وحسب، بل يبدو أنه قضى العامين الفائتين وهو يتوسّدها، يعيش بداخلها، يدرسها، يحللها ويفهمها جيّداً.

 أما الدور الأهم في الفيلم ككل، الشخصيّة المعقّدة والصعبه للبطل جان بابتسيت غرنوي، قام بتمثيلها بإتقانٍ ودقّة؛ ممثل بريطاني شاب غير معروف “بِن ويشاو”، ممثل حديث التخرج من الأكاديمية الملكية للفنِّ الدرامي، صحيح أن ويشاو لم يكن معروفاً، لكنه أصبح كذلك الآن، وأتوقّع أنه سيستمرّ بالصعود والتميّز. لقد كان أداؤه مقنعاً، حركاته ونظراته وهيئته مناسبة للشخصيّة، كان اختياراً موفقاً.قرأتُ قبل عامين وأنا في مسافر في رحلةٍ جويّة خبراً بإحدى الصحف المحليّة؛ عن بدء توقيع العقود والعمل على تمثيل العطر، أذكر مما جاء أيضاً في الخبر أن الممثل “داستن هوفمن” سيؤدي دور البطل غرنوِي، لكن الحقيقة التي اتضحت مع الفيلم، أنه قام بلعب دور العطّار “بالديني”، لا أقول أنه أدّى الدور بتميّزٍ وإتقان، لكنه تمكن من الظهور بشكلٍ مُرضي خصوصاً إذا وضعنا في الحسبان قُصر وقت تواجد الشخصيّة في الفيلم. كما لعب الممثل “ألن ريكمان”، دور التاجر المترمّل “أنتوين ريشيز”، والد الفتاة لورا التي استخلص منها غرنوي آخر العطور، مكملاً مجموعته العطرية المقدسة، ومنتجاً خلطته السحرية، عطر العذريّة بشكله النهائي.

إضافة إلى جمالية ظهور صوت الراوي بين مشهدٍ وآخر خلال الفيلم، فإن من أكثر ما شدّ انتباهي بشكلٍ مستمر أثناء المتابعة هو التطابق الكبير بين البيئة المصورّة، الطريقة الإخراجيّة، الـBackground بشكلٍ عام، وبين الوصف في السرد الروائي وما تخيّلناه أثناء قراءتها. وبحقّ لقد شاهدتُ العطر بشهيّة مفتوحة، أشاهد واستعيد من ذاكرتي صوراً سابقة لازلت أحتفظ بها من الرواية.  في العمل الروائي ثمة وقت ونَفَسٍ طويلين يمتلكهما الكاتب، وله حرّيّة استخدامهما، وأمامه مساحة شاسعة مُتاحةٌ للسرد والاسترسال الوصفي والحكائي، ذلك بعكس صناعة الأفلام، حيث يضطر السنمائي إلى العمل بداخل إطارٍ محدد وهي أمور تتحكم بها عدة أولويات، منها ما يتعلق بالمتلقي ونوعية وطريقة التلقّي ومنها ما يتعلق بالفكرة والوقت ومدى أهمية التفاصيل والإيحاءات في المقطع الواحد. هذا هو سبب غياب تفاصيل متفرقة كان أحدها حدثاً طويلاً في النصف الثاني من الرواية. على أيّ حال، أشعرُ أنّ فهم ومتعة مشاهدة الفيلم تكون مضاعفة أكثر من مرة لدى من سبق لهم قراءة الرواية، فلا تفوتوا ذلك، المتعة مع الرواية، المتعة بعدها، ومن ثم المتعة بمشاهدة الفيلم كمتلقي يكتشف نفسه كناقد، وسيشعر البعض، بشعور طالبٍ يقوم أخيراً بتطبيق درسٍ نظريّ عرفه وفهمه جيداً.
December 12, 2006

Déjà Vu

كثيراً ما تمرّ بنا مواقف نشعر أننا قد عشناها سابقاً رغم أنها تحصل للمرّة الأولى، ثمة شعور لحظي يقنعنا بأننا مررنا بكل تفاصيل ذلك الموقف، نفس الأشخاص المتواجدين وإن كنا لا نعرفهم، الحركات، المكان وطريقة ترتيبه، الأصوات، ولوهلةٍ نرمي بالنظر إلى الأعلى يساراً، ربما، نفكر في الموقف المتكرر بتفاصيله صورة وصوت، سبق وأن عشناه.. نجزم، ولكن لا ندري متى، ولا كيف حصل ذلك!
في عام 1851 أطلق باحث فرنسي مهتم بالظواهر الروحية “بويراك” مسمّى الحالة ” ديجافو” والتي تعني بالفرنسية “شُوهِد سابقاً”، وإلى الآن لا يوجد أيّ تفسير علمي لحقيقة وسبب ذلك الشعور، مجرد نظريات متضاربة: خلل لحظي في الدماغ. أو مجرد التوهم بأنه سبق حدوث التجربة، لأن العقل اللاواعي قام بتسجيلها في زمن متقارب مع عمل العقل الواعي. وهناك من يرى أنّها ذكريات من حياة أخرى عاشتها أرواحنا في زمنٍ مضى!

 
رؤية مختلفة للديجافو، جديدة وفنتازيّة، يخبرنا بها فيلمنا في هذا المقال، الفيلم يحمل نفس الاسم “ديجافو”، أخرج الفيلم “توني سكوت”، وكتبه الثنائي “تيري روسيو، بيل مارسيلي” الكاتبان السنمائيان اللذان أستطاعا أن يُظهرا إمكانياتهما وتوافقهما، من خلال أعمالهم، خصوصاً “شراك2″ و”قراصنة الكاريبي”.

يبدأ فيلم ديجافو بمشهدٍ في “نيو أورلينز” حيثُ تدور قصة الفيلم، تتنقّل الكاميرا خلاله بلقطات متفرقة في الميناء المكتظّ، نسمع أصوات مختلطة، زحام، أحاديث مصطافين، ضحكات ونداءات، أفراد من البحرية، عوائل وأطفال على ظهر العبّارة “نيميز” الموشكة على الإبحار، الكاميرا تستعرض الرّكاب، وبعد مشهد طفل صغير مع والده –لتركيز كمّية التراجيديا التي تضمن صدمةً جيّدة مع الحدث التالي- تنفجر العبّارة مخلفة أكثر من 500 قتيل!
كان مشهداً طويلاً نوعاً ما، بالإضافة إلى أنه في مكانٍ عام ولا يُركزّ على شخصيةٍ محددة، تصوير هذا المشهد مهتزّ، وتم أغلبه عن بُعد، ولم يكن هنالك أيّ حوار، الأمر الذي سرب مللاً مؤقتاً. نكتشف أنه ملل سرعان ما يختفي تدريجياً بعد الإنفجار، إذ تبدأ القصّة المعقدة بشدّنا معها، مع حاجةٍ إلى تركيز وسرعة استيعاب للحوار، أحداث متسارعة حتى نهاية الفيلم، تلك النهاية التي تبرر لنا جيداً سبب إخراج المشهد الأول بتلك الطريقة، الطريقة التي لم تعد مملةً بعد الآن.

هنالك أسماء نثق بفنيّتهم واختيارهم لنوعية الأعمال التي يمثلون بها، لدرجةٍ يتمكن بعضنا أحياناً من أقتناء أي فيلم يشارك به أحد تلك الأسماء، دون قلق، وبارتياح تام، إذ نشعر أن الفيلم سيقدم مادة جيّدة وسيمنح المتعة التي نبحث عنها. بطل هذا الفيلم أحد تلك الأسماء “دينزل واشطن” حيث يقوم بدور “دوغ كارلن” تحرّي في شرطة الميناء، يصل بسيارته بعد الإنفجار، يشرع في عمله محاولاً استكشاف الموقع وجمع معلومات وأدلة عن الجريمة، يلتقي مع أحد العملاء الفيدرليين -الممثل “فال كيلمر”- ولاحترافية دوغ وذكائه، يُستدعى للانضمام إلى فريق فيدرالي المكلف بجمع خيوط الحادثة والتحري لاكتشاف مرتكب العمل الإرهابي، خلال ذلك، تُعرض عليه جثة وُجدت بعيدة عن باقي الجثث، لشابة تدعى “كلير كوتشفر” يُظهر الفحص المبدئي أنها قد تعرضت للاختطاف والضرب وماتت قبل الإنفجار بفترةٍ قصيرة- مثلت الدور “بولا باتن”.
في مقالٍ سابق – مجلة لايف ستايل عدد ديسمبر2006- تحدثت عن فيلم (منزل البحيرة) والذي تدور أحداثه بين عاشقين في زمنين مختلفين، ويتراسلان عبر صندوق البريد، كنتُ قد أشدتُ بفكرة الفيلم بشكلٍ عام، فكرة الزمن وتعقيدها ومدى اتساعها ومتعتها رغم أنها طُرقت بكثرة، وانتقدتُ طريقة تقديم الفيلم لها، وبعض المغالطات والأخطاء، والأحداث الارتجالية، خصوصاً النهاية المجّانية. هذا الفيلم أيضاً قائم على فكرة الزمن، والاتصال عبر زمنين متقاربين، القدرة على العودة وترتيب أحداث مضت. يظهر ذلك عندما يجتمع فريق التحري أمام شاشة كبيرة، تعرض ما تلتقطه كاميرات موجهة من قمر صناعي -وكأننا أمام برنامج غوغل إيرث- ذات دقة عالية وقدرة فنتازيّة تخترق الاسمنت، تعرض ما حدث قبل (أربعة أيام ونصف) في حياة “كلير” بعد أن توقعوا أنها قتلت على يد الإرهابي نفسه الذي قام بالتفجير، كانوا يتحكمون بما تعرضه الكاميرا كيفما شاؤوا بشكلٍ (مباشر). وإجابة على استفسار التحري “دوغ” شرح أحد عناصر الفريق كيفية ذلك، وأشار إلى أنهم تمكنوا بالصدفة من خلال تجاربهم أن يقوموا بطيّ الزمن وجمع طرفيه، ما شكل الزمن؟ تخيّلته هنا سجّادة، طرفٌ يتواجدون به ويشاهدون من خلال الشاشة –حلقة الوصل- ما يحدث على الطرف الآخر.

واشنطن يقرر الانتقال إلى الطرف الآخر من خلال نفق زمني، ومن هنا تبدأ محاولاته بمراوغة ذكاء مرتكب الجريمة، وهو شخصٌ راديكالي يميني يُدعى كارول، وقام بهذا الدور الممثل (جيم كافيزل- Jim Caviezel) الذي على الرغم من لعبه أدوار قصيرة أو غير بطولية في مُعظم أفلامه، إلاّ أنها أدوار عميقة وذات شخصيات مضطربة، فأداؤه وتقمصه لها مُقنع، وكثيراً ما نجده في الأعمال القيمة التي تركز على الناحية الفكرية أو التاريخية أو البُعد الإنساني، ونتذكر من الأفلام التي لعب فيها دور البطولة فلميّ: آلام المسيح، والخط الأحمر الرفيع.

استخدم المُخرج خلال كثير من مشاهد الفيلم، أسلوب التصوير المُقرّب، التركيز على ملامح الوجوه والنظرات لإظهار الاضطرابات البادية وردود الأفعال من خلال إيماءات الوجه، ربما يشعر البعض بأن ذلك يزيد من حدّة توتّر الفيلم من خلال التحديق في عيون الممثلين وكثرة اهتزاز الكاميرا، وربما يشعر البعض أيضاً ببعض المبالغة، لكلٍ ذائقته، ولكن يبقى فيلماً مميزاً ويحمل فكرة عميقة تم التعامل معها بشكلٍ جيّد ومتماسك، يتضح ذلك بالنهاية التي كانت جداً ناجحة ومنطقيّة مُقنعة، إذ تتشعب طوال الفيلم الفكرة وتتعمق إلاّ أن النهاية أعادت الأمور إلى نصابها، ولم يتركنا المخرج متسائلين، بل تمكن من ملء جميع الفراغات، بغض النظر عن مدى واقعية الفكرة. ديجافو فيلم ذكيّ وممتع وهو من الأفلام التي بعد مشاهدتها تبقى مسيطرةً على تفكيرنا لساعات أو لأيام ربما.

The Lake House

 

كتابتي عن الفيلم تمت بعفوية تشبه إلى حدٍّ كبير تلقائية التناقض في مجرياته، وقد أبدو متردداً في تحديد وجهة المقال والقصد منه، ثناء وإعجاب بالفكرة، بالآداء، أم نقداً لفيلم يفتقد إلى الكثير من عناصر الإقناع. أكتبُ على أيّ حال، بناءً على ما شعرتُ بهِ أثناء مشاهدته، وما فكّرتُ به، وردّة فعلي كمُشاهدٍ عاديّ، والإنطباع العام الذي بقي لديّ بعد أن فرغتُ من الفيلم، ومن تبعات التفاصيل العديدة والمتباينة، بين الفكرة الأصلية المُعقّدة والمُحرّضة للخيال، والمَشاهد الجميلة والأخرى الارتجالية بل والمجّانية.
حمل الفيلم مسمّى (منزل البحيرة) وتم إخراجه على يد المُخرج الأرجنتيني (أليخاندرو أغريستي) وهو من بطولة الثنائي الذي قدّم لنا فيلم (سبيد) في جزئه الأول، الممثلَين الأمريكيَين الوسيمَين ”كيانو ريفز” الذي لعب في هذا الفيلم دور المهندس المعماريّ الشاب “آليكس وايلر”، والممثلة الفاتنة ذات الحضور الرشيق والطفولي “ساندرا بولوك” حيث أدّت دور الطبيبة الشابة “كيت فوستر” التي بدأت العمل حديثاً في أحد مستشفيات شيكاغو.

يبدأ الفيلم عند انتقال الطبيبة كيت من سكنها بحزنٍ وتردد، حيث ستفارق منزل البحيرة، ذلك المنزل الزجاجيّ من جهاته الأربع، العائم بأعمدتهِ على ضفّة بحيرة مشيغان، بدت كيت تعيسةً وهي تودع المنزل في جوٍّ صيفيٍّ عليل ونقيّ، بصحبة كلبها “جاك”، لتسكن في شقةٍ قريبةٍ من المستشفى، مقرّ عملها. وما هي إلاّ مشهدين حتّى تعود الكاميرا بنا إلى منزل البحيرة، وقد بدا هذه المرّة وكأنه مهجور منذ سنوات، يتوقف مالكه الجديد المهندس المعماري آليكس بشاحنته الصغيرة المحمّلة بالأمتعة، وفي طقسٍ شتويّ مُثلج يقوم آليكس بنقل أغراضه إلى داخل منزل البحيرة، ليبدأ العمل على تنظيفه وإصلاح أعطابهِ وتجديد طلائه حتى عاد صالحاً للسكن، رغم أنّه منزل شفاف فاقد لأدنى درجات الخصوصية.

تعود كيت إلى منزل البحيرة وتضع رسالةً في صندوق البريد المعدني المثبّت على قائمٍ خشبيّ مغروس أمام المنزل، يشبه تماماً صناديق البريد المنحوتة في ذاكرتنا منذ أيام الطفولة حيثُ تُعرض تلك الصناديق بكثرة في أفلام كرتونية مختلفة، لتستمرّ معنا نفس الصورة التقليدية لصندوق البريد حتى نكبر ونشاهدها في هذا الفيلم دون أن تلفت انتباهنا لأنها مألوفةٌ، على الرغم من أن عتبات بيوتنا خالية من مثلها، عموماً يبدو أن الحديث عن ذلك الصندوق السحريّ سيجعلنا نستطردُ كثيراً لما يحملهُ من ارتباطاتٍ في الذاكرة.
نعود إلى كيت التي وضعت رسالتها في الصندوق، لأنها حديثة الإنتقال فهي تحتمل أن ثمة رسائل ستأتيها على عنوانها القديم، لذلك طلبت في رسالتها إلى الساكن الجديد أن يقوم بتحويل أيّ رسائل باسمها إلى عنوانها الجديد. من هنا تبدأ الفكرة بالتذبذب لدى المشاهد، وليست سوى دقائق حتّى يتضح أننا نشاهد فيلماً يحاول أن يعيد لنا عقدة التفكير في قضية أزلية، والقائمة إلى يومنا، والمرتبطة بحياتنا، والمتسببة في رسوبِ البعض في مادة الفيزياء بالمرحلة الثانوية، فكرة الزمن المعقّدة، وسرعان ما نجد أنفسنا نتذكر النظرية النسبية لآينشتاين، والضوء، وأمنيات السفر عبر الزمن. من الرسالة تتضح المفارقة لدى آليكس، فهي موقعة بتاريخ 2006 في حين أنّ آليكس يقرأها في 2004، الرسالة كُتبت في المُستقبل، سنتان تفصل بينهما. ويجمعهما صندوق البريد الذي تحوّل إلى غرفة دردشة كما يظهر للمشاهدين، الإثنان يقفان أمام نفس الصندوق، يكتبان الرسائل لبعضهما، يسألها آليكس عن المستقبل، وتخبره بأن لا جديد، وتستمرّ الأحداث بخيالها العلمي الذي ينقصة بعض الإقناع، ويتحولان إلى عاشقين مناسبين لبعضهما تماماً، فقد وُجدا في المكان الصحيح، واتضح أنهما يتفقان في عدّة أمور، علاقةٌ كانت ستبدو ناجحة وسعيدة، لولا أنهما وُجدا في توقيتٍ خاطئ، فثمة زمنٍ يحتاج إلى إعادة ترتيب، سنتان تحتاج إلى اختزال.

أنا لا أرتدي ساعة يدّ، لأنني أكره الانتظار. الانتظار ممل بالتأكيد، وسيكون مملاً ومرهقاً بشكلٍ أكبر، عندما يكونُ انتظاراً معقداً كالذي يحصلُ مع كيت وآليكس لأجل يلتقيان. فقد أصبحا كمسافرين في قطارٍ واحد يتكون من عدّة عربات مغلقة، كيت في أول مقطورة تنتظرُ وصول آليكس الذي يجلس آخر مقطورة! هذا الإنتظار الممل هو عقدة الفيلم، إلى جانب الفكرة الأساسية التي كانت ستظهر بشكلٍ أفضل لو صُححت بعض الأحداث.
نهاية الفيلم كانت سعيدة، وهي ما يتمناه المُشاهد الذي يكتفي بالتعاطف مع أبطال الفيلم، لكنها غير مُرضية لمن يبحث عن أشياء أكبر، لأنه بعد أن حاول طوال الفيلم أن يتجاوز أخطاء صغيرة تقديراً للفكرة العامة والعميقة للفيلم، سيجد نفسه أمام نهايةٍ غير منطقيّة تمّ صرفها بالمجّان لجمهور المُتابعين. وعلى أيّ حال، إذا سألني أحد عن رأيي عن هذا الفيلم بشكلٍ عام، فسأقول أن فيلما استطاع أن يجعلنا نتفاعل معه ونجاريه بالخيال والتفكير ومن ثم الكتابة عنه، هو بالتأكيد فيلم لا يخلو من متعة ويستحقّ المشاهدة.

J A R H E A D

 

بعيداً عن أفلام الحروب الأمريكيّة ذات النهايات المنتصرة والسعيدة وعن الطابور الطويل من السوبرمانات ذوي القوى الخارقة الذين يؤدون أدوار البطولة فيها. بعيداً عن أيّ فيلمٍ يروّج لفكرة رجل المارينز الذي يخوض حرباً ويقارع جيشاً كاملاً، يفجر الطائرات والمباني والسيارات ومن ثم يعود إلى بلاده منتصراً حاملاً الشريحة الالكترونية المسروقة، أو الفتاة الرهينة، يعود ومعه كل الأشياء المطلوبة والمبهجة، ثم يحتفل ويتزوج الرهينة التي أنقذها وإلى آخره من المشاهد المتكررة في هذه النوعية من الأفلام! بعيداً عن كلّ ما سبق، يأتي فيلم (JARHEAD) حقيقياً ومنطقياً، يأتي مختلفاً ويركزُ على تلك التفاصيل والزوايا السيكولوجية الغامضة بداخل البيادق البشريّة في الحروب، تفاصيل المأساة التي تتكون ليس بالضرورة من الألم أو الدماء بل تلك التي تخلقها منظومةٌ متتاليةٌ من تقنيةٍ عسكرية مجحفة وعلاقاتٍ اجتماعيةٍ مضطربة وغربةٍ وتناقضاتٍ وحياة كاملة كأيّ حياة، هذا الفيلم يسلط الضوء على الاعتراك الانساني داخل الفرد بالزيّ العسكريّ. الفيلم من إخراج الفائز بجائزة الأوسكار، الذي يعرف كيف يصنع الدهشة من تفاصيل الصور والأحداث، المخرج “سام ميندز” وهو فيلمه الثالث بعد أن أبهرنا بفلميه السابقين فيلم “آميركان بيوتي” الذي رُشّح لثمان جوائز أوسكار، وفيلم “رود تو باردتشن”.
 الجميل والمحرّض لمشاهدة فيلم “جارهد” هو أنه مقتبسٌ من قصة حقيقيّة، فقد استند على كتاب مذكرات الجندي سوافرد، جندي قنّاص من قوات البحرية الأمريكية الذين شاركوا في حرب الخليج الأولى عاصفة الصحراء، فقد سرد في كتابه الذي نشر في 2003 قصته أثناء الحرب، والملفت أن الكتاب قضى تسعة أسابيع على قائمة النيويورك تايمز ضمن الكتب الأكثر رواجاً، ولازال إلى الآن من أكثر الكتبِ رواجاً في أمريكا. (القصة؛ رجلٌ يطلق النار من بندقيتهِ عدة سنوات، ثم يذهب للحرب، وبعد انتهائها؛ يعيد بندقيته للجيش ويعتقد أنه تخلص منها، ولكن مهما كان ما يفعله.. يحبّ امرأةً.. يؤسس منزلاً.. يغيّر حفاظات ابنه.. فإن يداه لا تتذكران.. غير البندقيّة!) هكذا يبدأ الفيلم بالمنولوج السابق بصوت الممثل الشاب بطل هذا الفيلم “جاك جايلنهال” الذي يذهلنا دائماً بأدائه المتقن للأدوار، وهنا يلعب دور “سوافرد”  جندي في العشرين من عمره في قوات المارينز.
 تطلق كلمة “جارهد” على جندي البحرية ومعناها “الرأس الجرّة” لأنهم يحلقون رؤسهم على شكل شفة مزمومة، هذه الجرار البشريّة تُفرّغ من مكتسباتها الإنسانية الماضية وتعبّأ من جديد بمفهومٍ عسكري. يقول سوافرد بداخل الفيلم: (تشير المضامين إلى أن رأس جندي المارينز تشبه الجرّة، وعاء فارغ!) وهكذا تسير أحداث الفيلم متتاليةً على هذا الغرار من المنولوجات الداخلية للبطل سوافرد، هذا الشاب الذي يحب القراءة والتأمل وجد نفسه جندي قنّاص في السرية الثانية فصيل الخليج، وجد نفسه يتعرّق في الصحراء ببزّةٍ عسكريةٍ ثقيلة، ويمارسُ تقنياتٍ مقترحةٍ محاولاً تجنّب الوحدة المملّة.  برز في الفيلم أيضاً، الممثل الحائز على الأوسكار “جيمي فوكس” حيث أدّى دور الرقيب أول Sykes ذلك الذي يقضي حياته في تدريب الجنود وفي المهمات الحربية مع البنادق والنار والنظام العسكري الصارم في الحروب، يقوم بإعداد المستجدين من الجنود كي يعرفوا حقيقة الحرب، يخاطبهم قائلاً: (في الحرب إذا ضحكتم ستموتون، إذا قمتم بحك أنوفكم ستموتون، إذا ذهبتم لقضاء حاجتكم ستموتون فلتفعلوها في بناطيلكم. سيكون تمويهكم كاملاً، ستكونون شجراً، أو صخراً، ستصبحون وحلاً أو رملاً، أو حتّى غباراً.) لكن تتضح الحقيقة المرهفة لهذا الرقيب القاسي، عندما يكونون على الحدود، بعد قصفٍ خاطئ من طائرات تابعة لهم، وبعد حالاتٍ من الهستيريا ألمّت بأحد الجنود، تتضح حقيقة هذا الرقيب وهو يتحدث للجندي سوافرد: (كان بإمكاني أن أعمل مع أخي آلن في الديار، كان بإمكاني أن أكون شريكه، فقد قال أنه سيعطيني تلك السيارة الدودج الجديدة) قال هذا وهو يستعيدُ ذكريات، ويتحدث كطفل. هذا الفيلم تصويرٌ حقيقيّ للحالة الإنسانية المتاهلكة في الحرب، دون النظر إلى الفوارق الآيدلوجية أو الإنتماءات السياسية، إنه يركز على حالةٍ لم يتم تصويرها كثيراً، إنه يظهر الأزمات النفسية التي يمر بها الجنود، ويظهر تلك الفكرة الصغيرة التي تبدأ كرغبة في إطلاق النار، حتى تتأزم وتصبح هماً وطموحاً وحالةً هستيرية وجنونية، ويظهر الدمار الذي يرتكبه البشر في حقّ أنفسهم، وفي حقّ الطبيعة والمخلوقات الأخرى، وتتجلى هذه الصورة بالذات عندما كان الجندي سوافرد يسير بين آبار النفط المشتعلة، والسماء السوداء تمطر نفطاً، وفجأة ظهر ذلك الحصان المتهالك من بين الأدخنة، كان مغطىً بالنفط ويتنفس بصعوبة، عندما تشاهد تلك اللقطة لن تتساءل حينها من جاء هذا الحصان؟ أو كيف وصل إلى هنا؟ بل ستنسى كلّ شيء، وتتجاهل جميع الاستفهامات الطارئة، وتتماهى مع مشهدٍ يختزلُ كثيراً من الكلام، حيث يقف سوافرد وهو يربّتُ على رأس الحصان ويقول (أنا آسف) وكأنه يعتذر للحصان نيابةً عن البشريّة كلها؛ لما ترتكبه من جرمٍ بحقّ الطبيعة والحياة.  إن الحديث عن جارهِد كثير ومغري، ولكني سأقف، كي لا أُنقص لذة المشاهدة الأولى لمن لم يشاهده. بقي لدي شيء وحيد أود قوله: صحيح أنّهم يعودون إلى منازلهم عندما تنتهي الحرب، ثمة حقيقة يكتشفونها فيما بعد؛ أنهم خلفوا وتركوا وراءهم الكثير، عادوا بأجسادهم فقط. قال سوافرد في نهاية الفيلم: (القصّة.. رجلٌ يطلق النار من بندقيته عدة سنوات، ثم يذهب للحرب، وبعد فترة يعود للديار.. ويكتشف أنه مهما فعل في حياته.. يبني منزلاً.. يحبّ امرأةً.. يغيّر حفاظات ابنه.. سيبقى دائماً.. أحمق! وكل الحمقى الذين يقتلون ويموتون سيكونون أنا.. فنحن ما زلنا في الصحراء!)

 سبتمبر 2006

إضافة:
بعد أن كتبت المقال وتم نشرهُ في مجلة لايف ستايل، شاهدتُ فيلم “ذي ثِن رِد لاين” الذي عُرض عام 98، اكتشفت أن فكرة “جارهد” طُرقت مسبقاً، ولكن بحربٍ أخرى، وبمعالجةٍ أخرى. شعرتُ أنه  أجدر بالكتابة عنه.عموماً مثل هذه الأفكار بشكلٍ عام تجذبني.  لذا فهذا المقال ليس عن جارهد فقط، بل عن الفكرة التي تسلط الضوء على إنسانية الجندي وصراعه النفسي وكلّ ما يعترك بداخله وهو في ساحة حرب، عن الفكرة التي تظهر الوجه الحقيقي للحرب، الوجه الذي لن يختلف، سواء انتصار أو هزيمة، يبقى مسخاً مشوّها.

The Motorcycle Diaries

 

مذكرات درّاجة ناريّة، كتبها أحد أشهر الزعماء الثوريين في القرن العشرين، إرنيستو غيفارا، والمشهور بـ غيفارا؛ وهنا أتحدثُ عنها كفيلم سينمائي لا يستطيع المُشاهد أن يتجاوزه دون أن يتحدث عنه، ولو كان همساً عابراً لصديق ما، بل لا يستطيع أن يتجاوز الفيلم دون أن يبقى ويلتصق بذاكرته كحدثٍ تاريخيٍ حقيقيّ، خُلقت خلاله أفكار لن أقول غيرت الحياة البشرية في هذا القرن –مع أنني لن أبالغ إذا قلت ذلك- بل سأكتفي بقول أنها أفكار غيّرت بشكلٍ تام مسار حياة شابٍ في الثالثةِ والعشرين من عمره، وجعلته ينتقل من طالبٍ خريج في كلية الطبّ؛ إلى رمزٍ مناضلٍ ضدّ الاستعمار والظلم والماديّة التي داست على إنسانية شعوب أمريكا اللاتينية حينها.

الفيلم بطبيعة الحال لاتيني، أي أنه مُثل باللغة الأسبانية. وجرت أحداث قصّته في عام 1952م. حيث قرر إرنيستو غيفارا والذي لعب دوره الممثل (غيل غراسيا برنال) وصديقه المتخصص في الكيمياء الحيويّة ألبرتو غراندو 29 سنة وقام بأداء دوره الممثل (رودريغو دي لاسيرنا)، قررا أن يجربا المغامرة في رحلةٍ طويلة، قبل أن ينهمكا في حياتهما العمليّة، غادرا بلدتهما في بوينس آيرس –الأرجنتين، في رحلةٍ على درّاجة ألبرتو الناريّة، بهدف التجوال واكتشاف أمريكا اللاتينية. سارا على طول الساحل التشيلي بمخططٍ مُعدّ مسبقاً، وبدراجةٍ متهالكةٍ محمّلة بأمتعةٍ كثيرةٍ تتجاوز طاقتها بكثير.

وفقاً للمخطط فإن الرحلة تنتهي في فنزولا حيث سيحتفل ألبرتو بعيد ميلاده الثلاثين هناك. خلال الطريق كانا يمرّان بمشاكل وعثرات ومواقف منها الحرج ومنها الحزين ومنها الطريف، كأن تتعطل الدراجة في حين، ويتعرضان للسقوط من عليها في أحيان أخرى، أو حتى الإرتطام ببقرة على الطريق كما حدث فعلاً.

في الطريق، تبدأ الأفكار بالتحوّل تدريجياً، عندما تفاجئمها الحقيقة، الحقيقة التي تظهر على وجوه السكان الأصليين من هنود أمريكا اللاتينية، الحقيقة التي تغطي سحنات الفقراء ممن أُغتصبت أراضيهم من قبل شركات خارجية، الحقيقة التي تلمع في أعين أطفالٍ مشردين، ونساءٍ وعجائز وشيوخ يتوزعون في بيوتٍ بلا أسقف، يخبّئون حنقهم وعجزهم وفاقتهم، يكبتون ذلك في سبيل توفير لقمة عيش لأطفالهم.  تأثّر الصديقان بما شاهداه. غيفارا المرهف والذي كان كثيراً ما يكتبُ خلال الرحلة، غيفارا المرهف كان الأكثر تأثراً بما يجري حوله، أناس يطردون من بيوتهم وأراضيهم، ومن ثم يعودون إليها كعمّال وصبيان تحت رحمة المغتصب، يعودون بدافعِ الجوع والمرض.

بدأ غيفارا -في تلك المرحلة- يعيش صراعاً داخلياً وشعوراً بالمسؤولية ورغبة بالتغيير والمساعدة، تعاطفاً مع كمية التعاسة التي شاهدها، رغم أنه قادم من بلدٍ آخر لا يحتوي على هذا الكم من البؤس، إلاّ أن القضية ليست قضيّة انتماءات، والتعاطف والتفاعل معها غير مرتبطٍ بحدود وجوازات، القضية قبلّ أي شيء؛ هي قضيّة إنسان. قبل نهاية الرحلة وصلا إلى منطقةِ عزلٍ لمرضى الجُذام، على ضفاف نهر الأمازون، وعملا هناك كطبيبين متطوعين، بقيا أياماً في تلك المنطقة، وساهما في تغيير الكثير نحو الأفضل، وهناك كان غيفارا قد عقد العزم، وقررّ مصيره بصمت. بعد رحيلهما عبر النهر في قاربٍ صنعهُ -حباً بهما وبأخلاقهما- الأطباء ومرضى الجذام وأهدوه لهما، افترقا ليواجه كلّ قدره وحياته، ذهب ألبرتو إلى فنزويلاّ، وكان قدر غيفارا أن يرسم تاريخاً جديداً، ويثور في وجه العالم، ضدّ الظلم والاستعمار.

بقي أن أتحدث عن الإخراج، فقد ظهر الفيلم بحلّةٍ عفويّةٍ وطبيعيّةٍ وبتصويرٍ غير معقد، ومن رأيي أنه يتماشى مع واقعية القصّة، كامرتان أو كاميرا متحرّكة فقط، دون الحاجة إلى الكثير من التأثيرات الإخراجية، الأمر الذي يضع المُشاهد بداخل المشهد ويقرّبهُ من الشخصيات ليتفاعل وكأنه يقف معهم، تم ذلك على يد الحائز على عدّة جوائز السنمائية عالمية المخرج [والتر سليس]. الجميل أن قصة الفيلم ليست بغريبةٍ على والتر كما أنها بطبيعة الحال ليست غريبة على المجتمع اللاتيني وعلينا أيضاً بل على العالم ككلّ، فكتاب (مذكرات دراجة نارية) من الكتب المشهورة عالمياً لارتباطها بقضيّة وثورة ووقتٌ بارز في التاريخ.


يقول المخرج والتر سليس في أحد لقاءاته الصحافية (كان للكتاب تأثير حقيقيّ عليّ، ليس فقط لأنها مذكرات غيفارا في رحلته لاكتشاف مكانه في العالم، بل لأنها أيضاً مذكرات في رحلةٍ أوجدت ما يسمّى بالهوية الأمريكية اللاتينية). أعجبتني جملة كُتبت على غلاف الفيلم، وبها أختم هذا المقال المتواضع عن الفيلم:

(دع العالم يُغيّرك، عندها تستطيع أن تُغيّر العالم!)