ToGoTea

الأرشيف

أبدو كاحتمالٍ واردٍ جداً، سأحدثُ في أيّةِ لحظة.

أبي العزيز أينما كنت الآن.. أكتبُ لك للمرّة الأولى، وأخصّكَ بصفحاتي الأخيرة من هذه المدوّنة، أريدُ أن تعرفني تمهيداً للقائنا المرتقب. بالمناسبة، أنا من النوع الذي يرتَبكُ عندما يُعرّف بنفسه، أقع تحت ضغط احتمالاتي النرجسيّة التي أتجاهلها كثيراً.

أنا ابنكَ المرتبطُ بالاحتمالات، أسيرُ جوارها، أنا من يجيدُ لغتها، أنا ابنكَ الذي نتأ على الأرض في الوقتِ الذي قذفوا بك من السماء، من مروحيّةٍ أنتَ وعشرات السجناء على يد القائد جاك ماسو ورفاقه، لتمسي رقماً من مليون ونصف المليون رقم من الشهداء. لقد أخبرني بذلك عمّي الذي هرَّبَنا إلى فرنسا، كنتُ رضيعاً بحِجرِ والدتي، كبرتُ وهو يخبرني عن أسرار حربكم، لم يكن ينسى شيئاً طيلة حياته، أو لأكن أكثرَ مصداقيّةً، لقد فعل ذلك مرّةً واحدة، عندما نسيَ أنّ أغلب سائقي الشاحنات في (كليرمون فيران) لا يكترثون بمن يقطع الطريق دون أن ينظر لكلا الاتجاهين، فمات.

أنا أيضاً، وُلدتُ على هيئةِ احتمالٍ بالموت نسبتهُ 80%، خرجتُ معلقاً بالحبل السرّي، ونظرات والدتي المتشنّجة، ومائة حبلٍ نسبيّ اخترتُ منها ما يخصّ الاحتمال المحرِّض، احتمال البقاء، مخيّباً بفعلي ظنّ ثمانين حبلٍ خاصٍ باحتمال النفاد، وبالطبع سأفعل، لأنني كنتُ قادماً من الفَنَاءِ على أيّ حال. بالمناسبة إن (الفَنَاء) هو الاحتمال رقم (3) من القائمة الخاصّة بمكان إقامتك الحاليّة، فأنا على مدى هذهِ السنين لا زلتُ غير قادرٍ على تحديد الأكيد، سأفعل قريباً، وقد يتم ذلك دونَ تلوين.

حسنٌ، دعني أوضّح جزئيّة التلوين.. أنا يا والدي اكتشفتُ أنّ الحياة ليست سوى مصنعٍ كبيرٍ للاحتمالات، ولا مناص من أن تكونَ بدايتهُ على يدِ أحد احتمالين، ماورائيّ، يقضي بالإيمان المطلق بالغيب، بالله. والآخرُ يفيد بصدفةِ بدءٍ محضة، أي أن الاحتمالات -في نقطةٍ قديمةٍ من الوقت- صنعت بدايتها بالصدفة، وبالنسبةِ لي لا أعتقدُ بالصدف كثيراً. أما نحن، أعني الأحياء، فإننا نخضع لاحتمالين أيضاً، الغياب –أنتَ تعرفهُ جيّداً- وهو احتمالٌ مسيطر، يفرضُ نفسه بالتأكيد، وأسمعُ همسهُ الآن. والثاني هو الحضور، التواجد بالحياة، التواجد كنوعٍ ضروري لتجسيدِ عمالةٍ جيّدةٍ لصنع احتمالاتٍ مختلفة: فكريّة، هوائيّة، ورقية، سائلة، احتمالات تحفظ بعيداً عن متناول الأطفال، معلّبة، شهوانيّة، دمويّة، احتمالات مخصصة للرؤوس التي تُعبّأ من الأمام، وأخرى للمعبّأة باحتمالات قديمة.. إلخ، والبشر أفضل صانعي الاحتمالات، جميعهم يفعل بجدارة؛ المتشردّون، رجال الأمن، الفلكيون، السَّاسة، الفلاسفة، المُحقّقون، الأطباء، الفيزيائيون، الهاربون، حتّى رجال الدين؛ إنهم مجرّد مستنتجي وصانعي احتمالات في واقع الأمر، ونصف عمَلهم قائمٌ على تعزيز ما يصنعون، ليتسنى لهم تطبيق النصف الآخر!

أعتقدُ أنّك ستقول بهلوستي، ولن أكترث بقولك، لأني أعي أتني شخصٌ عادي، شخصٌ فهمَ اللعبة جيداً. أنا أكتبُ قوائمَ بما ستؤول إليه الأشياء التي أهتم بها، وإذا قُضيَ أمرُ قائمة فيما بعد، أُلوّن احتمالاتِها باستثناء الصحيح الذي لا أستطيعُ تلوينهُ، لأنه –تماماً- كدقيقةٍ مضت لا أحد يستطيع عيشها والتصرف بها مجدداً. وهذا يا أبي كثيراً ما يُفقدني القدرة على الشعور بالمفاجآت. مثلما حدث مع بدء الأزمة العراقية –إذا كانت أخبارنا لا تصلكم فيؤسفني إخبارك بأن العراق سقطت، كبقيّة الأشياء التي تسقط- حين كتبتُ كلّ القرارات المحتمل صدورها من قبل الأطراف الكثيرة في القضية، والاحتمالات التابعة لكلّ قرارٍ قد يُتّخذ، وردَّة الفعل التي ستحدث على أرضِ الواقع لكلّ التابعات، النتيجة: إنني لا أتفاجأ الآن بأي حدثٍ جديدٍ في العراق، فجميعها –بالنسبةِ لي- مجرد احتمالات غير ملوّنة! إن ما قلتهُ –من أمورٍ قد تُصوِّر حياتي صارمةً ومملة- لا ينفي أنني أُرفّهُ عن نفسي كثيراً، حتّى عندما أقوم بوضعِ احتمالات، هذا بحدّ ذاته فعلٌ مُسلٍ جداً.

سأخبرك بموقفٍ تذكرتهُ الآن، ولك أن تضحك: ذهبتُ لحضور مباراة ليون وباريس سان جيرمان الأخيرة، جربتُ حينها كتابة احتمالات لنتيجة المباراة، لكني لم أشعر بحماسٍ تجاه هذه التجربة ولم أتابع المباراة جيّداً على أيّ حال، فقد أخذتُ أتسلّى خلال الشوط الثاني بالتفكير في الاحتمالات التي من الممكن أن تُجبر حكم الخطّ -الذي كان وحيداً في جهتهِ- على رفع الراية أو الجري إلى الداخل، في الوقت الذي كانت هجمات ليون متتاليةً في الجهةِ الأخرى من الملعب، كانت احتمالات قليلة جداً، مضحكة وغير متوقعّة، مثل اختناق حارس ليون بغطاء قارورة ماء، أو مطاردتهِ من قبل كلب مسعور فقد قرأتُ قبل فترة أن هذا احتمال ممكنٌ في السعوديّة.

صحيح، لم أخبرك بعد أنني في مكّة، لقد وصلتُ قبل يومين، كان الدافع رغبةً بتلبيةِ حاجتي إلى الموازنة بإضفاء عناصر روحانيّة، حاجتي إلى شعورٍ بتقليصِ الاحتمالات الواقعيّة والمنطقيّة، كنتُ أحتملٌ بأني سألمسُ عن قرب الرابطَ اللاهوتيّ الذي يسمحُ لي بالبكاء دون وضع مبرراتٍ مُقنعة، أو إيجاد الدافع الحقيقي وراء الخوف من الغيب. كنتُ أحتملُ أنني سأمرّ بتجربةٍ جديدةٍ تمكّنني، على الأقل، من تكوينِ احتمالاتٍ صحيحةٍ لمشاعر من يقوم بمعاقبة شرٍّ مجازيٍ بالجمرات، أو تجريب القدرة على القيام بمناجاة حاضرة الطرفين مع الله أمام الكعبة، لكنّني تخلّيتُ عن كلّ الدوافع السابقة اليوم، فقد بدأتُ أسمعُ همسَ احتمالاتِ الموت وبشكلٍ جادّ.

لذلك أكتب لك وأنا احتمالٌ مُلِحّ.

أكتبُ لكَ من حجرةٍ في فندق (لؤلؤة الخير) الموشك على الانهيار، إن بنايةً ضيّقةً، قديمةً، متهالكةً، وبطولِ أربعةِ أدوار؛ لن تتمكن من الصمود وهي تحتضنُ أكثر من مائتي حاجّ. لقد رأيتُ الشقوق تتمدد في سقف الحجرةِ بالأمس، كنتُ أتأمل حركتها قبل أن أنام! استيقظت على صوتُ أذان الفجر وهمسِ احتمالات الموت، وها أكتبُ لكَ بعد أن مضت ستّ ساعاتٍ تقريباً، خرجتُ خلالها خمسَ مراتٍ إلى الشارع، إلاّ أنني أطردُ أفكاري وأعود لألوّنها، وفي طريقي أتساءل عن مدى إمكانية توفير علبةَ ألوان للقاطنين في مكان ما بعد الموت! سرعان ما يقطعُ شرودي صوت احتمالاتي الممكنةِ جدّاً، أنتَ تتذكر ذلك الصوت، وعمّي -الذي لم ينسَ سوى مرّة- يتذكّرهُ أيضاً، أليسَ همساً غريباً يا والدي؟ والأغرب أنهُ لا يُخيفني الآن، اعتدتُ عليه بمضي الدقائق وانتشيت، إنهُ كأشياء نجهلها في طفولتنا، كصوت الآباء الذين يموتون باكراً، وكانعدام الصوت قبل حدوث الكوارث، إنهُ صوتُ الجري نحو السّلم عندما يكونُ احتمال سقوط جدارٍ إسمنتيّ أو بابٍ أو ثلاجةٍ حتّى أو ثمانين حبلٍ.. أسرعُ من الوقت المحتمل للنجاة.

تمّت في 27 أبريل 2006

 __________________________

إيلاف- مكة المكرمة «السعودية» 6 يناير2006: روى ناجون من حادث انهيار فندق (لؤلؤة الخير) هولَ الحادث الذي أسفر عن سقوط 76 قتيلاً على الأقل في موسم الحج. وقال الفرنسي من أصل جزائري طيب ميزاشا – 74 عاماً (كنت قد عدتُ للتو من صلاة الظهر عندما سمعت صوتاً رهيباً، اعتقدتُ أنه زلزال). وأكد ميزاشا أن أخبار 17 فرنسياً آخرين من أصلٍ جزائري انقطعت، وقد جاؤوا في إطار مجموعة من الحجاج من مدينة كليرمون-فيران الفرنسية.

Be Sociable, Share!

3 تعليق على احتمالات تزيد عن حاجة الحياة

  • Manalliza says:

    مدري ليه مافي أي تعليقات على هالقصه.. على إني أشوفها الأكثر تعقيد وعمق بين البقيه
    أحس وأنا أقراها إني أشوف صور_ شي طبيعي مع أي قرأه , عارفه_ بس لما تقرا جمله مجرده مثل هذي “أبدو كاحتمالٍ واردٍ جداً” وتشوف مليون صوره, هنا الموضوع يصير مو طبيعي… ليه جا على بالي على طول صورة عداد أكسجين يتحرك بدون توازن أو صورة ولد يحل مسألة رياضيات ويبكي, عيونه تبكي وهو مو حاس واللي يقهر أكثر إنه يحل واجب متعود يحله كل يوم …. ليه الدموع طيب؟

    “أبدو كاحتمالٍ واردٍ جداً، سأحدثُ في أيّةِ لحظة.”

    والله إختنقتت مع أول سطر وتقدر تتخيل وش صارلي مع السطر الأخير
    إضطريت أطبع الصفحه عشان أشققها قطع صغيره وأكورها ثم أغطيها بـ”صمغ مسدس” عشان ما يطلع منها ولا أية إحتمال… وأنا الان قاعده أشوتها عالجدار وترجعلى وأرجع أشوتها وأفكر .. ياترى أعطيها نصور أخوي يلعبها كوره وإلا أحطها في حوض السمك وأشوف إلى أي الأحتمالات رح تؤل…!

    • وأنا لا أعلم ما الذي ألهاني عن التعقيب عليك هنا لخمسة أعوام! بالفعل لا أعلم!! احتمال أن أعود وأقرأ هذا التعقيب لأول مرة، لم يكن واردًا أبدًا!
      أشكرك منليزا. وأعتذر على التأخير.

  • Pingback: .. ومآرب أخرى » احتمال وارد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *