ToGoTea

الأرشيف

تم تقديم هذا الموضوع بتاريخ 24-8-2016 في منصّة (مُحترف الكتابة) خلال مهرجان حكايا مسك في الرياض.

كُنت كلما عدت إلى الرياض في إجازة سريعة خلال دراستي في أمريكا أقابل أسئلة من نوع “كيف شيكاغو والعصابات؟”، وأُجيب مصححًا: Chicago جميلة، وصدقني لا وجود لعصابات كما الأفلام” تصحيحي ليس للصورة النمطية الخاطئة عن شيكا؟ـو كمدينة غير آمنة رغم، بل هو تصحيح لطريقة نطق اسم المدينة، فلا وجود لحرف الغين في شيكا؟ـو!

يتساءل أحد الأطفال بعد قراءته قائمة الطعام المكتوبة بالعربية، لماذا يختلف نطقه لتلك الوجبة الغربية عن طريقة نطق النادل الذي يسجل الطلبات؟ لقد قرأها بشكلٍ صحيح، مكتوب برجر لكن النادل ينطقها بلا جيم!

الأمر محيّر جدًا خاصةً للذين لا يتقنون الإنـGـليزية، الذين يقرأون تلك الكلمات بحروف عربية، ويقعون في حرج عندما يقوم أحدهم بتصحيح نطق الكلمة. صحيح أن تعلُّم لغة أخرى أو أكثر أمر جيد، يحفز الذاكرة ويفتح آفاق جديدة للفرد، ولكن يجب ألا يكون الشخص مُجبرًا على إجادة لغة أخرى كي يقرأ، بشكلٍ صحيح، قائمة طعام مكتوبة بلغته الأم! يجب أن توفر له أبجديتيه المقابل المناسب لأصوات تلك الكلمات، هذا أمر متوقّع من أية لغة، لكن اللغة لن تقوم بهذا الدور لوحدها، فلم تقم الحروف العربية (بإضافة النقاط على نفسها) بل أبو الأسود الدؤلي من فعل، ولم تبتكر لغة الأوردو ذاتها، بل قرر حاكمٌ في دلهي أن يجمع كلمات وحروف ووضع قواعد لغوية يفهمها كل جنود دولته التي احتوت على 1652 لغة، ليكوّن لغة الأوردو التي تعني بالتركية “الجيش”. اللغة كائنٌ حيّ يعتمد على البشر كي يتغذى وينمو ويتطوّر بحسب متطلبات التفاهم لدى المجتمع، عندما تعجز أبجدية لغة ما عن التعبير عن كل الأصوات التي يستخدمها شعب تلك اللغة، فاللائمة تقع على شعبها الذي لم يقم بتحديثها كي تستوعب جميع الأصوات لديهم، حتى وإن كانت هذه الأصوات في كلمات مستوردة من لغات أخرى، فقد أصبحت جزء من ثقافة ذلك الشعب واستخداماته اليومية.

ما هي اللغة؟

ولأنه موضوعٌ حساس وقد يتداخل عند البعض مع الهوية والتاريخ والقدسية أو الثقافة العربية بشكلٍ عام، يجب أن نعود للخلف قليلاً ونبدأ بالتعريف.

فاللغة هي نسق من الأصوات المنطوقة اتفق عليه مجموعة من الناس لتشكيل كلمات تشير إلى أدوات وأحداث ورغبات، يُشار إلى كل صوت فيها برمز أو أكثر، وتعتبر أهم وسيلة للتفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع الواحد في جميع ميادين الحياة.

بهذا التعريف المبسط الذي يمكن أن يصاغ بطرقٍ مختلفة، نستطيع أن نتصوّر أن اللغة وجدت للتفاهم واستمر الإنسان بتطويرها لكي يتمكن من التعبير عن جميع أفكاره ورسم رموزها وحروفها لتشير إلى جميع الأصوات التي ينطقها، وفي المقابل ارتقت أفكاره وتطورت باتساع قالب لغته، فالأفكار العظمى تسجلها الشعوب التي تعرف كيف تتعامل مع لغاتها.

لمحة عن تاريخ اللغة والأبجدية العربية

إن مُعظم الأبحاث تُشير إلى أن الأبجدية العربيَّة نشأت وتطوَّرت من الأبجدية الآراميَّة، وأن أصول الحروف العربية كما نعرفها الآن، أُخذت من الأحرف الأبجدية الساميَّة الجنوبيَّة أو العربية الجنوبية، وأنَّها انتقلت إلى شبه الجزيرة العربيَّة عبر اللغة النبطيَّة في جنوب الشام.

فقد قسّم علماء الآثار اللغات العربية إلى قسمين عربية شمالية، وعربية جنوبية وتحت كل قسم تنسدل فروع لا حاجة لذكرها هنا. استعمل العرب الجنوبيون حرف النون كأداة للتعريف بوضعه آخر الكلمة (بيتن)، بينما استعمل العرب الشماليون حرف الهاء في بداية الكلمة كأداة للتعريف (هبيت) كما هو حال الآرامية والعبرية.

دلائل وآثار

أقرب النصوص القديمة للعربية الشمالية هو نقش النمارة الذي اُكتُشِف بجبل الدروز، مكتوب بالخط النبطي القريب من الخط العربي الحالي على ضريح امرئ القيس بن عمرو المؤرخ بـ328م.

 

الترجمة الصوتية الترجمة

«تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج

وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وجأ

بزجي في حبج نجرن مدينت شمرو ملك معدو ونزل بنيه

الشعوب ووكلهن فرس والروم فلم يبلغ مبلغه

عكدي هلك سنت 223 يوم 7 بكلول بلسعد ذو ولده»

تي نَفسُ (قبر) امرؤ القيس بن عَمرو مَلِكُ العرب، ولقبهُ ذو أسَد ومذحج.

ومَلَكَ الأسديين ونزار وملوكهمْ وهَرَّبَ مذحج عَكدي (كلمة عامية تدمج الكلمتين “عن قضى”، بمعنى بعد ذلك) وجاء (اي امرؤ القيس) يزجها (يقاتلها بضراوة) في رُتِجِ (ابواب) نَجران، مدينة شمّر، ومَلَكَ معد (بنو مَعَدْ في اليمن) ونَبَلَ بنَبه الشعوب (عامل نبلائهم باحترام ولطف) ووكلهن (اي عين نبلائهم شيوخا للقبائل) فرأسو لروما (فاعترفوا بسيادة روما عليهم) فلم يبلغ ملك مَبلَغَه.

عكدي (بعد ذلك) هلك سَنَة 223، يوم 7 بكسلول (كانون الأول)، يالِسَعْدِ ذو (الذي) والاهُ (بايعه او جعله وليا له).

هنالك أيضًا نقش عين عبدات في صحراء النقب، ويعود تاريخه إلى القرن الأول بعد الميلاد، وقد نقشه شخص يدعى “جرم الهي” إذ كتب أول سطرين منه بالحروف الآرامية ثم قصيدة من ثلاثة سطور بالحروف النبطية، ووقعه في السطر السادس بالآرامي وجاء فيه:

الترجمة الصوتية الترجمة

ذكير بطب قرا قدس عبدت الها وذكير

من ………………..

جرم الهي بر تيم الهي صلم لقبل عبدت الها

فيفعلوا لافدا ولا اثرا فكن هنا يبغنا الموتو لا

ابغه فكن هنا ارد جرحه لا يردنا

جرم الهي كتب يده

مذكور بخير القارئ قدام عبدة الاله مذكور

من …………………………

جرم الله ابن تيم الله قدام عبدة الاله

فيفعل لافدى ولا اثرا فكان ان يبغنا الموت لا

ابغه فكان ان راد جرح لا يردنا

جرم الله كتب بيده

ونقش حرّان اللجاة جاء فيه «أنا شرحيل بر ظلمو بنيت ذا المرطول سنت ٤٦٣ بعد مفسد خيبر بعام»

وهناك نقوش أخرى في قرية الفاو عاصمة مملكة كندة وقد كتبت بالخط المسند وتعود إلى القرن الأول قبل الميلاد ووصف الباحثون لغة قرية الفاو بأنها “شبه سبئية” ومع ذلك فقد استخدموا الألف والميم كأداة للتعريف، وهذه الاستخدام لازال دارجًا في جنوب السعودية في منطقة تهامة وجازان.

ترتيب الحروف العربية

  1. الترتيب الأبجدي: ويتكون من حروف ذات الأصل الساميّ وأخرى عربية. أما السّاميّة فعددها اثنان وعشرون (22) حرفا وهي: أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط، ي، ك، ل، م، ن، س، ع، ف، ص، ق، ر، ش، ت. وأما العربية فهي ستة (6) أحرف أضافها العرب إلى الأصل السامي وانفردوا بها، وتسمى “الروادف” وهي : ث، خ، ذ، ض، ظ، غ.
  2. الترتيب الهجائي: وهو ترتيب شكلي يعتمد على الأشباه والنظائر -تشابه في الرسم- ويرجع هذا الترتيب إلى نصر بن عاصم الليثي بتكليف من الحجاج بن يوسف الثقفي. وهو كالتالي: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ، ف، ق، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي.
  3. الترتيب الصوتي: رتبت الحروف العربية ترتيبًا صوتيًّا بالاعتماد على مخارج الحروف، ويرجع هذا الترتيب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو الترتيب الأقل شهرة. – نظام الحروف فيه : ع، ح، هـ، خ، غ، ق، ك، ج، ش، ض، ص، س، ز، ط، ت، د، ظ، ذ، ث، ر، ل، ن، ف، ب، م، و، ي، أ.

اللغة والفكر

هنالك أمرٌ واحد لو اختفى من نسق الحروف والأصوات اختفت قيمتها، وهو الفكر. فاللغة قالبٌ لنقل الفِكر. يمكن للفرد أن يقدّس الفِكر، المعتقد، المعنى، ويؤمن به. ولكن في المقابل، فإنه مضيعة للوقت أن يقوم بتقديس لغة. اللغة كأصوات ورموز عشوائية خالية من الفكر، وليس من المجدي المفاضلة بين اللغات، وحدهُ الفكر الذي تحمله ما يستحق المفاضلة والمدح، الفكر الموجود في كتب الشعر، في القصص، في التاريخ، والفِكر الراقي، النبيل والسماويّ الموجود في القرآن، فقد قال تعالى في سورة الشعراء “وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)”، لم يقل بلسانٍ عربيّ مقدّس، ولا جميل ولا عظيم، بل مبين، أي واضح ويوصل لكم التعاليم السماوية يا مشركي قريش، كي لا تعرضوا عن الفكر الذي يحمله وتتحججوا بأنكم لم تفهموا معانيه لأنه بلغة أخرى مثلاً. والدليل على أنّ قيمة القرآن في الفكر الذي يحمله لا اللغة التي نقلته، ما جاء بعد تلك الآية “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ(199)”، زبر الأولين لم تكن بالعربية، ومع ذلك فإن الله جلّ وعلا يؤكد أن الفكر الذي يحمله القرآن وهو سبب نزوله، موجودٌ في كتب الأولين ويعلمه علماء بني إسرائيل، ويقول أنه لو أن القرآن أنزل بالعربية على غير متحدثي العربية لما آمن به أحد، فاللغة ليست المؤثّر، بل ما تحمله من أفكار وتوجيهات.

وهنالك آيات وأمثلة أخرى وجميعها تشير إلى أن سبب نزول القرآن بالعربية هو أن نعقل التوجيه والفكر الموجود فيه لنتقِ ونعلم وندرك وننذر، لا أن نُقدس اللغة التي نزل بها.

ولأن اللغة تتطور، فتخفف فيها أصوات، وتقلب فيها حروف، وتستحدث كلمات، ولأن الأبجديات وُضعت لترميز أصوات شعوبها، فلماذا لا تتم إضافة وكتابة الأصوات المستخدمة لدى المجتمعات العربية إلى حروف لغتهم كأصوات إضافية لا أساسية؟ فقط لكي نتمكن من كتابة كل ما نقول من كلمات درجت على ألسن المجتمع، منها أصوات تتفرد بها اللهجة، ومنها ما يأتي في كلمات وأسماء أعجمية مستخدمة وليس لها مقابل عربي.

لماذا لا تتم ترجمة هذه المصطلحات إلى العربية؟

لأن الترجمة لا تنجح دائمًا، فالكثير من المصطلحات والأسماء المترجمة لم تحقق درجة الاستخدام الشعبي المرجوّ منها حتى في العصر الذي كان من المفترض أن تنجح الترجمة فيه، ففي القرن الماضي كانت الفرص مواتية، غالبية الدول العربية تنعم بالاستقرار، ذروة النتاج والحراك الفني والثقافي، مجامع عربية نشطة تقوم بدور فاعل، عدد الكلمات والمسميات الأعجمية الدخيلة  قليل، البرامج التلفزيونية التعليمة تقوم بدور توعوي وتثقيفي على مستوى واسع، كان من المفترض أن تساعد كل هذه العناصر على إنجاح مشروع ترجمة أسماء المبتكرات الأجنبية، ولكن التاريخ يُثبت أن الشعوب تميل إلى تسمية الشيء باسمه، فالعالم أجمع يسمي الوجبة اليابانية سوشي بسوشي، فلم يأGــلزها الإنـGــليز، ولم يروسنها الروس، تمامًا كما هو الحال عند العرب فبقي الساندويتش ساندويتشًا لا شطيرة، وبقي الفاكس فاكسًا لا ناسوخًا. ربما تمكنت بعض الكلمات مثل الهاتف من النجاة ولكن ذلك لا يعني أنها دارجة أكثر من تلفون. كما أنه وقبل 1400 عام أتى القرآن الكريم بكلمات من أصول أعجمية أستخدمها العرب مثل قوله تعالى «عاليهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ وإستبرقٌ وحلوا أساور» (الإنسان آية 21) فالسندس من أصل هندي وتعني الحرير الرقيق، أما الإستبرق فهي من أصل فارسي وتعني الحرير الغليظ، فالعرب يتقبلون الكلمات الأجنبية منذ ذلك الحين. فماذا عن هذا العصر؟ عصرنا الذي لا يمر أسبوع به حتى نفاجأ فيه بمسمى أو اصطلاح لابتكار جديد يسود ويُستخدم في أحاديثنا، بدءًا من “فيسبوك، وتويتر، وانتهاءً بانستـgـرام وسناﭘـشات” بالإضافة إلى المصطلحات التي تنشأ معها والتي قد نتفق على ترجمتها، كـ منشن وفالوو، وغيرها. ورغم أن نطقنا لمعظم أسماء هذه الابتكارات والأدوات يختلف عن طريقة كتابتنا لها إلا أننا إلى هذه اللحظة نصرّ على استخدام الأبجدية كما هي منذ مئات السنين للإشارة إليها بشكلٍ لا يعكس طريقة لفظها، فيما يتطور العالم وتدخل أصوات جديدة إلى معجمنا اللغوي المستخدم في تعاملاتنا اليومية دون أن نفرض المقابل لها في العربية. لا وقت أنسب من وقتنا هذا لإعطاء تلك الأصوات رموزًا تُضاف إلى أبجديتنا العربية كأصوات إضافية، تدخل في معاجمنا ومناهجنا التعليمية ونفرضها على شركات البرمجة والهاردوير كي تتحول إلى مفاتيح على الكيبورد، تسهل طباعتها وتسود كما ساد نطقها بين شعوبنا العربية.

الأصوات الثلاثة

هذه الجزئية تتمحور حول ثلاثة أصواتٍ أرى بأهمية توحيد استخدام رموزٍ عربية تمثلها في الكتابة، وهي الـP والـV والـG. إن ما يجعل أمر إيجاد الرموز سهلاً هو حقيقة أنها سبق وأن أضيفت لها رموز عربية جُلبت من لغات لثقافات قريبة ومجاورة لنا جغرافيًا، تلك الثقافات استخدمت رسم الحرف العربي للترميز إلى لغاتها التي تحتوي على هذه الأصوات، ومن ثم استعان العرب بهذه الرموز عند الترجمة الصوتية لكلمات أجنبية، مثل استخدام الحرف (ڤ) للدلالة على صوت الحرف (ـV)، وحرف الـ(پ) رمزًا لصوت الحرف (P)، ولكن كما يلاحظ الكثير أنه قلّ استخدام هذين الحرفين، وذلك لسببين: الأول هو غيابهما عن المناهج التعليمية، الثاني هو صعوبة طباعتهما على الكيبورد، وحده المتمرس لبرنامج الوورد والمهتم بصحة قراءة المتلقي لما يكتبه، من يتمكن من إيجاد الحرفين وطباعتهما. ولغيابهما عن مناهجنا واستبدالهما في الترجمة الصوتية بحرفي الباء والفاء، أصبح الكثير لا يفرقون بين الأصوات رغم اختلافها. أعرف أشخاصًا يتحدثون الإنـGـليزية بطلاقة ولكنهم يعجزون عن نطق الحرفين الـV والـP، وينطقون: Development مثلاً بالفاء، وParking بالباء، ويقعون حرج قول مالا يقصدون، فعندما تُنطق Parking بالباء يتحول معنى الكلمة من موقف سيارة إلى “نباح”. إن عدم استخدام الحروف المناسبة في الترجمة الصوتية لا يؤثر فقط على طريقة قراءة الكلمات بالعربية، بل يتجاوزه إلى التأثير إلى طريقة نطقك لكلمات في لغات أخرى إذا كنت مهتمًا بتعلمها.

الصوت الثالث والذي يزيد المسألة أهمية وذلك لكثرة الحروف المستخدمة للتعبير عنه هو حرف الـ(G)ـا. فمثلاً اسم الشخصية الهندية المشهورة Gandhi الذي درجت تسميته العربية الخاطئة بغاندي بسبب كتابته، أو محرك البحث Google، الذي لا نخطئ في نطق مسماه بسبب شهرة وعالمية لفظه وبسبب وجود صوت الݠاء في لهجاتنا العربية. ورغم وجود حرف (گ) الذي يرمز إلى الصوت المتمثل في حرف الـ(G)، إلا أننا لا نتفق على شكل عربي موحد لطريقة كتابته فنراها تكتب كـ: جوجل، قوقل، كوكل، غوغل، گوگل. جوجل يكتبها بعض أخوتنا المصريين بسبب واضح ومنطقي وهو صوت الجيم المصرية الذي يطابق صوت حرف G في الكلمة، وقوقل يكتبها بعض الخليجيين بسبب تخفيفهم في لهجاتهم لحرف القاف ليكون صوته مطابقًا لصوت الـG، وتختلف الحروف المستخدمة بحسب المرجعية الجغرافية للكاتب وخلفيته اللغوية.

مؤخرًا، قام مجمع اللغة الافتراضي، والذي يُدار على يد مجموعة من الأكاديميين وأساتذة اللغة برئاسة الدكتور عبدالرزاق الصاعدي، بإقرار رسم جديد لهذا الصوت، صوت القيف، على شكل (ق) بنقطتين أسفل الدائرة (ݠ)، وجاء في القرار “أن الصوت الواقع بين القاف والكاف الذي جرى على ألسنة أقوامٍ كُثُر من العرب قديماً وحديثاً ووصفه ابن قتيبة وابن فارس وابن خلدون يستحق أن يسمى: (صوت القَيْف) (وتنطق كلمة القَيْف على وزن السَّيْف، بنطقهم لذلك الحرف في لهجاتنا. وتم اختيار مصطلح (صوت القَيْف) لاختصاره ودقّته وبعده عن المناطقية والفئوية، لأن هذا الصوت شائع في مناطق متعددة ومتفرقة عند المشارقة والمغاربة. ولأن هذا الصوت يأتلف في نطقه ورسمه وينسجم مع أسماء الحروف العربية، وأنه صوت فرعي كما وصفه سيبويه وابن قتيبة وابن فارس وابن خلدون.” ومسوّغ القرار وفقًا لإعلان المجمع، “أن بعض القدامى في القرن الرابع يرسم صوت القيف بالكاف الفارسية (گــ) وبها رسم ابن دريد في الجمهرة وابن فارس في الصاحبي بيتاً لشاعرٍ تميميّ نجديٍّ بلغة القفقفة (ولا أكُولُ لِكدرِ الكَوْمِ قَدْ نضجت) ولم تكن هذه الكاف الفارسية وجهاً أو اختياراً مناسباً، إذ نتج عنها انحرافٌ صوتيٌّ لهجيّ ولحن يتفاقم مع الأيام، وتحوّلت القَيْفُ إلى كاف خالصة، بسبب الرسم المشابه للكاف، وأسرعَ في ذلك تركُهم شرطة الكاف العليا فوقها تهاونا في أمرها، ورسمت القيف بكاف خالصة؛ لأنها غير مألوفة بشرطتها الفارسية الملتبسة بالفتحة، وحدث هذا التحوّل أو الانحراف الصوتي اللهجي في عدد من الأسماء في العراق والشام كثيرا، كالعلم (قاصد) ينطقونه بالقَيْف ويرسمونه بالكاف الفارسية، (گاسط) ولكنهم مع الأيام تناسوا أنها كافٌ فارسية واختفت الشرطة، فتوارثوا هذا الاسم وأمثاله بالكاف العربية (كاصد) فانحرف صوت القيف مع الأيام إلى كاف خالصة، ورأيتهم يكتبون (كاصد كريم) يعني قاصد كريم، ومثله (مطلق) كانوا ينطقونها في العراق كما ننطقها في لهجاتنا بحرف القيف، ولكنهم كتبوها بالكَاف الفارسية (مطلكَـ ) وتحوّلت مع الأيام بسبب وهم الكتابة إلى الكاف العربية، فكتبوها: (مطلك) ونطقوها بالكاف بدل القيف.” نهاية الاقتباس.

إن نشوء مثل هذا المجمع الافتراضي، أمرٌ مبهج، فنحن بحاجة إلى مرجعٍ لغوي مشكل من لجنة أكاديمية، يقوم بدفع دفة اللغة، هذا الكائن الحي، باتجاه التطور لتتماشى مع حاجات الناس ومتطلبات العصر اللغوية. فإقرار المجمع لصوت الݠيف يجعل المهتم منّا ملزمًا على توحيد كتابته العربية لهذا الصوت عند كتابة كلمات أو أسماء تنطق باللهجة العامية، أو كتابة ترجمات صوتية لكلمات أجنبية تحتوي على ذات الصوت. إن توحيد استخدام هذه الأصوات لا يتأتى بجهود المستخدمين للغة العربية وحدهم بل يحتاج إلى الجهود المنظمة والاتفاقيات على المستوى الرسمي، لذلك نتطلع إلى أن يتم تبني مخرجات هذا المجمع من قبل الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الحكومية لتحقيق الانتشار، فالمستفيد الأول والأخير هو نحن والأجيال القادمة الذين سيجدون أنفسهم مجبرين على الكتابة العربية مستخدمين حروف لغة أخرى، أو الاستغناء عن لغتهم إذا لم تنجح لغتهم الأم من احتواء ثقافتهم وتمكينهم من كتابة الكلمات تمامًا كما تُنطق في أحاديثهم.

هذه الخطوة بحاجة إلى دعم من المثقفين والإعلاميين والكتّاب وذلك باستخدام هذه الحروف والتوعية بها، كما تحتاج إلى دعم المصممين والمبرمجين لتصميم الرموز بكافة الخطوط العربية المتوفرة، وتعديل الترميزات الحالية للغة العربية في أنظمة الحاسوب والأجهزة الذكية كي تحتوي على الثلاثة أحرف (پ ݠ ڤ) بعد الاتفاق على مكان وكيفية الوصول إليهم في لوحة المفاتيح. حينها فقط سنتمكن من توسيع دائرة الوعي العربي، والتأكد من توحيد الاستخدام لهذه الأصوات عند الحاجة.

سأبدأ بكتابة شيكاݠو وإنݠليزي وسناپشات، متمنيًا ألا تستمر جهود توحيد رموز هذه الأصوات كمحاولات فردية تتنوّع ويكثر فيها الارتجال. أنا متفائل جدًا بجيل جديد واعٍ، فالتغيير لا يأتي إلا على يد من يتطلع إليه ويسعى إليه ولا يهابه، وهذا الجيل كبر وبين يديه أجهزه يتصفح خلالها جميع ثقافات العالم. التغيير يجيء منكم، جيل يحترم ثقافته وهويته، ولا يخشى التطوّر، لأنه يعي أن الارتقاء بالفِكر يتطلب تطويرًا لقالب لغته ليتّسع لكلّ الأفكار، والأصوات والمصطلحات التي يستخدمها مجتمعه.

 

موضوعات ذات علاقة:

القرار الحادي عشر: رسم حرف القيف: مجمع اللغة العربية: الأستاذ الدكتور عبدالرزاق الصاعدي
أبجديّة عربية
تاريخ الأبجدية العربية
خط المسند
أبجدية نبطية
خط الجزم ابن خط المُسند – محمد علي مادون
الفرق بين لوحة المفاتيح العربية 101 و 102
المحتوى العربي على الإنترنت بين الندرة والضياع

Be Sociable, Share!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *