ToGoTea

الأرشيف

هي الوتر الذي يخلق فكرة أجمل في مخيلتك وأنت تقرأ، العاطفة وتر “الشرارة” لو كانت الكتابة عود، وفي هذه المعزوفة، صوت “الجواب” يحتاج إلى إعادة دوزنة.

وكأن الليل بحّار، أو هكذا أشعر، يطوي شباكه فارغة في صدري بعد يومٍ كامل من الصيد، أسمع الآن خطواته على الرصيف الخشبي يمشي بقرعِ الخائبين. يأتي النهار وأخرج إلى زحمة، الكل ينظر للأعلى وكأنهم يتوقعون سقوط شيء، ولا شيء يسقط. أقود دراجتي وأحيي ساعية البريد، تخبرني أن على الجيران الجدد كتابة أسمائهم على الصندوق، أخبرها أنني لا أكون موجودًا في النهار كي أبلغهم ذلك، أعيش النهارات بما أتظاهره من سعادة، ثم أعود وأقابل الليل عائدً من البحيرة، نصل سويًا، يَسقط مفتاحي فيلتقطه قبل أن يلمس الأرض، ندخل إلى الشقة، أخلع معطفي ويعلقه الليل على الشماعة. ثم تهزّ ساعية البريد كتفيها، وتقول، لقد تركت لهم ملحوظة على أية حال، وتغادر.

يختلط الزمنُ فيما أحكيه، وتفتقد الأحداث منطقيتها. ولا أحتاج إلى منطقٍ في هذا الليل، إنه يقرأ لي حكاية ما قبل النوم، ولا أتمكن من النوم، لستُ معتادًا على الاستماع إلى حكاية لأنام. والنوم لا يأتي على أية حال. سألتني الدكتورة أنبور: “هل لديك صعوبة في البقاء نائمًا، أم صعوبة في النوم؟” قلت الثانية. “ما اسم الحبوب التي تستخدمها؟” ميلاتونن. وتحوّلت الدكتورة إلى محقق، “هل لديك أقوال أخرى؟”. ثم يشعل سيجارة ويمدّها إلي. أجبت: أرغب في توكيل محامٍ. فيضحك، ويقول: ابني، هذا أنا. ثم يتصاعد للأعلى ويعطى السماء صفة الليل.

وتذكرتُ أنني لا أستخدم دراجتي في الشتاء، وأن ساعية البريد لم تعد تقف لتحدثني عن الجيران، تخاف أن تنكسر رئتها وهي تضحك. السيجارة والشتاء يجعلان من فمي مدخنة وأنا أقف في الخارج، أنتفض، ويتساقط الرماد على عتبة الباب ويخبر الثلج بأنه للتوّ كان سيجارة، ولا يصدقه الثلج أو أن التفكير في ذلك يتعبه، فهو أيضًا يتوقع ذوبانه في أية لحظة.

ثم أعود إلى الداخل، ويتبعني الليل، أخبره أنه أدى دور المحقق بحرفية عالية، فيتظاهر بعدم الاهتمام وكأنه معتادٌ على الإطراء، يأخذ مني شباكه الفارغة، مطويةً كما يجيء بها. أتمنى له رحلة صيد جيدة، أسمع قرع حذائه على الرصيف الخشبي. يدخل النهار وأخرج إلى زحمة، الكل ينظر للأعلى وكأنهم يتوقعون سقوط شيء، ولا شيء يسقط.

Be Sociable, Share!

6 تعليق على الحبق الحافي. (17)

  • نوفه says:

    نص رائع
    مستمتعة بما تكتب
    شكرا لك

  • Maha says:

    سيباغتهم سقوط صحن “حبقي” طائر من الأعلى..
    و سيظلون فاغري أفواههم ، متسمرين في أماكنهم ،
    و قد يتعثرون بأجساد كلابهم الأليفة أثناء نزهتهم..
    أو قد يُدهس أحدهم بدراجة نارية دون أن يدري ،

    ذلك أن رائحة “الحبق” قد غسلت ألبابهم ،
    و نفدت إلى أرواحهم باحترافية روائح “جان باتيست
    غرنوي” حين تمزق المنطق مغتالة هذه الروح
    البشرية..

    تحية كبيرة لهذا القلم ،
    كل الاحترام ،
    مها

  • Me says:

    و أنا؟

    كنتُ انتظر أن تنطق، تكتب.. قبل أن يجثو الليل على ركبتيه متمسكاً بأطراف النور الراحل، و قبل أن تحرق النار السيجارة و تخلف الرماد… قبل أن ينتهي حوار الرماد و الثلج على تلك العتبة تحت أقدامك … و قبل أن يذوب الثلج و تنطفىء النار … و يتسلل البرد إلى عظامك …
    بين كل تلك الأحداث المتتالية حقبةً من الزمن تعادل رشفة شاي بالحبق …
    ك
    ن

    ب
    خ
    ي
    ر

  • Khalid Samti says:

    نوفة شكرًا لك.. أسعد بك دائمًا..
    الودّ.

  • Khalid Samti says:

    مها: كلام جميل، ولكنه أكثر مما أستحق.
    شكرًا على أية حال.
    خالص الودّ.

  • Khalid Samti says:

    وأنتِ؟
    قريبة كما تكونين دائمًا، دائمًا.
    ودّي الكثير إلى حيث أنتِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *