ToGoTea

الأرشيف

لا أريدُ النوم لكني أطفأتُ نور حجرتي الآن؛ في الساعة الثانية من منتصفِ الوِحدة، حيثُ لا شيء يفصلُ بين الشِّعرِ وشَعرُ حاجبي الأيمن، بين الخيال والحقيقة المطلقة، بين التعبير وعدم القدرة على الحديث، في الثواني الأولى من منتصف الأحداث السابقة حيثُ لا حواجز بين استيقاظي الساعة العاشرة مساءً وبين المحاضرة الأولى اليوم، بين حذائي والصرصار، بين كأسِ الشاي وهاتفي المُغلق، بين الليل، النهار، الصلوات الخمس، أبو جهل، الأصدقاء، الفئة الضّالة، رواية موريسون، لقاء الماغوط، مقاطع، مطر الرياض، الغائبة، سجائر دافيدوف، فيلم The Game ، أعطاب سيارتي، العادة السرّية، المدير، صديقة، اللغة الهيروغليفيّة، رائحة المكيّف، الإنترنت، شحّ الكتابة.. إلخ.. وبيني.

بيني وبين والأيام الشاسعة والممتلئة كعواصم الدولِ النامية، بيني وبين إطفائي للنور قبل قليل وصورة صديقٍ مسجون، بيني وبين الحلم في الساعة الثانية وخمسُ دقائق من منتصفِ الأشياء، حيثُ لا فرق ولا تناقض، أجلسُ أمام الشاشة كموظفِ حجز، ولن أنهض حتّى أقطع جميع التذاكر –قتلتُ ذبابةً كانت تسير على الشاشة الآن- لن أنهض حتّى أنهي هذا الزحام، لابدّ أن يتاح مجالٌ للصدّى حالاً، لابدّ أن يعود الفراغ ولو لساعةٍ واحدةٍ من منتصف جميلٍ وغائب.

لذا سأكتب رغماً عن تداخلِ كلّ شيءِ وامتلاء الوقت ونصفهُ الأول، سأكتبُ والذبابة التي قتلتها سقطت على زرّ F5 ، أزحتها بيدي -لا أعتبر هذا تصرفاً مُقرفاً على أيّة حال- إنني أستخدمُ يدي في أشياء كثيرة، شيءٌ طبيعي بالنسبةِ لابتكارٍ مذهل كاليد، أستخدمها لشربِ الشاي، التدخين، وسرقة حلوى وأشياء بحجم الجيب من دكان في منتصفِ الطفولة، أستخدمها لمسح عيني ولبس العدسات، أستخدمها لتأدية حركات شوارع، وفي مرات نادرة جداً استخدمتها بالتربيت وتمرير ارتعاشات الأصابع على عنبٍ رطب، أستخدمها لتقطيع البرتقال وقياس نبضي ومصافحة الناس، أما الآن فأبسطها على الكيبورد وأكتب.

لا أريدُ أن أكتبَ النصف الأول من الكتابة، كعادة الأشياء التي نكتبها في الأوقات التي يكتبُ فيها الآخرون، بل أريدُ أن أكتبَ الأشياء التي لا نكتبها بمنتصفِ الأوقات التي ينشغلُ فيها الآخرون بكتابةِ النصف القديم. أريدُ أن أكتب كما أشعرُ الآن، وأريدُ أيضاً أن أقف قبالةَ اللغة، أمسكُ بخصرها، أن أرقص معها التانجو مثلاً ولا أُقبّلها، بل أقبضُ أُكرة قاموسها ونحوها وإملائها ودلالات كلماتها، وأُقلّبها بين يدي كخبّازٍ يتفننُ في صنع (تميسٍ) ثم يقذفُ بها في النار.

أريدُ أن أكتبَ عن منتصفِ بلد، عن أنصاف حقوق، عن منتصفِ مواسمِ تحليقِ الطيور، عن غياب الثلج أيضاً، وعن الجناحِ الواحدِ لبلبلٍ في قفص، وعن إمكانيةِ تصفيقِ يدِ واحدةِ لمن يجلس في مسرح كوميديّ، أريدُ أن أصفَ في كتابتي حلماً مثل أحلامي التي لا أتذكرها، كأن أكتبُ:

«رأيتُ أنني أجلسُ على رصيفٍ كعادة المتشردين، لكنني كنتُ متكئاً كشيخٍ في البادية، ورأيتُ النمل يأتيني بالجبايةِ من المتكئين على أسرَّة، جاء النملُ بأشياء كثيرة، قضبان الحديد، سيوف، كتب الدم، صمغ في عبوات “لابيلو” وأحمر شفاه، مشالح، روائح كمبوديّة، خيزران ومايكروفونات، أقفال للرؤوس، دُمى لا تستخدم للعروض الأراغوزيّة، وشبك عنكبوتٍ تلتصق به حشرات انقرضت والعديد من الأفكار، ورأيتُ أنني أضعُ الجباية في فم كلب، ثم تحوّل إلى جمل، كان يمضغها كجملٍ شاهدتهُ قبل عام.»

لكني لا أتذكرُ أحلامي على أيّة حال.

أريدُ أن أكتبَ لله عن شعوري بالوحدة، عن شعوري إنَّ يدي رغمَ اعترافي السابق بتعدد استخداماتها إلاّ إنها لا تتمكن من فكّ أزرار قميصي، أريدُ أن أحكي لهُ كيفَ هي قمصاننا، نلبسها بكلّ الفصول. أريدُ أن أكتبَ لمن يتمكن من التنفيذ بأسرعِ وقت، أكرهُ الانتظار، أريدُ أن أكتبَ لبلدان بعيدة، أخبرهم بأنني أجيدُ قيادة السيارة، والكتابة عن الأفلام، والتحقيقات والتقارير الصحافية الثقافية، أجيدُ لغة ونصف إضافةً للغتي الأم وعلى استعداد لتعلم لغتين أُخريين، أجيد الكاراتيه، تكوين العلاقات، إطفاء الأنوار، قتل الذباب، أجيدُ الزراعة وتشريح الفئران، رسم الكاريكاتير والبورتريهات، أخبرهم أنني أملكُ خبرةً في الأعمال الفندقيّة، وأنني قارئٌ جيّد للأدب الروسي والأوروبي والأمريكي، بالإضافة إلى بعض القراءات في الأدب الياباني، متصالحٌ مع الآخر، أحبّ الموسيقى الهادئة، الشاي وسجائر دافيدوف، ترتيب الأغراض على الرفوف، تربية الأسماك، ولا أحب الجدال والإقناع، أريدُ أن أكتبَ لهم أنني إنسان، إنسانٌ جيّد، وأنني أصلح للعمل في أيّ وظيفة، سائق، بائع تحف، حارس شخصي، موصل طلبات بيتزا، صانع ميداليات وتوابيت، ولن أطلب الكثير مقابل ذلك، يكفي أن أعيش حيثُ تكتملُ الأنصافُ الأخرى من الأشياء.

تمّت في 09 إبريل 2006

Be Sociable, Share!

9 تعليق على منتصف الليل والوطن والأشياء الأخرى.

اترك رداً على خالد الصامطي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *