ToGoTea

الأرشيف

إهداء إلى عقيل

مبخوت تساهيل جنيور:
انتحر، وهو في العشرين من عمره.
بعد أن عانت أمه “جلبة” هشاشة العظام لسنوات ولم تستطع الحراك إلى أن ماتت جوعًا، ومات “مجربي تساهيل” محمومًا، وامتلأت طُرق الأودية بالعسكر والدبابات، وحلّ دوي الطائرات والقنابل وفرقعات الرصاص محلّ الهدوء على الحدود، لم يجد مبخوت أمامه سببًا للبقاء، فلا الهرب سيفيده، ولا الجوع سيتجنبه، ولا أحد سيشتاق إليه، لذلك اختار الموت، ونفذه بطريقة مستهلكةٍ جدًا لا تحتاج إلى الكثير من التفصيل. هكذا مات:
وقف لخمس دقائق مختبئًا وراء جرفٍ خلَّفه السيل على طريق الوادي مابين قرية “الخضراء” ومحافظة “صامطة” بأقصى الجنوب الغربي السعوديّ، ثم جرى مواجهًا شاحنة وقود تنحدر من منعطف بداية الوادي، ولولا أن مسجلة المركبة معطوبة وقدم السائق لم تكن متكئة على دوّاسة الحركة، لما سمع السائق طقطقة عظام يتهشم تحت عجلات شاحنته، ولظنّ أنه دهس حجرًا أو غصن شجرة أراك جرفها السيل. وكما أتقن وامتهن التملص من الأنظار طوال حياته، نجح مبخوت ذلك المساء، بلمح بصر، في التملّص من حياته.

نشأته:
وُلد مبخوت في إقليم أخضر تحيط به جداول الريّ من كلّ جانب. بالتحديد، في قرية ريفية تدعى الرافعي، على الضفة الجنوبية من وادي “مور” تابعة لمحافظة الحديدة اليمنيّة. هناك، خلف حقلٍ صغير اتكأت أمه على شجرة مانجو طويلة، وأخذت تزحره بألم، ومجربي صاحب الحقل يسحبه بحرص، حتى خرجَ مغطىً بالغَدَر. قطع حبله السرّي، وغمسه بشكلٍ سريع في إناءٍ كبير مليء بالماء، ثم رفعه إلى الأعلى باتجاه الشمس. نظر الأربعيني مجربي إلى المولود الجديد مبتسمًا، ثم وضعه جوار والدته، ومرر يده على رقبتها: سلامتك يا جلبة. أرضعيه، وارتاحي لك شهر.

قضى مبخوت السنوات الأُول من حياتهِ في الحقل، ينام تحت ظلّ “السهوة” مع والدته، وفي النهار عندما تخرج هي للعمل مع زوجة مجربي، يقتل الوقت بالاستكشاف جريًا تحت ظلال أشجار المزارع القريبة أو اللعب مع مجربي الذي وجد من مبخوت ونزقه منفضةً يشتت بها ملل وحدته وألم الفقد.

خلال المغربيات التي يقوم فيها مجربي بجولات تفقّد داخل الحقل وحول حجرات البيت الثلاث، كان يلاحظ أنّ هنالك من يتبعه بخفة وحرص، فيواصل السير متظاهرًا الغفلة، ثم يلتفتُ مفاجئًا مبخوت، يقفز الأخير خلف شجرة، يضحك مجربي ويشعلُ سيجارة، ويقول بالدخان الخارج من صدره: لم أخطئ عندما سميّتك مبخوت تساهيل. في حالاتٍ كهذه فقط تضيع نظرته في المسافة ما بينه وبين التراب، ويتذكرُ أشياء كثيرة بحنين.

مبخوت تساهيل الأكبر:
هو الأخ التوأم لمجربي، مات وهو يهرّب الدقيق من الأراضي السعودية قبل ثلاثة أيّام من ولادة مبخوت جنيور. نشأ الأخوان تساهيل قريبين من بعضهما كما هي عادة التوائم، عانيا في طفولتهما الفقر، وفي شبابهما استطاعا أن يوفرا لقمة عيشهما بصعوبة عن طريق تشكيلهما عصابةَ تهريب، فبذكاء مجربي وخططه المحكمة، وبخفة مبخوت وسرعة بديهته، تمكن الأخوان، بتفرّد، من التحوّل إلى شبح يتناقل أخباره سلاح الحدود السعودي دون أن يتمكنوا يومًا من الإمساك بهما.

لقد تنبأ مبخوت بموته قبلها أكثر من مرة، حيث يلتفت إلى مجربي، وهم يسلكون طرق الأودية الترابية التي يحفظون تفاصيلها كحفظهم لأسمائهم، ويقول: “نموت هاربين، خير من أن نموت جياعًا.” الأمر الذي أقلق مجربي وصار شغله الشاغل، خصوصًا عندما يخرج مبخوت وحيدًا لقضاء التزاماته الشخصية خارج القرية، لذلك كان ينتظره على مدخل الحقل، وعندما يعود يهمس مجربي وهو يمرر يده على رقبة أخيه: اشتقت لك يا شقي.

ذات ليلة تنبئ بعاصفة رعدية، كان مبخوت يقود “الشاص” بسرعةِ الهرب كما اعتاد، قاطعًا وادي “تعشر”، ومجربي فوق أكياس الدقيق في حوض السيارة يعيد ربطها بعد أن سقط أحدها على الطريق، من خلفِ أثلة اعترض طريقهما حمارٌ أبيض يجري باتجاه السيارة، حاول مبخوت تفاديه، ارتقى زبيرًا بوضعٍ مائل، قفز مجربي ناجيًا بحياته، وعصرت السيارة وهي تنقلبُ بثقلها روحَ مبخوت إلى خارج جسده.

مبخوت تساهيل جنيور مرةً أخرى:
علمه مجربي الطُرق كلها إلى ما قبل الحدود، فحفظها بسرعة كمن سبق وأن رآها في منام. ثم درّبه على سرعة الاختباء، حتى أمسى يقفز إلى داخل الأحراش عندما يرى ضوء سيارةٍ يتهادى على الزُبر من بعيد، يتفقد الطريق، يرسل أذنيه في الخلاء، تستكشفان المدى، وبعد أن يغيب الضوء يقف ويواصل السير بحذر.

حين تأكد مجربي من جاهزية مبخوت، تواصل مع صديقه وزبونه الأفضل في السعودية نايف، وبدوره عبر عن أسفه لفقدان أخيه، وكرر رجاءه بأن يعود للعمل. أخبره مجربي بأنه لا يملك سيارة، بعد أن تمت مصادرة الشاص، وهو لا يجيد القياد تحت تلك الظروف، لذلك لن يكون وصول الحملات بذات السرعة، ولكنه أكّد بأنه لا يساوم على أمان وصولها ولا على صلاحيتها، ثم طلب منه تجهيز الدقيق.

وفي اليوم التالي، ذهبا إلى سوق القات، وهناك عبأ مجربي برادعه بثلاثين قُرْفٍ من القات ربطها داخل ملاءات مبلولة، وعلقها على ظهره وظهر مبخوت، ثم سار أمامه حتى اخترق الحدود السعودية باتجاه طُرقٍ يجيدها هو، ويتعلمها مبخوت. كان يتركه للحظات وحيدًا ويراقب تصرفاته، وكان مبخوت يفاجئه بالحنكة وسرعة البديهة، حيث يسير بحرص، ويتوقف للحظات، يستمع وينظر إلى المدى، ثم يواصل. في ذلك اليوم بدأ مبخوت يعتادُ على يدٍ تُمرر فوق رقبته، وصوت يهمس: أشتقت لك يا شقي.

وصلا إلى صامطة، ودخلا السوق المُرتجلة، وهو حوش محشور بين بيوتٍ على طرفِ الوادي، يجتمع فيه باعة القات الصغار الذين لم توفر لهم الحظوظ ولا إمكانياتهم التسويقية من تكوين سمعةٍ جيّدة، ويبيعون بضاعتهم بأرخص الأسعار، سوق رخيصة إلى درجة أطلق عليه زبائنها فيما بعد: سوق الريالين. احتفل باعة القات بمجربي، وهناك التقى بنايف الذي يدرّس الإنجليزي في الصباح ويبيع القات مساءً.

– هذا حمارك؟
قال ذلك المدرّس، بعد أن احتضن مجربي وتبادلا البنوط العريضة التي طرأت على حياتيهما منذ آخر لقاء.

– هذا مبخوت تساهيل.
– آها! إذن هذا مبخوت تساهيل جونيور.

لم يعلم مجربي أن جونيور في اللغة الإنجليزية تعني الأصغر، ولم يضطر أحدهما إلى توضيح اللقب أو التكفل بمشروع نشره، وبدون ترتيبٍ لذلك، مُضغت تلك الكلمة الإنجليزية مع أوراق القات، وتم تداولها على ألسنة الباعة، وسُجلت في ذاكرة المكان بعد التعريب والتلهيج: جنيور، بفتح الجيم. وبعدها، ولسنوات، أصبح مجربي يُحمّل القات على ظهر مبخوت ويطلقه إلى القدر، وينتظره فجر اليوم الثاني على الحدود، وتصاعدت أسطورة مبخوت تساهيل جنيور بداخل مجالس القرى المحيطة بصامطة مع أدخنة الشيشة، الحمار المعجزة الذي يُهرّب القات وحيدًا، يختبئ ويجري ويتملّص، من اليمن إلى السعودية، ثم يعود محملاً بالدقيق.

Be Sociable, Share!

14 تعليق على مبخوت تساهيل جَنيور.

  • روح نجيب محفوظ أظنها ترفرف حول قصتك هذه …

    فيها شيء مما كان يكتب

  • نوفه says:

    يالله تؤلمني قصص أهل الجنوب أعلم انهم أكثر الناس

    تذوقًا للفقر أشعر وكأن هذه القصة حقيقة بالتأكيد تتكرر كثيرًا 🙁

  • أحمد هزازي says:

    رائعه يا خالد الله يوفقك 🙂
    مشهد يتكرر كل يوم تقريبا على الحدود !

  • Me says:

    ما أعرف ليش ذكرتني بصنهات 🙂 … لو فصلنا الاسم Sun hot..
    انتهت بحمار يهرب القات
    جميلة خالد (f)

  • Khalid Samti says:

    محمد العتر
    أشكركَ على التعقيب يا صديقي، نجيب قامة عالية، الوصول إلى مستواه يتطلب عمرًا من الكتابة..

  • Khalid Samti says:

    نوفة
    مبهج حضورك دائمًا، أشكركِ على القراءة والتعاطف
    خالص الودّ

  • Khalid Samti says:

    أحمد هزازي
    شكرًا لكَ أيها الأنيق
    احترامي

  • Khalid Samti says:

    Me
    ممتنّ على القراءة، شيء جميل أن يذكرك النص بأي شيء، معرفة ذلك يجعلني أثق في النص أكثر، أشكرك على ذلك.

  • طارق الخواجي says:

    لا شك أن صلتي بالمنطقة تفرض علي منطقاً خاصاً في قراءة قصتك يا خالد .. حاولت ألا أتحيز .. ورغم كل الحسابات باءت الجهود بالفشل .. لكن هذا لا يقلل أبداً من إيماني بأن جمال ما كتبت، يتعلق بذات متحيزة لشيء واحد فقط هو الأدب ..
    مؤلمة تلك الأحداث الكثيرة في القصة رغم قصرها .. لكنها شبيهة بحياة أهل تلك المنطقة القصيرة في ذاكرة الفرح .. ذلك الشتات الذي لا يجد مواساة في عيون الوجوه المتوردة من أثر النعمة إلا بنظرات الامتهان وعبارات التعصب المقيت لمنطقة يجهلون كل ما فيها .. الأرض والسماء، والناس بينهما ..
    شكراً خالد .. لقد أخرجت شيئاً في صدورنا وأودعت فيه شيئاً آخر ..

  • Khalid Samti says:

    العزيز طارق، يسعدني ويشرفني كثيرًا وجودك هنا، هذا أولاً، وثانيًا تلك المناطق يا صديقي سخية على من يتحدثها جيّدًا ويتقن لحنها وبحة الحزن في صوتها، تلك المناطق تبوح بسرها دون أية مساومات بمجرد الشروع في قراءتها.

    لقد ألتهمت المدن والصحاري ذاكرتها، ودسّت ثقافتها تحت طرف السجاد، وأشعر بحاجة إلى أن أتذكرها، وقد يدوم التذكر لفترة طويلة.

    شكرًا لك جزيلاً مرةً أخرى يا طارق.

  • أحببتها ..

    ثمة سؤال أجده يخرج رأسه ليحتجزني أمام الشاشة .. أهي حقيقية ؟؟ ..

  • كل تفاصيل القصة بشخصياتها خيال 🙂 الشيء الحقيقي الوحيد، هو أن ثمة حمير ذكية تُستخدم في عمليات التهريب ويتم تعويدها على مسارات محددة ومن ثم جعلها تقوم بالتهريب وحدها. سمعت قصة أحد هؤلاء الحمير الأسطورين في طفولتي وتذكرته وأنا أتابع أخبار حرب الحوثيين من شيكاگو، فامتدت الفكرة لتشمل أحداث تجمعت لتصنع النص.

    هذا السؤال ليس جديدًا، فقد طرح علي مسبقًا، كما أنني وجدتُ نفسي أجيب عليه أيضًا في موقع آخر حول القصتين “رزق العالم” و”عبده أنجلو” 🙂

    شكرًا لك

  • هدى ابوطالب says:

    ورب الملائكة
    الدهشة هنا جذبتني لعمق اماتني ثم احياني
    مؤسف جدآ جداً جداً بأني لم أقرأك من قبل

  • شكرًا يا هدى،

    من حسن حظي أن أكسب قارئة بحماستك.

    شرفتِ الرصيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *