ToGoTea

الأرشيف

“ليس بلدٌ أحق عليك من بلد، خير البلاد ما حَمَلك.”
“الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربةِ وطن.”
علي بن أبي طالب.

– مع السلامة، سوف أتصل بك وأدعوك إلى العشاء قريبًا!

قالتها بلكنتها اللبنانية التي أرهقتها سنين البعد عن شرق الأرض العربي وأحدثت فيها شرخًا صغيرًا، ثم طلتها لغات العالم بطبقة من هيبة. أما هي، وخلال عشرين دقيقة من الحديث، فلم تبدِ أيّ ندمٍ على أيّة شروخ ولا على سنوات العمر التي قضتها مغتربة، بدءًا بالعيش لبضعة أعوامٍ في الرياض بسبعينيات الحروب الأهليّة التي نهشت لبنان، مرورًا بهونگ كونگ وعقدين من الزمان، وانتهاءً بشيكاگو. رغم طول الترحال، لا زالت تتنفس الحياة وتبتسم كزهرة، وتوزع سعادتها كمزرعة، وتتحرك بخفة ورقة قصب خضراء، وتركب القطار في ظهريةٍ لطيفة، وتجلس إلى جواري، ثم تخبرني أنني أول عربي تتحدث معه منذ أن جاءت إلى المدينة قبل ثلاث سنوات.

نظرتُ إليها وهي تنزل في محطّة “مونرو”، بدت شابةً يافعة، تسير على رصيف المحطّة، وجسمها الرياضي الذي قيّفته مهنتها كمدربة يوگا لا يوحي أبدًا بسنها الذي لا يقل عن سن أمي بل يزيد. مع صرير المعدن القديم التقت صفيحتي باب العربة لتبتلع صورة امرأة لبنانية تسير في زحمة المحطة بشعرها العربي المجعّد، ورموشها الطويلة، بطول موجات عواصف الرمل، وتاريخ جيناتنا العربية التي شكّلتها الصحراء، كانت تسير وتتبعها هالةٌ من الوقار.
وتحرّك القطار..
وأنا أفكر بمدينة..
مدينةٍ تخلق سيناريوهاتٍ كهذه، بدقة وتسلسل أحداث مشوّق، مدينة تُشعرك أنها مصنع شخصياتِ القصص والروايات والمسرحيات الملحمية الرائعة، هنا يتم تصنيعهم وتجميعهم وكتابتهم، ثم يعيشون قليلاً في خيالات القرّاء، وبعد أن ننهي القراءة ونقول يا إلهي ما أروع هذا الكتاب، يعودون إلى شيكاگو!
ونزلتُ في المحطة التالية.

لا شيء يمكن توقعه في شيكاگو. يقولون هنا: “إذا لم يعجبك الطقس، انتظر خمس دقائق وسيتغير.” ربما أن الاحتباس الحراري مؤخرًا جعل الأرض كلها تشترك في هذه المقولة، ولكن لا شيء يمكن توقعه في شيكاگو. مدينةٌ تضمن لسكانها أحقية أن يعيشوا كأطفال، يسيرون وما حولهم يفاجئهم. حتى نتائج فريقي البيسبول “كبز” و”وايت ساكس” لا تجعل من المقامرة عليها أمرًا سهلاً، فهي دائمًا على غير العادة، لا أعتقد بأن ثمة عادة في هذه المدينة.

كثيرة هي تلك الأيّام التي عندما تستيقظ في صباحاتها تفكر: “هنالك أمرٌ مختلف سيحصل اليوم.” تشعر به. ربما كان السبب حلمًا لا تتذكره. في الحقيقة، رغم الفضول والرغبة بمعرفة أسباب وطريقة حدوث ما يحدث، إلاّ أنه عندما يتعلق الأمر بالشعور كفكرة، فلا حاجةَ لنا بمعرفة الدوافع، لأنها في النهاية فكرة، ونحن كائنات مفكرة. الشيء الذي جعلنا نتفوق على الحيوان ليس التفكير بل القدرة على تطبيق الفكرة، والسبب الذي جعل الحيوان يتفوق علينا في فهمه للطبيعة هو ثقته بالفكرة التي يشعر بها، لذلك تختبئ الطيور قبل العاصفة، وتنبح الكلاب قبل الزلزال. نحنُ أيضًا كائنات معقدة، نتنبأ بأشياء قبل حدوثها، نشعر بأمور تحدث في أماكن بعيدة، نعرف أن شخصًا ما في الكون يتحدث عنّا عندما نهرش جلد سيقاننا. نفكر بأشخاص نفتقدهم ثم تهتزّ جوّالاتنا ونشاهد أسماءهم على شاشاتها، ونجيب بكل سذاجة: أعماركم طويلة، للتوّ فكرنا بكم. ثم نسألهم عن حالهم! ولا نتوقف قليلاً عند تلك الفكرة التي خرجت من رؤوسنا كموجة أسرع من موجة اتصالٍ لا سلكي، واهتزّت في رؤوسهم، وحملتهم على الاتصال بنا، لأسباب يختلقونها في لحظتها، أسباب يفهمونها جيّدًا، ويتركون مالا يفهمون دون مساءلة، ويسألون عن أحوالنا!
كان يومًا من تلك الأيام.

– أجد صعوبة في تذكّر اسم الحيّ الذي سكنته أثناء تواجدي في الرياض.

قالت ذلك، وهي تفرقع أصابع ذاكرتها، وتغيب مع صور لا أرها، انتقلت حدقتاها إلى يسار عينيها، وأخذت تستمتع بمشاهدة مدينةٍ لا أتذكرها، فأنا لم أكن قد وُجِدتُ بعد، كنتُ في مستقبل والدي، أجلس على قارعة الطريق، أنتظر قرار نومه تلك الليلة.

– حسنًا، أنا أعرف أحياء الرياض القديمة، لم تكن كثيرة سوف أعددها، ربما أساعدك: الشميسي، العود، الخزان، منفوحة، الملزّ، العريجـ..

– الملزز، يا الله..

قالت يا ألله.. وتنفستْ معها رائحةً قديمة، وغابت.. تشاهد صورًا حميمة، بعيدة، ولا أعرفها.

ماذا يدور في خلدكِ سيدتي؟ كيف هي المدن بداخلك؟ كيف هي لبنان؟ كبيرة ومليئة بالجبال والزيتون وفيروز؟ يا لهذا السلام الذي تصنعه بداخلك المدينة التي تحملينها معك إلى كلّ المدن. أعرف ذلك الشعور، أشعرُ به أنا الصغير الذي يجلس إلى جوارك ويشاهدك تتنفسين الجبل، وتتحدثين فيروز، شكرًا على مشاركتي بعض الزيتون يا سيدتي الكريمة.

كوب شاي، جبنة وبعض الفول والخبز والزيتون، هذا كان عشائي خفيفًا في الليلة التي سبقت ذلك اليوم. ولهذا استيقظتُ خفيفًا كصفحة واحدة، وممتلئًا بالحياة ككتاب، وبي رغبة بالخروج ملحة. وجاء عزيز بعد أن قضى مساء الأمس يعمل على تضييق قميص موسى الواسع، وموسى ليس راضيًا عن المقاس الجديد، نظرتُ إليهما يتجادلان، فجأة تحوّل موسى إلى يحيى أمقاسم وتحوّل القميص إلى بروشورات معرض الكتاب بالرياض 2006، وكان عزيز يقول ليحيى: “هذا التصميم اللي طلبته أنت!” ويحيى يقول:
“استريح!”

واسترحتُ قليلاً جوار كوب ماء وبيدي أول سيجارة.
فتحت الإيميل لم أجد شيئًا جديدًا غير رسالة من الملحقية الثقافية بواشنطن عن وظائف شاغرة في جامعة تبوك. دخلت الفيسبوك، واستفتحتُ باقتباسٍ لرياض الذي لا يزال يمارس دور لقمان الحكيم وينشر حكمةً كل يوم. لقد تحوّل رياض إلى ملمح ثقافي جيّد، أشعر أن الغرض من السيناريو الذي جمعني وعرّفني عليه قبل سبع سنوات، هو توفير رياض كصديق قريب جدًا، وكفكرة جيدة وإيجابية ذات رسالة قيمة وإن اختلفت قوالبها. قراءة ما يكتبه رياض في الفيسبوك يذكرني بما كان يُكتب خلف صفحات تقويم أم القرى، اقتباسات أفلاطونية ومعلومات جيدة ولقمان وابنه الذي كان يستمع كثيرًا. بالنسبة لي كنت أستمتع بقراءة ذلك، وكنت أستعجل الوقت، كي يأتي غدًا وأقطع ورقة تقويم جديدة.

ثم قطعتني هي:

– زرت لبنان ثلاث مرات بعد أن رحلت عنها، وفي كلّ مرة أكتشف أنها تزداد تبرجًا. نحن العرب مأخوذون بغباء الغرب، تركنا تطورهم وتقدمهم واستوردنا السطحيات من ثقافتهم.

ثم تحدثنا عن المدن التي نحملها في صدورنا. تحدثت هي عن الفول والعرقسوس، وتحدثت أنا عن بهارات والدتي والحبق، تحدثت هي عن اليوگا وتحدثتُ أنا عن دراجتي. وعندما عدنا مجددًا للحديث عن الكتب والروايات، قالت أنها لم تقرأ كتباً بالعربية منذ رقمٍ من السنوات لا تحفظه. فتشتُ في حقيبتي التي كنت أضعها بين ركبتيّ، وجدته بداخلها، خفيفًا وقابلاً للكسر، كتبتُ في صفحة الإهداء: “ممتنّ أنا جدًا أن جمعتنا قطارات شيكاگو، بعد أن فرّقتنا بلداننا. خالد الصامطي”

– هذه مجموعة قصصية، نشرتها في 2007 وهي تمثل مرحلة ما قبل شيكاگو. أتمنى أن تكون بداية مناسبة لقراءات عربية أكثر.

قلَّبتْ صفحات الكتاب وهي تشكرني، وتقرأ ما كتبه منصور العتيق على غلاف الكتاب. فكرتُ: الآن أعرف كيف يتصرف الشخص، عندما يُفاجأ بقدرته على قراءة لغته الأم مجددًا.

– كيف أصبحت الحياة في بلدك؟

سألتني بصدق وباهتمام، وكأنها أم تسأل ولدها المنوم إلى جوارها بعد أن تعرضا لحادث سير: “كيف حالك يا ولدي؟” وهي جاهزة للتعاطف مع الإجابة بإخلاص، وستهزّ رأسها متفهمة تمامًا ما يقال، وتأكد بملامحها أنها تعرف بقية الكلام الذي نبدأه. كيف أختصر الجواب! كيف أخبرها أن بلدي أرسلني إلى هنا كي أتعلم وأعود لأعمل، وأنني لم أكن أعلم أنني سأتعلم الحياة إلى درجة لم أعد معها واثقًا من أنني سأتمكن من العودة كي أمارس الموت.
أصدقاء عيسى ابن صادقيّة في رواية “ساق الغراب”* رفضوا ممارسة الموت وهم أحياء، وأتوا واحدًا تلو الآخر يطلبون الإذن من الشيخ عيسى، المغلوب على أمره، أن يسمح لهم بالرحيل عن الحياة، وبغصة، أذن لهم الشيخ بالموت. الإجابة طويلة يا سيدتي، والصوت المتحدث في القطار يقول أننا في محطة “ليك”، والجامعة قريبة، والإجابة طويلة.

– أشتاق إلى بلدي كثيرًا، ولبلدي بداخلي قيمة جديدة وعظيمة لم أحملها من قبل، المشكلة أنني لا أشعر بها إلاّ عندما أكون بعيدًا عنها. جميلة هي بلدي وأنا هنا.

“راح وتراواله” صدح صوت “غريد الشاطئ” من رابط وجدته على الصفحة الرئيسية في الفيسبوك قادني إلى الأغنية على اليوتيوب.جميل ما يمكن أن تصنعه أغنية قديمة وفطيرة بالتمر وكوب قهوة عربية الساعة العاشرة والنصف صباحًا.

بعد ساعتين، وبعد أن أحكمت قفل دراجتي بداخل المحطة، كنت أنظر إلى مقدمة القطار قادم من الشمال ورأس السائق ناتئ خارج النافذة مبتسمًا. ركبت القطار، وأكملت قراءة رواية “نحو الجنوب”** التي كنتُ قد بدأتها اليوم السابق، خفيفة أتت في مئةٍ وعشر صفحات، سهلة وسلسة، تقرأها وتبتسم، لا تستدعي الكثير من التفكير، بل تجعلك تنساب مع قصتها وأحداثها البسيطة ذات العمق التراثي الجميل، تغمض عين الناقد، وتقرأ بعين المتذوّق، وتكتفي بمتعة القصة، ترشفها كبيالة شاي في بيت مستضيفك، كريمة وجيّدة المزاج:

“كان غسلاً أعظم من أيّ غسل، لم أدعك جسدي ولا شعري، وإنما غسلت أمورًا كانت بداخلي لم أصبر عليها، وضعتُ رأسي على إحدى الصخور ونمت بعمق، لم أشعر إلاّ بنباح (مروان) عندما أتى بالغنم من الجبل ليشرب، أخذ ينبح، فهو لا يريد أن يفقدني بعد أن فقد صاحبه.
خرجتُ من الماء وجلستُ على صخرةٍ لينشف جسدي.
سرتُ مع القطيع شارد الذهن، عندما وصلتُ إلى البيت جهّزتُ متاعي لكي أرحل!.”

أنهيت المقطع أعلاه، شعرتُ بجلوسها على المقعد الملتصق بمقعدي. سرعان ما أعلنت احتفالها:

– أنا أيضًا أستطيع قراءة هذه اللغة!.

– … …

– مرحبًا أنا رنا من لبنان.

_________________________________
* ساق الغراب، رواية- يحيى أمقاسم.
** نحو الجنوب، رواية- طاهر الزهراني.

Be Sociable, Share!

18 تعليق على الحبق الحافي. (14)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *