ToGoTea

الأرشيف

7hrnr.jpg

ستاربكس- دي ﭘول سنتر- بارنز آند نوبل.
الثلاثاء 30 مارس 2010 – 2:45 عصرًا.

مرحبًا يا دكتور، ها أنا أجدني اليومَ أوجه إليكَ حبقًا عسى أن يصلكَ وأنت تمارس الحياة بسعادة، وبحبك للغّة والأرقام، رغم أنهما علمان من النادر أن يجتمع حبهما لدى الشخص نفسه، ولكنك تفعل ذلك بإتقان، فتبدأ يومك بمتابعة مؤشر الأسهم، دراسة السوق، والكتابة عن اقتصادٍ مرتبك يمتطي صهوة أسد، وتنهيه بقراءة كتابٍ للصادق النيهوم.

أتمنى أنكَ أيضًا لا تزال تتنبأ بالوقائع، تسخر من الناس والواقع بضحكتك المألوفة. وفي مغربيات الصيف الحارة، تُدير مكيفك الصحراوي وتقرأ في الخيمة الصغيرة بحوش بيتك، أو تستقبل زائريك كرئيس قبيلة، وتحكي لهم بصوتك الإذاعيّ الجهور حياةً جرّبتها بكافة مقاساتها، وفي لحظة صمت يتخللها صبّ شاي أو إشعال سيجارة، تتنهد وترسل للصدى وانتباه السامعين -بلكنةٍ عراقية تُتقنها- مقطعًا لمظفر النوّاب:

مو حزن.. لكن حزين
مثل ما تنقطع، جُوّا المطر
شدّة ياسمين.
مو حزن.. لكن حزين
مثل صندوق العرس
ينباع خردة عشق من تمضي السنين!
مو حزن.. لكن حزين
مثل بلبل قعد متأخر
لقى البستان كلها بلاي تين
مو حزن..
لا مو حزن!

أتمنى يا دكتور أيضًا، أنكَ لا تزال تشرب الشايَ الأسود الذي لا يخطئ أبدًا في تعديل جلسة المزاج، وتدخن سجائرك التي لا أذكر أسمها، أتذكرُ علبتها البيضاء والزرقاء جيّدًا، ولكن يبدو أنه فات على ذاكرتي الصورية الاحتفاظ بنسخة من الاسم في سجل أحداث لقاءاتنا، رغم أن ذاكرة كلّ كاتبٍ تهتم بتلك المشاهدات والتفاصيل الصغيرة التي تمرّ بشكلٍ يومي! ذاكرتي معذورة عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل التي تحيط بكَ أنتَ يا دكتور. كثيرة هي تلك التفاصيل، ثمةُ ما يجعل من كل جزئية تحيط بك تفصيلاً مهمًا ويجب ملاحظته. وهكذا، وبشكلٍ فوضويّ، تكثر التفاصيل الواجب ملاحظتها وتتعثر في بعضها عند مدخل الذاكرة ويصعب التعامل معها. ثم أن حضورك بنزقهِ وهيبته يملأ المكان الذي تتواجد به، الأمر الذي يجعل كاتبًا صغيرًا بحجمي، يفكر بترجمتك إلى شخصية في كتاباته، وتصبح زوربا سعودي، ولهذا دائمًا ما تكون هذه الفكرة هاجسًا مقلقًا لدى تواجدي معك، وأصبح أنا كالذي يجلس في القاعة يستمع ويفهم ويكتب كلام المحاضر، وبذات الوقت يرسم القاعة بتفاصيلها والألوان. لذلك لا أتذكر اسم سجائرك. ما أسم سجائرك على أيةِ حال يا دكتور؟

بمناسبة الحديث عن الذاكرة والتفاصيل، تطرأ على بالي الآن حقيقة أنني أجلس بذات المقهى الذي كتبتُ به الحبق الأول، في الخامس من فبراير 2008، إنني أُكمل بهذا النص دزينةٌ من الحبق الحافي تمت جميعها خلال سنتين وخمسين يومًا.

إنه مقهى جيّد، بيئته تجعل من الكتابة حدثاً تلقائيًا، لا يحتاج إلى الكثير من التفكير. ولأنه يقع على تقاطع شارعي ستيت وجاكسون -منتصف الداون تاون تقريبًا- فالأرصفة في الما حَول ممتلئة بالأحداث والحركة والتدرج الصوري الذي يصنع شكلاً متمايزًا للمكان وبدوره ينقل لك تمامًا دلالة مسمّاه، أعني تلك الأماكن التي تفكر وأنت تمشي بشوارعها: “الآن عرفت لماذا تبدو المدينة مدينة!”. فخلال سيرك بين هذا التقاطع والآخر تستطيع احتواء أشياء كثيرة: بحيرة متشيگان خلف الأشجار في نهاية شارع جاكسون، متحف شيكاگو آرت إنستيتيوت، مباني ذات تصميم معماري عتيق وباذخ، جسر قطارات النقل العام يخترق البنيان ويتلوى بينها كثعبان مشكلاً حلقة وسط المدينة (The Loop) أصوات موسيقية متنوعة قادمة إما من سيارة يقودها مكسيكي سعيد، أو من مدخل محطة الصبوي، أو من عازف الساكسفون وصديقه عازف الفلات تحت مبنى الساعة، تستطيع أيضًا رؤية مجنونًا يتحدثُ بجديّة مع إصبعه الوسطى، ومسرح دُمى صغير مبني فوق عربه متحركة يتحلق حوله مسنين مع أحفادهم، وسيدة تنظر إلى كتابٍ بيدك وتسألك عن حقيقة أن اللغة العربية تُقرأ من اليمين إلى اليسار وتبتسم لها بالإيجاب، ثم تتحدث معك عن رائحة الصيف وصوت المدن عندما تغني في الليل وتذكر المغتربين أن ثمة قلوب تحتويهم وانتماءات مختلفة تزاحم غربتهم. كما بإمكانك أن ترى لصوص، سعاة بريد، وبائعو حقائب نسائية –قد يتمكنون من تدبير صفقات ماريوانا إذا ما دعت الحاجة- وشحاذون طيبون، وطالبو سجائر بخلاء، وعساكر على دراجات هوائية، وخيول تجرّ عربات ممتلئة بسياح قوقازيين أغنياء قادمين من الولايات الجنوبية وينظرون إلى هذه المدينة الحُرة الممتلئة بالملونين، وكأنها حديقة حيوان ذات بناء معماري جيّد ولا يوجد بها تدرّج للقوة كنظام الغابة، فالجميع هنا أُسُود طيبة، ومتسامحة، وذات أنوف وأشكال عيون وألوان بشرة كثيرة ومختلفة، إنه هجين ناجح، تم التخطيط له منذ أكثر من عشرين عامًا وظهرت نتائجه اليوم على ملامح جميلة تسير بابتسام وثقة متعة للناظرين. يا دكتور لو ترى هذا الجمال الذي يشبه القضايا النبيلة!.

مقعدي ووضعية الطاولة التي تشكّلُ ضلعًا طويلاً لهذا المقهى المستطيل، جعلتني أجلسُ معطيًا ظهري للرّواد، مقابلاً الحياة وواجهة المحلّ الزجاجية، أشاهد الشتاء الذي ينسحب بهدوء خلف الواجهة، ويسلّم الربيع العهدة وسجلات الربع الثاني من السنة. الربيع الذي يسمح للعابرين بارتداء ملابس قطنية خفيفة، ويحرّض الفتيات -اللاتي يشعرن بأن ملامحهن عاديّة- على ارتداء تنانير قصيرة، تظهر سيقانهنّ الطويلة، لتُلهي العابرين الآخرين عن ملاحظة الاعتياديّة في وجوههن، فمقاييس الجمال هنا أصبحت مرتفعة، ومن تُعتبر جميلةً في ديترويت قد تخسر نصف أسهمها في شيكاگو.

وعفوًا يا دكتور، سأعود إلى موضوع السيقان قليلاً، لدي رأي مخالف في المسألة. بالنسبة لي، لا أهتم بها كثيرًا، ولا أفهم فكرة الإغراء في ساق؟ في النهاية التعامل بين البشر جميعًا ينتهي عند الركبة. وأقصد بالتعامل المعنوي والمحسوس، لا أفهم الشخص الذي تُثيره السيقان أو الأقدام! قد أتقبل هذا الشيء من مندوب نادي يبحث عن عدّاء أو عداءة مسافات طويلة، أو حتى معلّم كوارع يبحث عن خروف جيّد! ثم أن الساق هي من أبعد الأعضاء عن الرأس، مطبخ قرارات الجسد وبرج المراقبة، والساق ذات شكل خالي من أي لمحة جمالية. قسوة وعمودية هيئته جعلته مستهلكًا ومكرورًا بشكلٍ مبالغ به في الحياة. كما أن مكان الساق منخفض ومعرض بشكلٍ دائم لمخلفات الناس وأوساخ الممرات المنزوية. وحتى فقدها لا يؤثر كثيرًا على بقاء الإنسان وطبيعة حياته منذ عصور قديمة، فهي في النهاية عصا معلقة في الركبة، باستطاعتك أن تصنع واحدة من الخشب وتواصل العبور على الأرصفة كبقية العابرين. شاهدتُ يومًا في برنامج (60Minutes) رجلاً أصيب بحالة اختُصر اسمها بـ(DIID) وهو شعور باختلال في تكامل حالة الجسد– هوس بتر عضو من أعضاء الجسم. ذلك الرجل، شعر أن ساقه شيء فائض عن جسمه، نتوء وزيادة تخرب اكتمال الشكل المصادق عليه في رأسه، لذلك أقدم صاحبنا بإعدادٍ وإشراف ذاتي على بتر ساقه، كان يتحدث مع المذيع وبسعادة عارمة وهو متكئ على عكازه، ويعبر عن ارتياحه النفسي بعد زوال ذلك الهمّ المعلّق في ركبته. لو قابلته في الشارع لأخبرته:

كم أنت محظوظ أن مخك المضروب لم يصر على أن يدك فائضة عن حاجتك هي الأخرى. تستطيع أن تستخدم ساقاً اصطناعية إذا ما أصلحوا رأسك وعادت مقاييس الاكتمال إلى نصابها الطبيعي، لكنك إذا خسرت اليد، أبدًا لن تتمكن من حكّ أنفك، أو التأشير لسيارة أجرة، لن تتمكن من معرفة شعور أن تمسك يدٌ أخرى بيدك وأنت تمشي إلى البحيرة، لن تنتشي راحة كفّك بدفء ورطوبة، لن تعرف معنى أن تُرمم الفراغات بين أصابعك بأصابع يدٍ أخرى.
باختصار لتذهب السيقان إلى الجحيم.

وكلّ حبق وأنتَ بخير يا دكتور.

Be Sociable, Share!

8 تعليق على الحبق الحافي. (12)

  • الطفل والظل says:

    التفاصيل آه ثم آه من التفاصيل هل تذكر قصتك خط البلده كنت اتخيلك في كل زاويه من الزوايا حتي اذا ماذهبت للبطحا وفصلت ثيابا واشتريت الملابس من من لااذكره لم يكن يشغلني سوي التفاصيل هؤلاء الناس يعرفون عنك كل التفاصيل موعد البعثه وخط السير ويهتمون بكل التفاصيل دعني اقول لك هل الحب سوي الاهتمام بالتفاصيل وهل يعيش الشيطان الا بالتفاصيل لذلك يكون موجودا كل ماختلي رجل بامرأه فالخلوه في الحقيقه ليست سوي الباب الذي من خلاله نلج الي عالم التفاصيل دعني اقول لك مرة اخري مالذي جعل عملك مميزا وانت تغطي ذلك المطعم في برج الفيصليه سوي اهتمام الكاميرا بكل الزوايا والتفاصيل ياعزيزي الفذ حدثتك مره عن مسافة الوعي بين دخول الطبل علي العمق السيمفوني وبين الطبل الساذج في الجاز عن الفارق بين جسد الثقافه وروحها بين المعايشه والانطلاق بعيدا بعيدا حيث بامكانك ان ترقب كل التفاصيل وتحللها وتستنتج كل الروائين لدينا من تركي الحمد الي عبدالله بخيت عاشو التفاصيل لكنها تفاصيل تافهه تمحورت حول جسد الثقافه ولم ترتقي بأحد بال غاصت به في وحل الشميسي وحده عبده انجلو ان يخلد الجانب الراقي من الصوره تشيكوف فعل ذلك ايضا في عشرات من قصصه القصيره التي لم تهتم سوي بالتفاصيل التفاصيل الصغيره جدا دعني اقول لك وللمره الاخيره ان فرويد لم يؤسس لعلم النفس الا من خلال التفاصيل وكان كتابه الاول اسمه الهفوات تحياتي

  • Munera says:

    هذا الحبق الذي ينمو ما بين الرياض وشيكاغو كفيلٌ بأن يُطرّي المزاج المعكر في أي مكان في العالم . 

  • Khalid Samti says:

    أفهم جيّدًا ما تقوله يا دكتور. تلك التفاصيل التي تصنع الحياة وتعطي المعنى لها. التفاصيل كضمات وكسرات من شأنها أن تقلب جملة المكان وتشقلب دلالتها. أسعد دائمًا بوجودك يا دكتور، وإطراؤك يتجاوزني ويغمرني. شكرًا لكَ يا صديقي.

  • Khalid Samti says:

    منيرة، هذا كثيرٌ عليّ 🙂 ، تعقيبٌ كهذا كفيل أن يصنع يومي، فشكرًا لكِ.

  • تملك لغة جميييييييييييييلة .. منذ ان تخرجتُ من المرحلةالمتوسطة فقدت شغفي بالأدب و اللغة و الشعر و السحر الذي تجسده الحروف ..

    و السبب مجهول لا اعرفه الى الآن ، لكن الى اليوم لازلت اتنفس الحروف التي تدخلنا بقوة الى الجو الذي يريده الكاتب ، نيالك يا خالد على الدكتور .. احتفظ به في قائمة الاشياء الاكثر اهمية من الحياة كاملة

    و الله يكرمنا ^.^

  • الطفل والظل says:

    في ظل هذا الفيض الغامر من عبق الحروف لايملك المرء الا ان يعلق علي التعليق ويستنجد بمظفر
    (أنا في حل فالبرق تشعب في رئتي وأدمنت النفرة

    والقلب تعذر من فرط مراميه

    والقلب حمامة بر لألأتها الطل

    تشدو والشدو له ظل

    والظل يمد المنقار لشمس الصحراء

    لغة ليس يحل طلاسمها غير الضالع بالأضواء

    والظل لغات خرساء

    وأنا في هذي الساحة بوح أخرس

    فوق مساحات خرساء

    أتمنى عشقا خالص لله

    وطيب فم خالص للتقبيل

    وسيفا خالص لايعرف الا وجه الحق)

  • نوفه says:

    واه من هذه التفاصيل يعجبني سردك حد الإدمان

    ضحكت كثيرًا من هذا الشخص المهووس الساق مهمة جدًا

    لا يعلم اهميتها الا من لا يملكها

    ماذا لو فقدت هذا المقهى الذي تكتب به هل ستتوقف عن حبقك 🙂

    شكرًا لا تنتهي لهكذا عبق

  • Khalid Samti says:

    حنان أحمد
    شكرًا على الإطراء، وسعيد أن عدتِ إلى اللغة مجددًا.. الكلمات كائنات أليفة، جميل أن نتصالح معها دائمًا 🙂

    الطفل والظل
    القلب تعذر من فرط مراميه
    🙂

    نوفه
    ليس مهماً الارتباط بالمكان، المهم هو مواصلة مانفعله في أي مكان.. أعني أن الكتابة مستمرة ما دمت مستمرًا بالعيش.. فالحياة مليئة بالأشياء التي تستحق التجربة، والتجارب مليئة بالأشياء التي تستحق الكتابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *