ToGoTea

الأرشيف

lighting_from_the_window.jpg

استيقظتُ في تلك الليلة للمرة الأولى.

لا أذكر الحلم، ولكني أذكرُ أنني كنتُ خائفًا عندما استيقظت، بل فزعت، من غفوةٍ لا من نوم إن صحّ تحليلي لأحداث تلك الليلة. كنت متكئًا على طرف سرير، ممسكًا بسيجارة بين وسطى وسبابة يدي اليسرى، أنظرُ إلى حائط حجرةٍ مظلمة تتسرب إليها إضاءة الشارع بشكلٍ خافت من وراء ستارةٍ صفراء تحجب أكثر مما يفترض بها أن تفعل، تتكئ صوفا غامقة اللون على ركبة النافذة، تحبس آخر الستارة خلفها فبدت كمؤخرة امرأة مختبئة. بمخادعة بصرية كدتُ أنساق لتصديقها بدت لي أكياس بلاستيكية وأقراص ديفيدي وكأنها رسمٌ على السجاد.

أطفأتُ السيجارة ثم دخلت في نوبةٍ سعالٍ قوية جدًا، جرجرتني مترنحًا إلى الحمام. لا أذكر أنني قد رأيتني قبل تلك المرة. أخذتُ أسعل بقوّة، وأختلس النظر إلى وجهي في المرآة خلال ثواني الهُدن بين نوبات السعال. بدوت رجلاً في العقد الرابع من عمري، نحيلاً بشكلٍ يبرز طول أنفي، ولولا أنني أيقنتُ أنه أنا، لقلت أنه لصّ مريض، وبالتأكيد سأُشفق عليه. ثم تمكّنَتْ مني قسوة السعال مرةً أخيرةً وطويلة، وبعد الكثير من الحشرجة أخرجت كلّ ما بحلقي ولحقه ما ببطني دفعةً واحدة في تلك المغسلة التي كنتُ أفكر، وأنا أستفرغ، أنها مرتفعة بشكلٍ مبالغ فيه.

أخذتُ أتأمل وجهي كثيرًا، أنظر إلى ذلك الشخص في المرآة، ثم أنظر إلى ما خلفي وحولي ثم إليه مرةً أخرى. تمكنتُ بصعوبة من ردع ضحكة كانت تهتزّ في صدري. غسلت وجهي وخرجت. لاحظتُ وأنا أغادر الحمّام أنّني أمشي كالمتعثر في خطوِهِ، نسيتُ مشيتي، وكنتُ أحاول أن أختلق مشيةً جديدة، أخذتُ أمشي من المطبخ إلى الصالة إلى المطبخ مرةً أخرى، وهكذا حتّى رسوتُ على مشيةٍ مريحة. ثم التقطتُ علبة عصير أناناس وأعجبني مذاقه، ولم أتوقف عند فكرة إعجابي بالمذاق أبدًا، ربما كان الأناناس عصيري المفضل.

لا أعلم كم من الوقت جلست على تلك الصوفا أشرب العصير، أتأمل الحجرة، وأفركُ ذاكرتي ببرود. كنتُ ولازلت، ولأسباب لا يمكن فهمها، متصالحًا مع حالتي بشكلٍ أو بآخر.

في الصباح قمت بترتيب الشقة، تآلفتُ بشكلٍ ممتاز مع الحجرتين، الأدراج، خزانة الملابس، الصالة والمطبخ. كنتُ أتمتم بأغنية “اليوم يمكن تقولي.. يا نفس إنك سعيدة.” أستوعبُ حقيقةَ أنها لطلال مدّاح، وأذكر حدث سماعها مراتٍ كثيرة خالية من أيّ تصوّر للزمان أو للمكان. وخلال تنظيفي لملفاتٍ وأوراق جمعت فوقها طبقة من الغبار من النوع الذي يمنحك عطستين متتاليتين، وجدتُ شهاداتٍ تحمل ذات الاسم، بالطبع كان اسمي الذي لم أمنح اكتشافه فرصةً للاحتفال، فقد تجاوزته وأنا أشاهد صورًا كثيرةً لي. صورتي وأنا طفل حافيَ القدمين في فريق كرة قدم ينظر كلّ واحد منّا بأزيائنا المتباينة إلى زاويةٍ مختلفة باتجاه المُصوّر. صورة أخرى وأنا اجلس في حضن امرأةٍ تصلح هيئتها أن تكون أمي. أعجبتني فكرة أن تكون هي أمي. وبابتسامة واثقة احتفلت: إنها أمي. لقد تعرفتُ عليّ صغيًرا بشكلٍ سريع ومباشر، كان أمرًا منطقيًا جدًا ويمكن حدسه والتأكيد عليه بسهولة: إن ذلك الرجل الذي رأيته في مرآة الحمام لا يصلح أن يكون طفلاً إلا بهذا الشكل، بذات العينين الغائرتين، وزاوية حاجبٍ أيمنٍ مرتفعة، وأنف طويلة.

كنتُ مستمتعًا بتقليب صوري وقراءة رسائل موجهة إليّ حين علا صوت نغمة رنين مُتعَبة، كانت قادمة من الهاتف الجوال الذي وجدته في جيب ثوبٍ على الشماعة: “المتصل: المكتب الرئيسي”، أجبت. فحياني باسمي المكتوب في الشهادات والرسائل، من الحديث معه -عندما أقول الحديث فأنا أعني الاستدراج والإنصات في غالب الأمر- عرفت أني أعمل لدى شركة إعلامية ما، وهو يتحدث باسمها، أملى عليّ رقم تذكرة طيران الكترونية ذهاب وعودة. أخبرني أنهم متشوقون لرؤيتي في حفلة عيد ميلادي التاسع والعشرين، فشكرته بسعادة مريبة، من الصعب أن تثق في سعادة يتم الشعور بها في حالة مشابهة. طويتُ فضولي في حقيبةٍ صغيرةٍ وجدتها تحت السرير، وفي اليوم الثاني كنت هناك.

الشيء الوحيد الذي حرصتُ على ممارسته وأنا هناك كان الابتسام والناس يتحدثون حولي معي وعنّي، ثم وقف من قدموه على أنه رئيس تحرير الجريدة، وقال كلامًا كثيرًا عن صداقتنا وكيف أنه أعطاني الضوء الأخضر للسفر ولجمع ومطاردة الأخبار وكتابة الريبورتاجات، وعن مساهمتنا كفريق في رفع عوائد الإعلانات ومبيعات الجريدة، لم أكن أشعر بالرضا وأنا أستمع إليه. بعد أن أكلنا العشاء ووضع أناس يعرفونني جيدًا هداياهم على طاولتي، أغلقت الجوّال واستأذنتُ للذهاب إلى الحمام، امتدّ طريق الحمّام وقادني إلى المطار. وفي وقتٍ متأخرٍ من الليل دخلتُ شقتي بسعادة، تلك السعادة التي أعتقد أنه من الجنون استبدالها أو التفكير في مقايضتها بسعادةٍ أخرى. جلست على السرير وبي رغبة بتدليك رقبتي والكتفين. ومنذ ذلك اليوم وأنا أبتسم كلما استيقظتُ في حجرةٍ مظلمة تتسرب إليها إضاءة الشارع بشكلٍ خافت من وراء ستارةٍ صفراء تحجب أكثر مما يفترض بها أن تفعل، وعلى ركبة نافذتها تتكئ صوفا غامقة اللون، تحبس آخر الستارة خلفها لتبدو كمؤخرة امرأة مختبئة.

خالد الصامطي.
24 فبراير 2010– شيكاگو.

مجلة سين

Be Sociable, Share!

9 تعليق على عندما نسيتُ تسعًة وعشرين عامًا في كابوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *