ToGoTea

الأرشيف

عامٌ مجيد يا شاهين. فكرتُ بأنه من الصحي أن أكتب لكَ حبقًا جديدًا في بداية العام، على الأقل لأخبرك بمّا أريد من هذا العام. ما أريد هذا العام يا صديقي هو القليل من الحزن. لقد قلّ مخزون الحزن لديّ. أحتاج ذلك الحزن الذي يُوازن منسوب الليالي. لقد أفرطتُ في السعادة مؤخرًا، استخدمتها في كلّ شيء، حتّى في ربط أكياس الزبالة. تخيّل أن تربط كيس الزبالة وتحمله على ظهرك إلى البرميل خلف العمارة بسعادة عارمة. استخدمتها في تنظيف قعر قدر الضغط، وفي مسح الغبار وشباك العنكبوت عن فتحات التهوية، في الانحناء لالتقاط قلمي الذي كثيرًا ما يسقط خلال المحاضرة، في انتظار القطار وحتّى في دفع فاتورة الغاز. لقد أكتشف الآن وأنا أكتب ذلك، أنني استخدمت السعادة تقريباً في كلّ ما أقوم به. لذلك أحتاج إلى القليل من الحزن. أرسم به الفواصل بين جُمل الوقت. لا أريد أن أكون “الرجل الذي تحوّل إلى نكته لكثرة سعادته” –بالمناسبة، يمكن أن يكون هذا اسمًا لفردٍ ساذج في قبيلةٍ من الهنود الحمر- أحتاج لبعض الحزن، أحتاج لأن أكون متوازنًا هذا العام.

كما أنني أيضاً أحتاج من هذا العام أن يأتي ممتلئاً بالأفكار، مصابًا بتخمة أفكار. فتفيض، وتستغني أنت بدوركَ عن الكثير منها لوفرتها، تحيط بكَ الأفكار من كلّ جانب. منها ما يقوم بمساج قدميك. ومنها ما يفرقع لك أصابع يديك. هذا ما أحتاج أليه فقط، قليلاً من الحزن وكثيرًا من الأفكار.

العام الفائت احتجتٌ إلى الإنصات. المزيد من السماع. لذلك تضاعفت قدرة السمع لديّ منذ أن قدمتُ إلى هذه الشقة بداية العام. أصبحتُ أسمع صوت الوقت، أسمع صوت الأسياخ المعدنية بجدران العمارة تتقلّص، وصوتَ الريح خارج النافذة. أسمع صوتَ محرّك الثلاجة، وصوت تجشؤ زمزمية الشاي. أسمع صوت النور، صوت معدتي، وصوتَ جريان الماء بداخل مواسير حمام جاري العلويّ. أسمع كلّ ما يحكيه الليل خلال الأشياء، ويسمع الليل شهيق ذاكرتي. فكرتُ كثيرًا، وأنا أستمع إلى الأشياء، في كيفية أنّك لا تحتاج إلى العزم على القيام بالسماع. أنتَ لا تقوم بترتيب مسبق عندما تكونُ في علاقة مع الأصوات. الأصوات هي التي تبدأ العلاقة معك. أنت لا تفعل السماع، الصوتُ يفعلك. طوال تاريخك السمعي، تقوم بدور الممسك بالكوب الورقي في الجهة الأخرى مثبتاً إياه على أُذنك. الأصوات تأتيكَ دون مشاورة. لا سُلطةَ لكَ على الصوت. وصوت هذه الليلة بارد ومتذبذب، الصوت الأقرب إلى الصمت، الصوت الذي يتفشى لحظات ما قبل نزول الثلج. إنه يؤذي الفراغ. الفراغ يحتاج إلى امتلاء، وهذا الصوت البارد يضاعف خواء الليل.

لم تعد البومة موجودةً لتتحدّث مع العابرين وتوزّع صوتَ المساءات على نوافذ بيوت شارعنا، وتخلق موضوعات يتحدث عنها السكّان فلا يتهمهم شركاؤهم بالرتابة. ولم يعد البطّ يهاجر في جماعاتٍ مع الغروب، انتهت رحلاتهم، غادروا جميعاً إلى الجنوب. حتى المتأخرين منهم، يحلقون بصمت، دون صياح، يتسللون في طيرانهم كالهاربين من عار تأخرهم.

وأنا يا صديقي، داخل هذا الصمت، أبحث عن حزن! حزنٌ لا يأتي كثيرًا. يلمع في أحيان قليلة، ثم يتملّص، يتلوى كثعبانٍ حكيم، حزن ذات دهشة طويلة بحيث تستطيع أن تحتضن ذاتها كصديقين في صالة المغادرين. كلّ ما أحصل عليه هو ذلك الحزن الصغير الذي لم يتعلم الحديث بعد. يختبئ في الحيّز الفارغ من الوقت. ذلك النوع الذي يمكن أن تشعر به في أكثر اللحظات غير المتوقعة، كأن يظهر كومضة من ذاكرة قديمة في لحظة شروعك بربط حذائك، أو يداهمك في اللحظة التي تتلو النظر إلى كلا الاتجاهين وعدم مشاهدة سيارات قادمة. يباغتك بسرعة ذبابة، فتتوقف أنت لوهلة، تحاول استعادته، ترغب بالإمساك به، تفتيشه ومعرفة هويته، فيراوغ ويهرب بسرعة ذبابة أيضًا. أريد أن أقبض على حزنٍ في هذه الليلة الصامتة جدًا.

في المرة القادمة سأطلب من والدتي أن ترسل لي مع الحبق قليلاً من الحزن إن أمكن.
مرةً أخرى: عامكَ مجيدٌ يا شاهين، وصّل سلامي إلى الشباب.

The painting: Silence
(Date: 1799)
By John Henry Fusel

Be Sociable, Share!

9 تعليق على الحبق الحافي. (11)

  • نوفه says:

    واو ايني عن هذه المدونة

    سقطت عليها من علو جبال الحزن

    كنت أبحث اليوم عن أي شئ ما يثير هذا الحزن

    الذي يحرق قلبي و وجدته في مدونة طاهر

    و منها اليك

    يبدو ان ليلتي ستصبح حزينه مؤكد هذا

    جملتك :

    الفراغ يحتاج إلى امتلاء، وهذا الصوت البارد يضاعف خواء الليل.

    ضربتني بمطرقة لا رحمة فيها على قلبي

    كن بخير

  • سكايلو says:

    يقول كبيركم:

    أظمئتني الدنيا فلما جئْتُها ** مطرت عليّ مصائِبا

    ايها الجميل .. اتمنى لك السعادة.

  • Khalid Samti says:

    نوفة، سعيد بوقوعك هنا سيدتي، ولا تحرمينا من الطلة
    الود

    سكايلو
    تحياتي لك ولكبيركم 🙂

  • حسناً تفعل برصد تجربة حياتك في الغربة وفي عمر مفعم بالمشاعر ومتحفز للدهشة واصطياد التفاصيل .
    كانت لي تجربة مشابهة أثناء دراستي في إنجلترا لبضعة سنوات ، وأشعر الآن بالندم لأنني لم أحفل بتسجيل فصول تلك الحياة وتفاصيلها ، رغم غنى الأوقات وعراقة المكان .
    فهنيئاً لك على اصطياد الفرصة .

    تحياتي وتقديري

  • Khalid Samti says:

    عين الصقر، وهل تعتقد أنها تفنى؟ أعني تفاصيل التجربة! ما أؤمن به أنها كائنات فطرية، تتكاثر وتأكلنا من الداخل، وكلما طال تخمرها، خرجت بحنين ودهشة أجمل.
    لا أعتقد أن ماركيز كان سيكتب عشت لأروي بهكذا جمال وعظمة في شبابه، روعة “عشت لأروي” هي عتاقتها، استذكارها، وإعادة تصويرها بحنين.
    شكرًا لعبورك، وسعدت بقراءتك.. وسأسعد أكثر عندما أقرأ إنجلترا بطريقتك..
    الودّ.

  • Munera says:

    لستُ شيئًا .. وتعقيبي ليس شيئًا أعلم ذلك ، فقط أردت أن أقول : تهتُ في ما بين العنوان والنقطة ..

  • Khalid Samti says:

    أتمنى أن يسفر عن هذا التيه عودة أخرى وقراءات أكثر، والأهم ثقة أكبر. تمامًا كما أنه “لا أحد من بلاستيك” فإنه لا يوجد أحد يمكن أن يظهر كلا شيء. وهذا الظهور، تواجدك وقراءتُكِ للحبق، يعني أشياء كثيرة. فشكرًا. على فكرة منيرة هو اسم نصّ يجلب الجميل والقديم من الذاكرة: http://www.samti.me/?p=26

  • لحظات شاعرية تلك التي نتوق فيها إلى حزن يسقي مدن أضلعنا العطشة ..

  • عبير علاّو، أعدتني إلى لحظة كتابة هذا النص، أذكرها جيدًا، وأحنّ إلى سعادةٍ جميلة تركتها تتربى هناك، سأعود لها يومًا، وأذكرها بصورتي، وبالليالي التي كنتُ أحكي لها ذاكرتي لتنام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *