ToGoTea

الأرشيف

سوف أتحدث في هذه التدوينة، عن كتابة السيناريو، وسأحاول بإخلاص أن أجعل من المحتوى مرجعًا بسيطًا وأوليًا لمن يريد أن يتعرف أكثر على كتابة السيناريو. قليلون هم من يجهلون كليًا معنى سيناريو، أكثرنا جهلاً يعرف عن السيناريو ما يُذكره به تاريخه كمُتابع للأعمال التلفزيونية؛ تاريخه الممتلئ بمشاهدة الكلمة والتفكير بها وبناء معناها الخاص في رأسه وهي تتصاعد على الشاشة خلال المقدمات والنهايات التعريفية بفرق عمل المسلسلات التي تابعها خلال حياته. إن كنت ذلك الشخص، فأتمنى أن أنجح في تشكيل صورة أكثر تماسكًا عن كتابة السيناريو، أقول: “أكثر تماسكًا” ثم أصمت، ولا أقول الصورة المعرفية المكتملة.

إذن، لنتفق أنني لا أدعي الأستذة، وأن ما سيكتب هنا مجرد معلومات مبنية على تجربة متواضعة لي كهاوٍ للكتابة بأنواعها ومنها السيناريو، ولا أدعي الاحترافية والتخصص، فتجربتي في كتابة السيناريوهات -التي أخذت دورة حياة كاملة من نصوص إلى أعمال تلفزيونية- تجربة لم تتجاوز الثلاثة أعوام، أما أكاديميًا فالمرجعية الوحيدة التي أكتسبتها في هذا الموضوع هي كورس لمادة الكتابة تم تقديمه في قالب “كتابة السيناريو” خلال دراستي للغة الإنجليزية في أكاديمية اللغة في جامعة ديبول.

سوف أبدأ من الزاوية اللغوية، تعريف الكلمة، وبعد التعريف سأتجول بالحديث عن الموضوع بشكلٍ ارتجالي وعشوائي مستندًا على نتائج قادني إليها فضول وقراءات متفرقة في الموضوع وفي تجارب كتاب محليين وعالميين خلال الأعوام القليلة الماضية، وسأختم حديثي بضرب مثال سريع لتوضيح أسلوب الكتابة، ومن خلال القراءة والمشاهدة يمكننا المقارنة، وتحديد أوجه التشابه والاختلاف، لأن المعرفة، كما تعلمون، لا تتأتى بالتنظير فقط.

ما معنى كلمة سيناريو؟

من المنطقي أن أجعل من التعريف الإنجليزي مدخلاً لحديثنا عن معنى الكلمة، فسيناريو، كما هو واضح من شكلها وتركيبتها الصوتية: كلمة مُعرّبة.

Scenario: (n) a synopsis of a play – سيناريو: (اسم) ويعني خلاصة المسرحية

هذا المعنى الأول للكلمة إذ أن فن التمثيل كان مختصرًا على المسرح فقط، أما الآن فقد توسعت دلالة الكلمة وأصبحت تدل على “الكتابة المفصلة للمشاهد المختلفة التي يتكون منها الفيلم أو التمثيلية أو المسرحيّة، وتتضمن الحوار والتوضيحات الخاصة بالتقاط المشاهد” بحسب موقع المعاني.

سيناريو، كما اتفقنا هي كلمة معربة عن الكلمة الإنجليزية “Scenario” التي استخدمت بمعنى وصف مقتضب للقصة المسرحية، مأخوذة عن الإيطالية والتي بدورها استقتها من المصدر اللاتيني “scena” بمعنى “موقف متخيّل”.

في الإنجليزية لم تعد كلمة “Scenario” مستخدمة كثيرًا للدلالة على المعنى الذي للتو عرفناه، بل حلت مكانها كلمات أخرى، وأصبحت سيناريو تستخدم أكثر عند الحديث عن التغير الذي يطرأ على حالة قضيةٍ ما في فترة زمنية محددة وهذه القضية موضع الحديث تتبع لمجالٍ علمي ما (تقني، طبي، قانوني، سياسي، اقتصادي، اجتماعي..إلخ) وكثيرًا ما ترد عند الحديث عمَّا يمكن أن يحدث، وكيف يمكن حدوثه للحالة محل الدراسة، لذلك نسمع التعبير “The worst case scenario” للدلالة على أسوأ الاحتمالات الممكن حدوثها في القضية الهدف– محل النقاش أو الدراسة.

إذا كانت الكلمة غير مستخدمة لذات الدلالة التي توحيها إلينا الكلمة المعربة “سيناريو”، فماذا إذن يطلقون على كتابة السيناريو؟

هنالك مصطلحان يوشكان على التداخل في الدلالة ويشيران إلى ذات المعنى، وهما المصطلحان الإنجليزيان “Scriptwriting” كتابة الديالوج/ الحوار الذي تجريه شخصيات الأعمال التمثيلية، والمصطلح الثاني “Screenwriting” وهو فن كتابة نصوص الأعمال التي يتم أداؤها وعرضها على التلفاز، هذا المعنى يشترك فيه أيضًا المصطلح الأول. وكلا المصطلحان، في وقتنا، يدلان على تفاصيل وصف بيئة النص والشخوص وحواراتها وتقاطعها، والنوع الدرامي خلال الحوار، وذلك داخل ترتيب زمني يتم بواسطة فصل النص إلى مشاهد بأوقاتها وأماكنها كعناوين، ثم مقدمة لتوضيح بيئة المشهد، ومن ثم تترتب أسماء الشخوص وحالتها المزاجية قبل كل سطر ديالوج خاص بالشخص. ويتوزع الوصف السردي للمكان والحدث خلال كل مشهد كروابط داخلية بين الحوارات تصنع منطق التخيّل وتساعد على رؤية الأحداث وتقارب بين صورتها المتخيلة والحقيقية خلال وبعد تصويرها.

يكون السيناريو ممتازًا -في نظر القائمين عليه، ولا أعني أبدًا في نظر المتلقي للعمل من قراء ومشاهدين فهؤلاء لا أحد يستطيع المساس أو تقنين ذائقاتهم- يكون كذلك كلما نجح الكاتب في إقناع المخرج –والمنتج وكل من له يد في رعاية العمل وعرضه- بفكرته الأصلية، وإلا فإن الكاتب سيتلقى ملاحظات وطلبات تعديل وسيعيد كتابة السيناريو حتى يتوافق مع هوى الشخصيات آنفة الذكر، لكي يتم تعميده ويدخل مرحلة الإنتاج، وهناك أيضًا قد يمرّ النص ببعض نقاط التفتيش التي تخضعه للتغيير.

في تلك المرحلة، مرحلة وصول السيناريو لأيدي الممثلين للمرة الأولى عندها فقط تبدأ ملامح هذا النص في التحول من حقيقتها كلغة وحروف وصور في ذاكرة من قرأوها، إلى واقع يتم تمثيله بتوجيه من المخرج مستندًا على النص ورؤيته الشخصية، أما الممثلين فليس منهم سوى المهموم بفهم الكاتب من يقرأ السيناريو كاملاً قبل العمل وإلا فإن الكثير من الممثلين يعتمدون فقط على الـ”Script” بشكله التجريدي لحفظ حواراتهم، وعندما أقول “Script” فلا أعني بالضرورة نصًا مستقلاً يحتوي على الحوارات فقط، بل إن الأسلوب المتبع لكتابة السيناريو يسهل على القارئ إيجاد الحوار والقفز من على النصوص الوصفية الأخرى التي توضح بيئة وخلفيات موضوع الحوار. لذلك فإن إيجاد الحياة ونبرة الصوت في الحوارات يتوقف في غالب الأمر على ثقافة وفنية الممثل، وهو أيضًا السبب الذي يدفع المخرجين لرفع أصواتهم خلال التصوير بـ “CUT” كثيرًا، ويطلبون إعادة المشهد لتوصيل روح الحدث بتأثير أكبر، ناهيك أيضًا عن الجهد الذي يبذله المخرج في إيصال لمساته الخاصة غير المكتوبة في السيناريو إلى الممثل وبقية فريق العمل.

أساليب ترتيب محتوى السيناريو في المستند:

هنا سأتحدث فقط عن الشكل، طريقة عرض النص على الورق، أما أساليب الكتابة ذاتها فهو موضوع طويل ومتشعب وفيه الكثير من الآراء والمدارس مثله مثل أي عمل فني آخر، فذلك موضوع يهتم بطريقة ترجمة فكرة القصة من خلال موازنة حبكتها وعناصر التشويق بها. أعود وأقول أنني هنا سأتحدث عن الشكل. فعربيًا واجهت أسلوبين يتم إتباعهما عند كتابة السيناريو، ربما يكون الأسلوب موحدًا في أماكن أخرى، ولكني تعرفت إلى الآن على أسلوبين يتم استخدامهما في عالمنا العربي، وهما تقريبًا الأسلوبان الرئيسان، وبقية الأساليب تُعَدّ أشكالاً مشتقة من أحدهما بطريقة أو بأخرى.

أ‌.        أسلوب السيناريو المؤطر:

على حدّ علمي المتواضع وغير الأكيد، هذا الأسلوب هو فرنسي الأصل، وهو أيضًا أسلوب كان متبعًا لدى الكتاب الأمريكان في العشرينات والثلاثينات. وفيه، يتم توزيع عناصر السيناريو بداخل جدول مقسم أفقيًا بعدد المَشاهد، وكل مشهد مقسم إلى ثلاثة صفوف أفقية وثلاثة أعمدة.

الصف الأول في جدول المشهد: مكون من خلية واحدة، يكتب فيها تعريف المشهد مفصول بين عناصر تعريفه بشرطات أو فواصل. أولاً رقم المشهد، ثم مكان المشهد بشكل عام إما داخلي ويعني أن المكان داخل مبنى، أو خارجي ويعني مكشوف، ثم توقيت المشهد إما بذكر الساعة بالتحديد أو الوقت بشكلٍ عام (صباحي، مع الغروب، مسائي..إلخ)، ويتبع أخيرًا بمكان المشهد.

الصف الثاني في جدول المشهد: مكون من ثلاثة خلايا وهي عناوين الأعمدة وداخل الخلايا تتم كتابة العناوين بالترتيب كالتالي (الصورة، الشخصيات، الحوار) أو أي ثلاث كلمات تدل على المعاني السابقة.

الصف الثالث في جدول المشهد: مكون من ثلاث خلايا كبيرة، وهي ما ينسدل تحت عناوين الأعمدة الثلاثة:

–        الخلية الأولى من الصف الثالث في جدول المشهد: يكتب فيها الوصف (الصور) التي سوف تظهر للمشاهد.

–        الخلية الثانية من الصف الثالث في جدول المشهد: يكتب فيها اسم (الشخصيات) التي ستبدأ الحوار، وأحيانًا يتبع اسم الشخصية الحالة المزاجية عند قولها لنص الحوار، وذلك للتسهيل مهمة الممثل.

–        الخلية الثالثة من الصف الثالث في جدول المشهد: يكتب فيها (الحوار) يكتب فيها نص الحوار للشخصية المذكور اسمها.

مثال:

مشهد1، مثال

كما ترون، الشكل مبسط، ويمكن أن يكون شكله مناسب لبعض الكتاب، وبالتأكيد للممثلين لسهولة عملية النظر للجهة اليسرى فقط وحفظ الحوارات. في المقابل فإن الجدول، من وجهة نظري المتواضعة وبناءً على خلفيتي السردية، يُفقد النص السمة الإبداعية، ولا يتسامح مع القارئ الذي يريد ربط جميع أركان السيناريو حال القراءة دون الحاجة للتنقل والمقارنة بين تراتبية النص بداخل الخانات. عمومًا، هذا الأسلوب كان متبعًا لدى صناع المسلسلات والأفلام العرب من الجيل القديم، لكن التوجه الآن للأسلوب المتصل غير المؤطر، والذي سأقوم بوصفه تاليًا.

ب‌.     أسلوب السيناريو المتصل:

لا تلتفتوا للمسميات الأساليب كثيرًا، فقد ابتكرتها الآن للتفريق، وأنا أعني بالمتصل: النص المستغل للمساحة، والذي تعتمد عناصره على مكانها من مساحة الورقة لتحديد انتمائها. وعناصره تأتي بنفس الترتيب أعلاه، ولكن في مساحات غير مؤطرة، بحيث نبدأ بعنوان المشهد بخط عريض بنفس الترتيب، وفي السطر التالي يبدأ وصف المشهد بخط عادي بمحاذاة بداية ونهاية السطور، ومن ثم في وسط الصفحة اسم الشخصية المتحدثة بخط عريض، وتحتها مباشرة بين قوسين طريقة قول الشخصية للحوار بخط أصغر أو مائل، وأسفل ذلك نص الحوار بخط عادي، وهكذا مع تتابع الحوار. مثال:

1-    خارجي- مسائي- الشميسي دوّار أم سليّم:

يجلس سالم على العشب في وسط الدوار إلى جواره قارورة ماء منتصفة، ويقرأ بين يديه من رواية الأخوة كارمازوف، ثم يدخل الكادر حسين سيرًا على رصيف الدوار ويقف أمام سالم.

حسين

(ساخرًا)

تكفى يا يا رومنسي..

ياللي يشوفونه الناس من سياراتهم وهو يقرا ويقولون يووه أكيد هذا مثقف..

قم.. قم يلعن أبو جوّك..

ينظر إليه سالم دون أن يرفع رأسه، يغلق دفتي الكتاب، يضعه إلى جواره، يفتح قارورة الماء يرتشف منها قليلاً، ويرش بباقي الماء على سالم وهو يقفز واقفًا

سالم

(متحديًا)

وش رايك بالرومانسي ألحين؟

هاه؟؟

يهرب حسين ويلحق به سالم إلى داخل الحارة وهو يضحك..

سالم

(يضحك بصوتٍ مرتفع)

انتهى

رأي:

ككاتب أفهم لماذا هذا التوجه للأسلوب الجديد، فإضافة إلى كون البرامج التقنية الحديثة قد سهلت عملية الكتابة بهذا الأسلوب مع الحفاظ على القدرة على التفريق بين المشاهد والخانات دون الحاجة إلى جدول، فقد شعرت أثناء الكتابة بداخل جدول أن انسيابية تخيل النص تتعرض للتعكير مما يُفقد النص الروح القصصية، أي أن عملية الكتابة داخل أُطر والتنقل بين الخانات تُسهم في الحد من خيال الكاتب، لأن القاعدة الشكلية الجامدة والتي لا علاقة لها بمضمون النص تبعث الرتابة وتشتت انسياب الفكرة، أما المساحة التي لا تلتزم بقيود ولا إطارات تمنح الكاتب طمئنينة المساحة الحرة وتحرض الفكرة على الانسياب دون توقف.

مثال:

ولكي تتضح الصورة لمن يرغب بقراءة نصٍ مكتمل ومن ثم مشاهدة الحلقة، هنا سيناريو إحدى حلقات المسلسل الكرتوني الكوميدي مصاقيل الجزء الثاني بعنوان أمنا نخلة إضغط هنا لعرض نص السيناريو.

ملاحظة: يكون التفصيل في مشاهد سيناريوهات الأعمال الكرتونية أكثر مما هو عليه عند كتابة أعمال تمثيلية.

وهذه هي الحلقة كما ظهرت بشكلها النهائي:

YouTube Preview Image

أنهيت كتابة ما قرأتموه أعلاه قبل ثلاثة أشهر تقريبًا، وكنت أؤجل نشره إلى حين اكتمال الشرح، ولكن لا الوقت ولا القدرة على الكتابة توفرا، وعلى أية حال، إذا ما وجدتُ نفسي قادرًا، فسأخصص تدوينة أخرى* للحديث عن طريقة توزيع الأفكار في النص والربط بين أحداثها ومشاهدها.

شكرًا على القراءة.

* تحديث: تم نشر الجزء الثاني من التدوينة، إضغط هنا لعرض: كتابة السيناريو (2/2)

Be Sociable, Share!

9 تعليق على كتابة السيناريو (2/1)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *