ToGoTea

الأرشيف

وانتقلت جدتي إلى رحمة الله هذا الصباح بعد عامين من الذاكرة المترنحة في أزمانٍ لم أعشها. حزينٌ هو الجنوب اليوم، فلن تشرق شمس غدهِ على وجهها وهي تسقي ريحاناتها في حديقة بيتها العتيق. وحزينة جِرارُها الطينية وهي تصطف بيضاويةً متكئةً على بعضها تنتظرُ عجوزًا جعدت الشمس والسنين وجهها، عسى أن تبزغ من على قعادتها، تشرب الماء وتسدّ تسربًا جديدًا في قعر إحدى الجرات بلطخات طينٍ جمعته من باحة البيت، وتترك طبعةً جديدةً بأصابع فلاحةٍ جوار طبعةٍ قديمة. حزينةٌ هي قطط جدّي الذي مات قبل عام، فلا أحد بعد اليوم سيحن بفائض أسماك الغداء، ويمدُّ راحةَ يدهِ يُعلم قطًا جديدًا المصافحة. وحزينٌ هو صاحبكم يا أصدقاء.

خرجتُ إلى هذه الحياة قبل واحدٍ وثلاثين عام، ووجدتها عجوز تبتسم بأسنانٍ بيضاء كعقد لؤلؤ خليجيّ ألهمتني لأن أكتبها في قصة صفية التي ماتت أيضًا. وكبرتُ، وجدتي توزع السعادة والحنان والشوق على أبنائها وأحفادها وأبطال المسلسلات البدوية بعد صلاة المغرب في تلفزيون جدي الأبيض والأسود، تتناول عشاءها وهي تتساءل عمّا إذا كانت تلك المسكينة التي سقطت في البئر قد تناولت العشاء أم لازالت تنتظر إلى أن يأتي أحد وينقذها في حلقة الغد، وفعلاً ينقذها البطل وتكون النهاية سعيدة في الحلقة الأخيرة، وتستمر جدتي بتوزيع شفقتها على قطط بيتها وقطط بيوت القرية الذين يتجمعون في مأدبةٍ كل ليلة أمام زربِ البيت، يأكلون ويدعون لها بطولة العمر.

وكبرتُ أكثر، وهي تتعب أكثر، وتثقل حركتها، فتدعوا لأحفادها العابرين من أمامها على طراحة البيت، بالتوفيق، دون أن تقف معهم طويلاً تسألهم عن حالهم أو توصيهم بأن يشتروا لها كريم الشعر ماكسام الأبيض بزجاجته الشفافة وغطائه الأسود ويخبروها بأنه لم يعد متوافرًا في السوق.

رحمك الله يا جدتي محمديّة.

هنا، جدتي في حبق

Be Sociable, Share!

4 تعليق على محمديّة

  • عظم الله أجري وأجرك في جدتنا الغالية ، رحمها الله رحمة واسعة وغفر لها وأدخلها فسيح جناته

    نعم الجنوب حزين وكما قال الشاعر
    حزينة كلها الليلة امردايم

  • ياسمين says:

    تموت ذاكرتنا بموت من نحب هم يأخذون معهم شيئا ثمينا منا نتمسك به في ايام الحزن الأولى عارفين موقنين بأنه لامحاله مغادر بمغادره روائحهم الاثيره للمكان , وما ان تحل السلوى حتى ندرك اننا لم نعد نحن فترف الدمع في الحزن افقد المشهد قُبحه لبعض الوقت وان كان خاطفا . ادرك وجعك جيدا ففقدان جده هو بمثابه فقدان اخر مشهد للطفل فينا فنحن نظل صغارا مادمنا احفادا ولكن ما ان تسقط تلك الصفه حتى يسقط معها عقد او عقدين من الزمن فنهرم وتختصر ذاكرتنا لمشهد واحد لانرانا فيه صغارا مره اخرى ابدا .رحمها الله واطال الله عمر محبيك .

  • كلامك في مكانه يا ياسمين، وأشكركِ كثيرًا على دعواتك ووجودك هنا. مع اعتذار على تأخري في التجاوب على تعقيبك. أتطلع لمداخلاتك على تدوينات ذات مناسبات أسعد 🙂

    الودّ والامتنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *