ToGoTea

الأرشيف

– وبعد فترة من سكنكَ في شقتك الجديدة، وجدتَ فليبي على الرصيف مقابل مبنى الـ YMCA حيثُ كان يسكنُ مجانًا كأحد مشرّدي المدينة، أليس كذلك؟
أجبتُ؛ نعم، بابتسامةٍ خبيثة وأنا أنظرُ إليها وهي تنظرُ إلى “فيليبي” الذي وافقها بضحكةٍ مساندة، فضحكت هي أيضًا. وقبل أن تنهي ضحكتها، بادرها:

– ولكنكِ لم تقولي يا زينب، كيف هي المدرسة بعد انتقالي إلى المدرسة الجديدة؟

ضحكات وأحاديث عابرة، في حفلة ميلاد. الأمر المضحك والمثير والساخر أيضًا، أنّه أول عيد ميلادٍ لي. وقد أوردتُ الجملة السابقة في رسالة الدعوة التي أرسلتها للأصدقاء. كان ذلك في الخامس من مارس 2008، كما جرت ولادتي بنفس اليوم من عام 1981. كانت حفلة متواضعة، صغيرة، وجميلة بجمال من حضر. وقبل أن أجيء إلى هنا، لم أحظَ بحفلةِ ميلاد قطْ.

أو لأكن أكثرُ تحديدًا وصدقًا. أذكرُ أنني حظيتُ بحفلةِ ميلادٍ من قبل، بمدينة “العين” بالإمارات، قبل ثلاثة أعوام، كان ذلك عام 2005. كانت حفلةً مكونةً من شخصين، عزيز البحريني وأنا، في أحد المقاهي بسوق العين. عزمني عزيز حينها على قطعة “كروسان” وكوب من القهوة عندما علم عن طريق المصادفة أنه عيد ميلادي. هذا كل ما في الأمر. وبعد ثلاثة أعوام، حصل أن كنتُ في الولايات المتحدة الأمريكية، وأقمتُ هذه الحفلة.

أقمتها في شقة الصديقين “أحمد” الذي يعزف على “العود” بشكلٍ جيد، وأسامة الذي يُفضل أن يناديه الأصدقاء بـ “سام” لأسباب معروفة ومنطقيّة نوعًا ما. هذين الصديقين أقمتُ في شقتهما لمدة أسبوع، كان ذلك العام الفائت عندما قدمتُ إلى شيكاغو لأول مرة. وما جعلني أختار شقتهما لإقامة الحفلة ثلاثة أسباب:
الأول أنها في الدور السابع والعشرين، والحفلة كانت لميلادي “السابع والعشرين” وهذا سبب منطقي جدًا ويستحق أن يردَ كسببٍ أول. الثاني لأنها أكبر من شقتي وفي مبنىً أحدث وأرقى، لذلك ستستوعب عددًا أكبر من الأصدقاء. الثالث لأنني منذ أن عرفتُ أن ثمة شيء يدعى “حفلة ميلاد”، تخيّلتُ حينها أني سأقيم أول حفلة عيد ميلادٍ لي في مكانٍ مناسب. ومنطقيًا كانت الشقة هناك أكثر مناسبةً للحفلةِ من شقتي. لذا جرى الأمر كما جرى.
– لم يتغير شيء. انتقالك، انتقالُ طالبٍ واحد من بين أكثر من ألفي طالب لا يحدثُ تغييرًا يُذكر!

أجابت زينب بضحكة.
زينب الفتاة التركية، التي شاركت “فيليبي” دراسة أحدى المواد التيرم الفائت، والتي تشاركني هذا التيرم دراسة أحدى المواد. حضرت الحفلة رغم أنها اعتذرت مسبقًا عن الحضور. هي لا تتحدثُ العربية ولكنها تتمنى ذلك. سألتني:

– هل تعتقد أنه من السهولة لمن يتحدث التركية أن يتعلم العربية؟

أجبتها بـ نعم. رغم أنني لستُ متأكدًا. ولكي أدعم إجابتي أضفتُ أن اللغة العربية تحتوي على عدّةِ كلمات من التركية كما هو حال اللغة التركية التي تحتوي على عدة كلماتٍ عربية، وأضفتُ أن ذلك بسبب الحكم العثماني الذي استمر لأجيال. أخرجت سيجارة وقلتُ “تتن”، ابتسمت زينب. ثم مشيتُ إلى الزاوية التي تقف فيها “بيانكا” و”فانيسا” لكي لا تحرجني زينب بأسئلتها المتوالية والتي لا أعرف لها إجابة، ولا أريد أن أعرف، أنا هنا في عيد أول حفلةِ عيد ميلادٍ لي، ولست في اختبار مقارنة للحضارات.

جاء أغلب من أعرف، منهم: يزيد، ديفيد، ووينغ، سلطان، غابرييل، و”إليوت” البريطاني الذي كلما أشاهده أبتسم. ليس لأنني أفرحُ بمشاهدته. ولكنني أتذكر مباشرة اليوم الذي كنا في شقته قبل شهرين نلعبُ لعبةً ليس الوقت مناسبًا لشرحها الآن، لعبة معقدة، تُعلبُ بالورق “كوتشينة”، في حال أن سحب أحد الأطراف ورقة “البنت” يلفظ كلمةً إنجليزية ذات معنى؛ وعلى جميع المشاركين بعدهُ أن يلفظوا كلمة بذات الوزن الصرفي. كان الدور على “فيليبي” وبالمصادفة سحب ورقة “البنت” فقال:

– Idiot، والتي تعني بالعربية “أبله”.

من سوء حظ “إليوت” أنه اللاعب الذي يلي “فيليبي” وعليه أن يقول كلمةً بوزن “إديوت”. لم يجد “إليوت” كلمة إنجليزيةً بنفس الوزن، وعندما إحمرّ وجهه وأوشك على البكاء، أيقنّا أنه ليس من السهولة إجاد كلمة إنجليزيةً تحمل ذات الوزن لكلمة “أبله” غير اسمه. لذلك توقفنا عن العب، لأسباب اختلقناها في لحظتها.
كان أحمد يعزف على العود، وكنتُ أضرب على الإيقاع. كنّا نُغنّي:

“بتروح لك مشوار!
إلتلاّ يا ريت.
آلت لكن إوعا تغار…
حوليّا العشاق كتار.
إلتلاّ بطلت…
خليني بالبيت.”

– يجب أن تحضر الجمعة إلى شقتي أنا و”فانيسا”، سنطبخ لك بمناسبة ميلادك.

قالت ذلك “بيانكا” قبل أن تغادر، أجبت بالموافقة.

في مساء ذات اليوم. كنتُ متمددًا على السرير. سعيدًا كما يجب على من أنهى للتوّ حفلة. تذكرت الشاهين عندما شاهدتُ حمامة خارج شباك حجرتي. قرعتُ النافذة بعنف، فطارت. وقبل أن أنام تذكرت رياض فتعوذتُ من الشيطان. ثم نمت. وبمساء يوم الجمعة، كنتُ أفكر بحذائي المغطى بالثلج عندما فتحت باب الشقة، هل أخلعه أم أنفضه جيدًا وأدخل مرتديًا حذائي؟ وخلال ذلك، كانت الشقة مظلمة، نظرت إلى اللاشيء حولي، لمحت رؤوسًا تخرج من كلّ زاوية، من خلف الصوفا، الحمام، المطبخ، ومن حجرة “بيانكا”، وآخرون من كل مكان. كانت لحظة حافلة بالرؤوس التي تخرج فجأةً من خلف الأشياء، من أماكن مختلفة في الـ ما حول.

Be Sociable, Share!

17 تعليق على “الحبق” الحافي. (08)

  • أبو المهند says:

    جعلتني أشعر وكأنني معك
    ، وذكرتني بيوم جلسنا فيه وسمرنا ليلة لاتنسى

    دمت بود،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،في انتظارك

  • Dalal Jazi says:

    خطرت في بالي يا خالد وأنا أشرب القهوة مع أمي ، وأختي تحدثني عن رغبتها في الذهاب الآن لقص شعرها ، ماعلاقتك بفنجان القهوة أو بالسينتمترات الخمسة في جديلة أختي ، لا أعرف
    لكني طبعت بعدها في محرك غوغل : مدونة خالد الصامطي وأتيت إلى هنا
    وها أنا أقرأ ما كتبت دفعة واحدة ،

    سأحتفظ برابط للرصيف ، وسأكثر الزيارات

    تحية

  • علي الألمعي says:

    العزيز : خالد

    رأيت مجموعتك القصصيّة على مكتبي ، وتذكرت رصيفك ، قرأت وشعرت بألفة غريبة ، هنا يمكنك أن تكتب ماتشاء ولمن تشاء .

    دمت بخير .

  • Dreamer says:

    زرت رصيفك كثيراً و لم أجدك
    و مازلت أنتظر حضورك بعد طول الغياب
    فأين أنت يا خالد؟؟

  • للحين ما ادري says:

    انت مجنون
    واذا كان الجنون ابداعا يعجز عنه الناس ليحرفوه الى اللاموضوعيه..فأنت فعلا مجنون

    ليست بأساءه … انها تتوقف فقط علي مفهومك الشخصي للجنون وتعريفك له

    بوركت “لاموضوعيتك”

  • إدوارد says:

    هل أخبرك أحدهم من قبل بأنك تشبه يد الجدة حين تقص القصص ؟!
    تضع أصابعك على المنطقة الحساسة عند النخاع الشوكي وتفرك ، أنت قاص ممتع كيد جدتي المسائية يا خالد.

  • نافذة says:

    كمااان يا خالد ..
    هات كمااان
    (يمي) .

  • مشيب ! says:

    كل عام وأنت كما تتمنى.

  • أمل says:

    أكمل خالد.
    أشتقنا لـ سوالفك:)

  • Khalid Samti says:

    أبو المهند: شكرًا يا غالي، أنتَ حاضر دائمًا، ودائماً معي.

    دلال جازي: وبالتأكيد ستسعدني زياراتك. دمتِ ودامت لكِ السعادة، والقهوة الهانئة.

    علي الألمعي: شعرتَ بالألفة، لأنكَ قريبٌ من القلبِ يا صديقي. شكرًا لأنكَ هنا، كن بالقرب دومًا.

    Dreamer: أنا موجود دائماً. المشكلة أن “الكتابة” لا تأتي كثيرًا.

    للحين ما ادري: لا حاجة للحيرة، الأمر كما قلت. بشكلٍ دائم أقبضُ عليَّ متلبسًا بالجنون، واللاموضوعية، وألاحظ عند الكتابة أنني أكون بحالة “فهيان”، أكتبُ وأنا “مفهي” جداً 🙂

    إدوارد: واو. هل أخبرك أحدٌ أن تعقيبكَ من النوع الذي يُوقف شعر الساعد والظهر. ويبعث على الارتياح؟ أنتَ كخبرٍ سعيدٍ غير متوقع.

    نافذة: ردكِ أسعدني، وأتمنى أن أتمكن من توفير الكماااان والكمااان 🙂 ، الود.

    مشيب: شكرًا على تهنئتك يا غالي.

    أمل: أنا أيضًا اشتاق للحكي كثيرًا، المشكلة في القدرة على الحكي كما يجب. شكرًا لكِ.

  • عبدالرحمن بكاي الأخضري says:

    أخي العزيز
    السلام عليكم
    قراءتي لك اليوم جعلتني أنسى أنني في فراغ غير مبرر …
    أعلمك أنني طبعت ديواني ” هواجس” ورسالتي للماجستر
    “تحليل الخطاب الشعري:قراءة أسلوبية في قصيدة قذى بعينك للخنساء”
    وأنا أنتظر أربع مجموعات شعرية جديدة منها ” لها .. فعل ماض أو جار ومجرور”…

    والسلام ختام
    أخوك عبدالرحمن بكاي الأخضري
    الجزائر
    00213774787635

  • © SPENSER says:

    الصديق بكاي
    سعدتُ كثيراً بتواجدك وتعقيبك ومعرفة هذه الأخبار الرائعة
    مر وقت طويل منذ آخر مرة تحدثنا فيها على الهاتف
    ولا زلت ممتنا للعين التي جمعتني بك وببقية الأصدقاء
    صديقنا مهدي منصور ينافس الآن في برنامج أمير الشعراء على قناة أبو ظبي
    وبقية الأصدقاء انقطعت عني أخبارهم

    بالنسبة لي فقد صدرت لي مجموعة قصصية متواضعة بعنوان “احتمال وارد”

    أهنئك على نيل درجة الماجستير وعلى ديوانك الذي أتطلع لقراءته
    أتمنى أن أجده قبل عودتي إلى شيكاغو
    خالص الأماني بالتوفيق والنجاح المستمر

    الوّد دائماً

  • habooooooooba says:

    بليييييز ممكن اتواصل مع دلال جازي انا صراحة فنانة مبتدئة وانا يهمني ان دلال رايها

  • habooooooooba says:

    تعطيني رايها

  • Khalid Samti says:

    مرحبا يا فنانة مبتدئة، بالتوفيق. واصلي البحث عن دلال. شكرًا على تواجدك.

  • Heba says:

    قرأت اليوم مقابلتك في جريدة اليوم ,, وسرعان ما جئت أبحث عن مدونتك ..

    جميل كان حديثك عن اسعار الوقود ومدى ارتباطها بالثقافة ,,, ألهمتني انت اليوم

    بما لا تعلم ,,

    شكرا لك …

    • أشكرك متأخرًا يا هبة. وأعتذر على ذلك، فبعض الردود تغيب عني ولا أشاهدها إلا متأخرًا، عندما أعود للنصوص القديمة.

      شكرًا لك جزيلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *