ToGoTea

الأرشيف

لم أتوقع انتظاره لي خارج البقالة كما فعل يومًا أمام الخياط وأنا في البطحاء أفصل ثيابًا للعيد، تلك الفكرة الغائبة عن ذهني جعلته يتمكن من مباغتتي وركل خصيتيّ بسهولة وأنا على عتبة المحل، تقوّستُ فضرب مؤخرة رأسي بكوعه وسقطت. كهرباء قارصة تصاعدت من عانتي إلى عِرق أسفل أذني. استمرّ يركلُ ظهري وأنا أحاصر بيديّ الألم في حضني، ركلاته في الخلف لم تكن بذات أهمية حينها. خرج صاحب البقالة وأمسكه محاولاً التفريق بيننا، الأمر الذي أعطاني فرصة تسريب ألمي إلى باطن الأرض والنقمة إلى بقية أعضائي. التقطتُ قارورةَ بيرةٍ مكسورة من كيس الحاجيات التي اشتريتها، وأنا أستعيدُ توازني واقفًا سددتها نحو وجهه فتصداها بكفه وجُرح، ثم غرستُ حدّها في كتفه الملعونة. بعبثية المتألم تمكن من زحلقة القارورة من يدي لتتهشم بعيدًا، وأخذ يلكمني على وجهي وبطني وخاصرتي، أمسكتُ بيده السليمة ولففتها حول ظهره، وجريًا دفعته ليرتطم وجهه بجدار البقالة، وأخذتُ أركله على إليتيه بركبتي، ثم بباطن قدمي جررتُ أسفله تجاهي ودفعت نصفه الأعلى ليزحف صدره ووجهه للأسفل محتكًا بالجدار، امتدّ بطوله على الرصيف، وأطلقتُ قدمَيَّ ركلاً على رأسه وكليتيه وكتفه المجروحة.

تركتُ ابن الشرموطة يتأوّه على الرصيف ومن فمه يتطاير اللعاب المختلط بالدم والتهديد والشتائم، ثم ركبت سيارتي متجهًا إلى البيت.

أستيقظ الساعة السادسة صباحًا، أشرب قهوة وآكل موزة وأعبئ كوبًا آخر من القهوة للطريق، وأخرج إلى زحام يلعنُ حظّ الوقت حتى أصل إلى العمل. ينقضي نصف يومي في المكتب، ونصفه الآخر في مشوارين يستنزفان آخر رشفة صبر في كأسي، أرفعه وأقلبه فوق فمي المشرع، ولا شيء يقطر، أشتم قائد السيارة المجاورة ويشتمني في المقابل ولا يصلني صوته، زجاج سيارته مغلق، يبدو أن مكيفه يعمل بشكلٍ جيد، الغشيم يملك سيارة جديدة.

أنت حتمًا متأخر عندما يكون وقع السيارات الواقفة على المسار الأيمن والإشارة حمراء على نفسك أسوأ مما يُشعرك به شخصٌ يرفع إصبعه الوسطى ردًا على التحية ثم يبصق في وجهك. أنتظر، أفكر بالتملص والدخول إلى الحواري، ألوي ساعد ذاكرتي علها تعترف وتشير إلى الطريق الفارغ، ولكن لم يعد ذلك مجديًا، لقد فضح أمر كل الطرق المختصرة هنا، الكل يعرف عنها، والكل يسلكها. وأنا لا زلت أجهل كيف أصل إلى البيت خلال أقل من ساعة في كل ظهرية ساخطة.

يحل المساء، أعبئ كوب القهوة وأخرج، أحاول أن أكون إنسانًا طبيعيًا يخرج مع أصدقائه للعب البلياردو عندما يحل المساء. ثم إنه، في مدينة كهذه، يحتاج المرء لأن يكون مهووسًا بأمر يلهيه عن المآسي التي تعبث به حسب مزاجية القدر، والبلياردو هي هوسي.

السيجارة بين سبابة ووسطى يدي على المقود ترتعش، يدي ترتعش، والدخان يزحف على قعر الزجاجة الأمامية مرتفعًا كموج. نسيت كيف أستمتع بمشهد مماثل. صوت الأبواق خلفي وأمامي جعلني أنتبه إلى الإشارة الخضراء، وأنا أفكر لماذا أرتعش؟ ربما من القهوة. تحولت الإشارة إلى الأحمر مرةً أخرى ولم أقترب منها بعد.

في صالة البلياردو، أصوب المضرب فتتفرقع الطابات المرتبة على شكل مثلث وتنتشر على الطاولة، تسقط واحدة منها. يخبرني صديقي ومنافسي في اللعب عن الشاحنة التي قفزت من على جسر شعيب أوبير واحترقت. المسافة بين الجسر وقاع الوادي طويلة. أفكر: ربما، بالنسبة إلى سائقها، هي أول مرة يقطع فيها مسافة كتلك بسرعة وسلاسة دون وجود سيارات أمامه. هل توقفت لتشاهدها تحترق؟

– لم أفعل ذلك بإرادة، الشارع كله وقف لساعات يشاهد الدخان المتصاعد حتى تحركت العربات في آخر الجسر.

أنا أفهم ما يعنيه صديقي جيدًا، وأعتقد أن الشابين اللذان يلعبان البلياردو على الطاولة المجاورة يفهمان صديقي أيضًا. الوقوف أثناء السير، في حالات كثيرة، لا يكون بإرادتنا. أفرك بالطبشورة رأس المضرب، وألعب مصوبًا على التسعة، أفشل في إسقاطها. ثم أفكر كيف شعر السائق وهو يحترق. هل احترق وهو حي؟

– على الأرجح أنه مات مباشرة بعد الارتطام، ثم احترق.

سيكون الأمر مثيرًا للاهتمام لو أنه كان هندوسيًا، أعني لأخيه مثلاً بعد عام، حيث سيتذكره ثم يقول:

“لتحل الرحمة على أخي، لقد كان مراعيًا لمشاعرنا ولا يطلب الكثير حتى في موته، فقد اختصر حادثه علينا تكلفة مراسيم توديعه وإرساله إلى الجهة الأخرى.”

يغادر صديقي باكرًا كالعادة، وأبقى أنا أتمرن على ضرب الكرة بالطريقة الإنگليزية. عندما تصوب رأس العصا إلى يمين الطابة البيضاء تنطلق للأمام مبرومة حول محورها، ترتطم بحافة الطاولة وتعود متجهة إلى اليمين، وكذا عندما تضرب يسارها. الطريقة سهلة جدًا، وتجعلك تتحكم باتجاه عودتها، وبسعة الزاوية التي ترغب من الطابة البيضاء رسمها على الطاولة.

أخرج من الصالة، أركب سيارتي وأدير محركها، ومرةً أخرى يباغتني دون أن أتوقعه، يقفز على غطاء المحرك كما فعل يومًا وأنا خارج من مركز البريد، أفتح باب السيارة وأخرج لاعنًا إياه والرياض التي تجمعنا، سحبت قدمه القريبة بقوةٍ ليختل توازنه، سقط وارتطمت مؤخرته بالصدام الأمامي ثم كوعه قبل أن يثبت جالسًا على الأرض، تألم من إصابته في الكوع أكثر من مؤخرته لذلك انشغل بتدليكه متيحًا لي فرصة أن ألكمه على وجهه ثلاث مرات حتى نجح في تغيير اتجاه لكمتي الرابعة وبقدمه رفس باطن ركبتي وتمسك بي واقفًا ودافعًا إياي للأسفل اصطدم رأسي بمقدمة السيارة ليسلخ شبك التهوية الجهة اليمنى من وجهي. ثبّتَّ عنقي بين الصدام وركبته، وأخذ يلكمني بيده اليسرى، أمسكتُ ساقه ورفعتها للأعلى ثم عضضتها بقوة، حاول تخليصها فسحب وجهي معها وأعتقد أنني ابتلعت مع الريق شيئًا من دمه، أمسكت بقدمه الأخرى وساقه لا تزال بين فكيّ فتهاوى على الأرض هو الآخر، وسرعان ما قبض على يدي وشعرت بأسنانه تنغرس في ساعدي الأيمن. وبذات اليد التي يقضمها أمسكت أذنه وعصرتها للخارج، بقينا ممدين على الإسفلت، نحاول الصراخ ولا تسمح وضعية أفواهنا بإخراج أصوات أقوى من مجرد أنين، ولا أذن ستتمكن من تمييز الأنين من بين أبواق وصياح وشتائم العابرين.

20 أكتوبر 2011

Be Sociable, Share!

9 تعليق على بلياردو

  • بلياردوا كم احب هذه العبه ولكن للاسف لايوجد لدينا صالة العاب حتى نتمكن من العب بها

    لهذا لااجد سوى العب بها بالنت خلف مسمى يخفي المسمى الحقيقي …

    كالمعتاد لاتتغير قصصك بما تحمله من جمال السرد وجمال تشويق لقارئ..

    ولكن هنا قصتك فيها ركل وعنف واشتباكات هل هي حقيقه ام خيال ..؟؟؟؟؟

    اسفه ع الفضول ولكن تعرف القارئ لايرتاح له بال حتى يعرف مايجول بخاطر الكاتب عند

    كتابة قصته..هههه ياشين الفضول

    تحياتى ….

  • مرحبًا ملاك، إذا كنتِ من سكان الرياض، فنادي البولينغ الموجود على شارع المعذر غربًا قرب الوادي يحتوي على طاولات بلياردو، تأكدي فقط من جدول الأيام النسائية.

    أما بخصوص الاشتباكات، فهي خيال، ولتجنب الالتباس مستقبلاً، النصوص التي تنشر هنا تحت تصنيف “قصة قصيرة” هي نصوص قصصية من نسج الخيال، صحيح أن أفكارها متأثرة بالواقع وربما تكون تقنية النص واقعية، ولكنها في النهاية هي تجميع وتركيب المُخيلة 🙂

    شكرًا لك على المتابعة والتعقيب، ممتنّ جدًا يا ملاك

  • ملاك الروح says:

    للاسف ليس من سكان الرياض …

    وشكرا لك ع التوضيح …

    وفي انتظار جديدك بشغف.

  • أبو معاذ says:

    لماذا كلّ هذا ؟ حاول أن تلعب البولينغ ، فهو أكثر هدوءاً كما يبدو عندما تفكّر بكتابة قصّه ، من الصعب أن نتصالح مع الرياض ، فهي تبعث الكره بدل الدم في عروقنا نهاراً ، وفي الليل يسيطر علينا العشق ، سوف نشتمها نهاراً ونغدق عليها المدح ليلاً .

  • ألعب البوليغ يا أبا معاذ وأحاول جاهدًا أن أطيل فترة العشق يا صاح .. شكرًا لك كثيرًا 🙂

  • محمد says:

    اللة

  • دراكولا says:

    كم أنت رائع تحياتي و أشواقي الحاره لك
    لا اطيق الصبر في دعم عنفك في الكتابه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *