ToGoTea

الأرشيف

المعلومة كانت بمثابة الشعرة والمؤامرة هي البعير الذي رافقه لعشرات الأعوام ثم قُصم ظهره، إذ لم يتمكن العم جابر من النوم عندما أُخبر بأنه لا يوجد “عسكري” بداخل الصراف الآلي كما كان يؤمن منذ أن تم تركيبه على جانب الطريق المسفلت القريب من قريته والذي يصلها والقرى المجاورة بالمدينة.

فكرة أن يتوقف الناس أمام الكشك ذي الصحن المعدني المثبت على سقفه، ويحصلون على أوراقٍ نقديةٍ دون وجود شخصٍ يعمل بداخله ويقوم بعملية الاستلام والتسليم وتنظيم الصرف، فكرة مجنونة! كيف للكشك أن يتعرف على الماثل أمامه ويقوم بالسحب من ماله هو بالذات دونًا عن أموال الآخرين؟ لا بد من وجود شخص، واحد على الأقل، يدير العملية من داخل الكشك، شخصٌ في زيٍّ عسكري كما تخيّله العم جابر محاولاً فهم المسألة. كانت تساؤلات مؤرقة على غير عادة الأسئلة التي اعتاد التفكير بها، لذلك لم يتمكن من النوم الليلةَ التي فاجأه حسن، شيخ القرية، بتلك الحقيقة ساخرًا وهما في طريقهما إلى بيتيهما بعد صلاة العشاء:

–       لا يا عم جابر، هذا جهاز يصرف للناس بروحه، مثل دابة ضيوف الوالد، تذكرها؟ هاهاها!

من الطبيعي أن نشعر بأن علمه بالأمر أتى متأخرًا جدًا، وأن نميل إلى الاستغراب من بدائية تفكيره في عصر الشبكات وتقنية المعلومات، وقد يتهمه البعض بمحدودية الأفق. ولكن كونه درس في الكتاتيب بوقتٍ لم تتوصل فيه العلوم لما توصلت إليه الآن، وتعلم من تأمله لمحيطه الصغير ومن أحاديث قديمة مع الرّحل الذين يتوقفون في القرية للتزود بالماء ومواصلة السير، وكونه يعيش في مكانٍ ناءٍ بعيدة عنه الخدمات، وكونه اتكل منذ أكثر من أربعين عامًا على أبنائه في تدبير أموره المالية وشراء حاجيات بيته، ولم يقم بعملية صرافة حديثة قط، ولم يراوده الطريق إلى المدينة عن طريقه اليومي إلى مزرعته سوى للسفر برًا إلى مكة ثلاث مرات كان آخرها قبل خمسة عشر عامًا، أو مرات معدودة ذهب خلالها إلى المدينة لتجديد بطاقة أو تخليص صكوك ومبايعات لأراضٍ ورثها من أقرباء مختلفين، كل ذلك يبرر لنا مفاجأته المتأخرة دون أن يتم اتهامه بالغباء. ومن المنصف ذكر أن العم جابر يفكر كثيرًا، ويتأمل ويحلل منطق أمور كثيرة تجاوزت الكون واللاهوت وتوقفت حيث تتوقف كل النظريات، حيث الحيرة تتلبس كلّ مفكر.

على عكس الليالي الأخرى التي تقطّع نومه الحاجة المستمرة للبول أو تلك الحالات من اليقظة التي بدأت تنتابه منذ عام ويفقد خلالها ارتباطه بالزمن ويعصر فيها ذاكرته محاولاً معرفة أين هو؟ ومن تكون العجوز المنكمشة التي تنام إلى جواره؟ بقي العم جابر مستيقظًا تلك الليلة على فراشه عارفًا بمكانه، وبزوجته الرابعة والمتآكلة بصمت تنتظر أن يفنيها المرض والكِبر كما فعل مع زوجاته السابقات. جلس واعيًا ومرتبطًا بواقعه كما لم يفعل من قبل، يعرفه جيدًا ويتذكر تفاصيل أعوام عمره الطويل الذي تجاوز المئة، يفكر في كل الأشياء التي تلاشت وتلك الأخرى التي شهد بداية اقتحامها الحياة لتفرض ذاتها جزءًا من محيطه، لقد أحسّ الآن، وبشكلٍ حتمي أن زمنه، الذي قضاه وهو يحاول فهم ما يجلبه إليه من ألغاز، هو مؤامرة طويلة وأنه أخيرًا سيتمكن من كشفها.

رجع بذاكرته ستين عامًا، اليوم الذي قرر فيه أن يعتزل، قدر ما يمكن، كلّ ما هو خارج القرية. لقد بدأت أحداث ذلك اليوم عندما نزل العم جابر طريق الوادي على حماره ذاهبًا إلى حقله كما كان يفعل كلّ يوم، وهو يوجه كلامه إلى حماره حول قرب موسم الأمطار، ونظرهُ إلى زبيرٍ في المدى حيث يتشكّل جسم منحدر من أعلاه عجِزَ منطِقهُ البصري عن فهمه، شيءٌ يقترب وتراب الأرض يتطاير ويتلوى خلفه، وهدير صوته يزحف قبله ممهدًا حضوره وكفيلاً بأن يغرس الرعب في نفس العم جابر ويحمله على القفز من على دابته فارًا إلى داخل أحراش الوادي، جلس هناك مرعوبًا، يستمع إلى صوت بوقٍ يقترب، كان وقعه كنفير حرب، ومع عبوره السريع استطاع العم جابر أن يشكلّ في ذاكرته صورةَ عربةٍ بلا دابة تجرّها، فكّر بذلك وقلبه يكاد يقفز خارجًا من بين أضلعه: “يجرّها الشرّ”.

بقي مختبئًا لبعض الوقت، يردد تعاويذ تارةً، ويهمس بأسماء شياطين تارةً أخرى علّها تنجده وأهل قريته من خطر ذلك الشيء، متخيلاً الدمار الذي سيحل بالقرية عندما يصلها. ظلّ مغروسًا بين شجيرات الأثل حتى أعادت الأرض ببطءٍ ذرات غبارها إليها، وخليَ الفضاء من رائحة احتراقٍ وصخبٍ جديد للتوّ تعرفت عليه أذناه.

بعد أن هدأ واستطاع أن يفكر بوضوح، مشى العم جابر قاصًا أثر ذلك الشيء، ومستعرضًا في مخيلته سيناريوهات مختلفة لما سيحدث لأهله والناس في قريته. من الصعب توضيح طريقة عمل الأفكار ومسارها بداخل رأس العمّ جابر حينها. المجتمعات التي تحدّ أفرادها إلى تعلم أساليب النجاة من الحروب ومواجهة الوحوش والسرقات والموت بشكلٍ مستمرّ تُعقد عمل المنطق وتراتبية سير أفكارهم وتحليلها، الأمر الذي يجعل من وصف وتبرير ردود أفعالهم عملاً صعبًا ومعقدًا، لأجل ذلك، من الصعب وصف السيناريوهات التي كان العمّ جابر يتخيلها ويجهزّ ذاته لمواجهتها حال حدوث أحدها.

تبع العم جابر الأثر حتى وصل إلى مشارف القرية حيث رأى “الشيء” أمام منزل الشيخ، وشباب من القرية يحيطون به. “مسكوها.. إي والله، مسكوها!” خرجت هذه الجملة على دفعتين من بين شفتيه الجافتين بصوتٍ لا يمكن وصفه كليًا بالمبتهج، إذ لم يزل ذلك الشيء موجودًا. مدّ خطواته مهرولاً ثم تسارعت ركضًا تجاههم وهو يلوّح بهراوته، عازمًا العراك.

الأمر الوحيد الذي بقي العم جابر نادمًا على عدم الاهتمام به، هو أنه عندما اقترب منهم لم يعطِ مجالاً للتوجّس أن يلفت انتباهه إلى حقيقة أنّ أحدًا لا يُظهر فزعًا من تلك العربة المتحركة بذاتها والواقفة حينها برغبتها! لم يلقِ بالاً إلى مشهدهم وهم يتلمسونها ويتحدثون بشغف حولها وعنها، كان من الممكن أن يقف بينهم ملتقطًا أنفاسه محاولاً إخفاء أية ملامح قد تبدي جلبةً في صدره، أن يتمهل ليكتشف من تخميناتهم وإجاباتهم عن أسئلةٍ قد تُطلق بعبثية، أنها عربة من صنع البشر جاءت تقل ضيوفًا من الحجاز لزيارة الشيخ! كان من الممكن أن يفعل ذلك ويضرب على مقدمة رأسه بصمت غير لائمٍ نفسه بقدر لومه زمنه ثم يعود ليبحث عن حماره ولا يتحدث عن الأمر مطلقًا.

لكنه استعجل، لأن المسألة بالنسبة إليه كانت خطيرة، مسألة شهامة ودفاعٍ ضد أمورٍ ما ورائية، مسألة هزم دخيلٍ مُسير بقوى خفية لا يمكن التنبؤ بما تخبئه، لذلك كان يقفز عاليًا مع تضاعف جرعات شجاعته أمام الجماعة، وشحنات الأدرينالين تتخلل عروقه وتدفع عزيمته، اخترق دائرتهم مصوبًا هراوته نحو العربة، ضربها مرتين وهو يصرخ بجُملِ انتصارٍ لم يتمكن أحد من فهمها ولا هو من إكمالها، حيث، بدفعةٍ اشترك في فعلها أربعة أفراد، وجد نفسه على الأرض متمرغًا بالتراب.

لقد فاجأه الأمر، وشعرَ بإهانةٍ وخيبة أمل! أقرانه الذين توقع عونهم طرحوه أرضًا، لاموه وسخروا منه حتى أطفال القرية ضحكوا عليه ومنهم حسن الذي كبر وأصبح شيخًا. وقع العم جابر ذلك اليوم على صخرةٍ شجّت رأسه، وبسبب وضعية سقوطه كُسرت إحدى أصابعه وشيءٌ آخر في نفسه لا يستطيع تحديد مكانه، ولو سُئل عنه لاكتفى بقول أنه شيء ما بداخله يمكن أن يكون في أيّة جهة.

نفض ذلك المشهد وهو يبتسم، وهو أمرٌ مستغرب، كونها ذكرى لم تجلب له سوى الشعور بالإهانة وقلة الحيلة. قام من على فراشه، فكّر أن اليوم هو الاثنين حيث تُدفع المياه من الخزان إلى ماسورة القرية، وتذكر أن ابنه الأصغر سيقوم بتعبئة الخزانات المعدنية فيما بعد، خرج إلى الفناء وتوضّأ من حنفية ماء “التحلية”. عاد إلى الحجرة وبدّل إزاره بواحدٍ جديد، التقط عكازه وخرج قبل أذان الفجر بنصف ساعة.

مشى العم جابر بسكينة وهو يتأمل النجوم والأفق، مشى ومن جدران بيوت القرية يرتد صدى قرع عكازه وخطوه الموزون مُنظمًا سيل صورٍ قديمةٍ متتالية تعرضها ذاكرته العتيقة وكله عزيمة على المضي.

سمع صوت موسيقى هادئة حذاء بيوت عمال البقالة الباكستانيين، وأخذ ينصت وتقوده أفكاره التي تتوالى بسرياليةٍ عجيبة إلى اليوم الذي أهداه ابنه الأكبر راديو. لقد كان يومًا حافلاً دون شكّ، ليس لكونه تمكن لسنوات من الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية الساعة الثامنة كلّ ليلة، فهذا أمرٌ قد يستخدم كمبرر عندما يكون الحديث عن السكينة التي تحل عليه الساعة الثامنة، لكنه كان يومًا حافلاً، بالفضول مرةً أخرى، إذ لم يتمكن ابنه حينها، ولا آخرين من أفراد القرية فيما بعد، من الإجابة بمنطقية ووضوح عن تساؤلات العم جابر حول طريقة عمل الراديو: كيف تُعزف الموسيقى في لندن وأسمعها أنا من هنا؟ كيف يتم تجديد الكلام الذي يصدر يوميًا دون تدخل أحد؟

لم يكن العم جابر ممن يستسلمون أمام الغموض، كما اعتقد الكثير ممن عرفوه، ولكنه حين يتوقف عن السؤال فهو يعلقه في جزءٍ من ذاكرته، حيث يبقي الكثير من المسائل، يسترجعها ويلوكها مع نفسه وهو يمشي بأزقة القرية، الوادي، أو بين أشجار مزرعته. لقد فكر العمّ جابر كثيرًا، وربما طال عمره لأنه لم يتوصل بعد لتلك الفكرة، الفكرة الواحدة التي تقوده إلى حيث تنتظره كل الإجابات.

وصل إلى الشارع العام المظلم بعد ربع ساعة، خطى على الإسفلت قاطعًا إياه باتجاه الصراف الآلي. لا صوت في المحيط سوى صياح الديوك وعكازه الذي يسجّل على الإسفلت ثوانٍ تفصله عن فضح المؤامرة. وقف أمام الصراف، أخذ يتلمسه بيده تارة وبعكازه تارة أخرى، يدور حوله، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة من يوشك على إيجاد الحلّ. تجاوز الصراف حتى اقترب من صخرة كبيرة مكنته من الجلوس على الأرض والاتكاء عليها. لم يمض وقتٌ طويل حتى انبعث صوت الأذان، أخذ العم جابر بالتسبيح والحوقلة، وعيناه مركزتان على منارة مسجد قريته المنكفئة خلف الصراف الآلي، انتهى الأذان وتلاه صرير وطقطقة مفتاح يدور داخل قفله، وفي مشهدٍ انتظره ليلةً بدت له عُمرا، ارتفع أحد الألواح الجانبية لجهاز الصراف الآلي وخرج من ورائه العسكري منحنيًا، أعاد إغلاق الصراف، ثم وقف متأملاً القرية مطلقًا ذراعيه للأعلى وهو يتثاءب، وخلفه العم جابر على الأرض تسند رأسه الخفيفة صخرة، في داخله التأمت كسور وأغلقت قضياه المعلقة.

Be Sociable, Share!

4 تعليق على وقائع ليلة كشف المؤامرة

  • رائع هو السرد ..

    و رائعة هي شخصية العم جابر ..

    هناك ..

    حيث تسكن الروح بعد وضع آخر النقط على استفهاماتها .. يكمن الإبداع ..

    و تظهر لي ملامح الرصيف جلية ..

    ليس هو من يفكر بهذا المنطق فقط !! ..

    حتى نحن أبناء التسعينات و الثمانينات تراودنا أحيانا أسئلة من هذا القبيل 😀

    أعتقد لو كان العم جابر مواطن أمريكي أو إنجليزي ..

    لرأيناه حاملا لجائزة نوبل 🙂

    دام هذا الهطل يروينا ..

  • أشكرك، جزيل الشكر يا عبير.

    مثل شيف يجلس لساعات في المطبخ على طبقٍ جديد، يقدمه للرواد ويتأمل ملامحهم حال الأكل. كنتِ أحد الذين ابتسموا وأشاروا بالإيجاب، وكنتُ الشيف السعيد الذي تمكن من إرضاء ذائقة.
    دائم الودّ والامتنان.

  • العم جابر يحمل بداخله حب العلم وفهم كل شي حوله..شخصيته لو ولدت في زمن التعليم
    (لجنينامن ثمره الكثير)..

    كنت مستمتعه جدا”بالقراءه…

    كم هو جميل عندما تقرأ قصه قام بسردها كاتب له طريقه

    سلسه ممتعه وجذابه وتجعلك تقرأ بشغف دون ملل..سرد الاحداث بجمال لايوصف..

    تمنياتى لك بتوفيق من الله

    ودوم التقدم واتميز….

  • ملاك الروح،
    أشكركِ كثيرًا على تواجدك الجميل دائمًا..
    يسعد الرصيف بك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *