ToGoTea

الأرشيف

ستاربكس- ميشغان أفينيو.
الخميس 28 فبراير 2008 – 05:11 مساءً.

عندما أنهيت سيجارتي وعدتُ إلى داخل المقهى، وجلستُ هنا، أمام شاشة جهازي مرّةً أخرى، قال:

– You’re smoking too?

ابتسمت وأجبت “بالطبع أدخن”، لم أستغرب عندما رفع إبهامه مبتسماً: “Good for you” ، لأنني شاهدته يدخن في الخارج أيضاً قبل أن يدخل ويضع جهازه المحمول بجوار جهازي وحقيبته اليدوية على المقعد المجاور، ويطلب مني أن أراقب أغراضه إلى أن يعود من دورة المياه. اعتدتُ أن أجلس على البار عندما أذهب إلى أي مطعمٍ أو مقهى أو بار، خاصةً عندما أكون وحيدًا، وحيدًا عن قصد، وحيدًا مع سبق الإصرار.

سألني وهو يعمل على كتابة نوتة موسيقية على شاشته:

– Where are you from?

قبل أن أصل إلى الولايات المتحدة أخبرني بعض الأصدقاء أن الأمريكان يكرهون العرب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر، لكن بعد أن وصلت إلى هنا، وعشت الوضع، عرفت أن معلومات الأصدقاء مغلوطة. المرة الأولى التي سئلت فيها هذا السؤال “من أي بلدٍ أنت؟” كانت في الأسبوع الأول من وصولي إلى شيكاغو، كان السائل “توني” الرجل السبعيني الذي يعمل في الفترة المسائية في “مايكس بار”، ترددتُ قليلاً ثم أجبته “السعودية” فاجأني باعتذارٍ عاجل وصادق على ما يحدث في العراق، وأن الشعب الأمريكي متعاطفٌ جدًا مع القضية الفلسطينية، وأنه ضدّ سياسة بلده! ياللشعور، أن تخبر أحدهم باسم بلدك، ثم يعقب باعتذار مع تقديم مشروبٍ مجّاني ومصافحة حميمة، أن تعيش هذه اللحظة، فأنت مقدمٌ على تجربةِ شعورٍ غريب، يشبه ذلك الشعور الذي يأتي بعد عدّة توقعات، بعد فترة من التساؤلات، الذي يأتي بعد ترقُّب، يشبه لحظة قراءة اسمك في الجريدة يوم نتائج المرحلة الثانوية.

– Saudi Arabia
أجبته مع ابتسامة محايدة.

– Woow far away from home? Huh
ابتسمت بالإيجاب، ثم واصلت الكتابة، وواصل هو العزف على لوحة المفاتيح، واصل كتابة النوتة.

واجهة المحل أمامي، البار على واجهة المقهى، وخلف الزجاج، شارع ميشغان، نعم يا مشعل أنت على حقّ، لا زال الشارع موجودًا، ولا زال الناس والسيارات يسيرون على مشيغان أفنيو، الشارع الأشهر في شيكاغو، الشارع الذي يبعد عن منزلي مسافة دقيقتين. الشارع المليء بالمحلات التجارية، المطاعم، المتاحف، المليء بالحياة. ليس عليك سوى السير على الرصيف، ستجد خلف المسنّ الذي يعزف موسيقى جاز على الساكسفون؛ ستجد فناناً تشكيليًا يجلس على الرصيف أيضاً، ويرسم بورتريهات للمارّة بعشرة دولارات، خلفه على بعد دقيقة ستجد رجلاً يدخل في صندوق صغير ويمارس عروض السيرك وهو يرتدي زيّ نمر. بين كلّ فنان وفنان ستجد فنانًا آخر، وكلّ خمس دقائق وأنت تسير ستستمتع بخلفيةٍ موسيقيةٍ جديدة. وخلال ذلك، ستظل مبتسمًا طوال الطريق. وعندما تدخل ستاربكس، سيجلسُ إلى جواركَ شابٌ مهووس بعزف البيانو والموسيقى، سيظل يكتب نوتةً وستلمح أصابعه تتحرك في الفراغ أمام الشاشة وهو يستمع إلى شيءٍ ما بواسطة سماعات الأذن. تتبادل أنت وهو الأدوار، مرّةً أنت تطلب منه مراقبة أغراضك وتخرج للتدخين، ومرةً يخرج هو. ستكتب، وتكتب، وتشعرُ بالحياة تتخلل جسدك كرعشةٍ كهربائيةٍ خفيفة، كمشروبٍ بارد بعد سباق ماراثون، كخبرٍ سعيدٍ جدًا ومفاجئ.

Be Sociable, Share!

5 تعليق على “الحبق” الحافي. (05)

  • Dreamer says:

    على الرغم من كل الأقاويل و تلك الأحاديث
    تبقى تجربتك الشخصية بأن تكون سعودي خارج الأراضي السعودية المصداق الوحيد..

    و يبقى هوس الكتابة ، العزف ، أو التدخين
    هوسٌ باعثٌ للحياة

    سعدت بتواجدك على رصيفك
    فوجودك باعثٌ للحياة

  • أبو المهند says:

    المزيد المزيد يا أبا تركي حفظك الله ورعاك

  • Khalid Samti says:

    حالم
    أنا من سعد بوجودك، وسيسعد كثيراً ببقائك بالقرب.
    شكراً من القلب.

    أبو المهند.
    اعتقدت أنني أوصلت رسالتي إليكَ في ردي السابق، أعني أنني أفضل مناداتي بـ”خالد”، ولكن لكَ ما تشاء يا غالي، أبا تركي ليس سوى لقباً لعوباً ورد في سِفرٍ ما قبل ما يربو عن سبعة عشر عاماً.
    أشكركَ يابن الخالة 🙂
    وعلى فكرة، مشتاقلك :).

  • مشيب ! says:

    الشارع الحافل بالحياة والخلفية الموسيقة المدهشة التي تجبرك على الابتسام ووصفك لكيف تتسلل لك الحياة أثناء هذا كله .. شيء مدهش خالد.

  • Khalid Samti says:

    مشيب، المدهش هو وجودك أيها الغالي
    قراءتك تسعدني كثيراً

    استمرّ بالعبور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *