ToGoTea

الأرشيف

هاشم؛ صاحبك مدمن حبق منذ سنوات، ارتبط الحبق لديّ بالكتابة، بالجلوس أمام الشاشة والكتابة. عانيت كثيرًا خلال الشهور الفائتة هنا. أعني في شيكاغو. بحثت كثيرًا ولم أجد متجرًا يبيع حبق. حتى المحلات العربية لا يوفرونه، وكثيرون لا يعرفون هذه النبتة.

قبل سفري بشهر، كنا أنا ورياض وابتهال، نجلس في “كفي شوب” في الحمراء بجدة. نتحدث عن الكمبيوتر والطعام والإنسان وعلم الحشّ، وكمثال كنا نحشّ في الأشخاص الجالسين على الطاولة المجاورة. كنتُ أقلّب قائمة المشروبات، توقفت عند قراءتي: شاي بالحبق. وبإصبعي قارنت المسمى العربي بالترجمة المقابلة للمشروب بالإنجليزي، حيث كُتب: Tea with basil

آها، إذن حبق بالإنجليزي تعني”Basil”، كررتُ لفظ المسمى سبع مرّات، ثم طلبت.

في الأسبوع الأول من وجودي في شيكاغو، ذهبت إلى سوبر ماركت كبير ولديه فروع كثيرة في المدينة، يدعى Jewel، أمام ثلاجة الخضروات والفواكه وقفت. إنشكحت أساريري عندما قرأت Basil على علبة بلاستيكية صغيرة وشفافة تضم غصنين أخضرين صغيرين، وجدتُ غرضي. عبأت سلة المشتريات بأكثر من عشر علب وأنا أغني: عطشان واسمع يا “حبق”.. عطشان.

في الشقة، سخّنت الماء، ووضعت الشاي، وفتحتُ إحدى العُلب بشراهةِ وعبثيةِ مدمنٍ سعيدٍ امتلكَ جرعتهُ أخيرًا. لكن السعادة لم تدم، ليس لأنني تذكرتُ جدتي مباشرة بعد أن فتحت العلبة، بل لأن الرائحة مختلفة، ليست رائحة حبق، إنها رائحة حميمة، تشبه رائحة جدّتي جدًا. مع الشعور بالإحباط وبخلفيةٍ موسيقية حزينة، في ذلك الموقف البائس، أخذتُ أعصر ذاكرتي بحزم، أنا أعرف هذه الرائحة جيدًا. أعرفها إنها مألوفةٌ وكثيرة في ذاكرتي الروائحية، أعني قِسْم الروائح في الذاكرة، أعني أن لها نصيبٌ كبير من تاريخي الشمّي. بعد دقيقة، لمبة صفراء أضاءت على رأسي عندما صحت:

وجدتها.. وجدتها!

ريحان؟

ريحان يا هاشم!

تخيل يا هاشم بعد هذه الشهور، وبعد ترديد اللفظة سبع مرات كل يوم قبل النوم. أشرب شاي بالريحان!

يالها من سخرية.

سكبتُ الشاي في حوض الغسيل بالمطبخ. لا طعم للشاي بلا حبق، ولا كتابة بلا حبق، ولا حبق في شيكاغو. أخذت أفكر، ماذا أفعل بكل هذه الكميّة من الريحان؟ الريحان هنا يستخدمونه مع السلطة وبعض الأطباق اللاتينية. وأنا لا آكل الريحان. تخيلتُ نفسي بقميص وإزارٍ ملوّن “مَصْنَف”، عاقصًا شالاً على رأسي مُعلقاً بضع أغصانٍ من الريحان على أُذنيّ، في زاويةٍ على ضفاف أحد الطرق الجبلية في إنديانا، أجلس وأمامي بضعة جوالين عسل للبيع! ثم تخيلتني أستخدم نفس الـ”Custom” كلبسٍ تنكري في عيد الهالويين.

بعد أربعة أشهر، أرسلت لي والدتي كيسًا كبيرًا من الحبق المجفف. وصلني عن طريق أحد الأصدقاء القادمين من السعودية. وبسبب ذات الكيس تأخر صديقي في المطار لساعة، بعد أن ظنّ المفتشون أنه ماريوانا. استقبلت صديقي. وقبّلتُ الحبق.

Be Sociable, Share!

7 تعليق على “الحبق” الحافي. (03)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *