ToGoTea

الأرشيف

برد جدًا.
المدفأة في شقتي تعمل بشكلٍ شبه متواصل، لكن البرد مفرط.
البرد هنا يا شاهين مفرط.

صباحًا، أمشي على الرصيف. أرتدي قميصان قطنيان، جاكيت من الفرو والصوف، وآخر من القطن والنايلون للثلج، مع غطاء للرأس. شال عنق، غطاء للأذنين، قفّازات، ثلاثة جوارب، حذاء ضدّ الماء، وبنطلونان. أمشي كرائد فضاء، الجميع هنا روّاد فضاء، وشيكاغو قمر. قمرٌ مأهولٌ ومدنيٌّ جدًا. في هذه الحالة، حالة السير على الرصيف بردًا، أنت ستبكي حتمًا. أعني أنت ستدمع من شدّة التجمّد. تدمع دون شعور. جسدك يتخلص من السوائل عبر أنفك وعينيك. تدمع، وبعد دقيقة، ربما أقل، يتجمّد الدمع على مقلتيك. الطقس هنا يتلاعب بكلّ شيء. يتلاعب حتّى باللغة، بمفرداتها، دلالاتها. هنا لا تحتاجُ إلى منديلٍ لـ”تمسح” الدموع. أنت تحتاجه لـ”تقشّر” دموعك.

ممكن عود أسنان يا شاهين لو سمحت، لديّ دمعة عالقة أسفل رمشي السفلي الأيسر!

رغم أن ماما لم تسمع من قبل برحلة الشتاء والصيف. لكنها قالت اليوم في سبيل بدء محادثة؛ أنها تتمنى أن ترحل عن شيكاغو في الشتاء والصيف. أنت لا تعرف “ماما” ربما؟
ماريّا. العجوز اليونانية التي تملك وتدير هي وزوجها المطعم أسفل شقتي، “مايكس”. في اليوم الأول من سكني في هذه العمارة، التي تطفح برائحة التاريخ، طلبت منّي أن أناديها “ماما” كما يفعل الشباب من روّاد المحل، وزوجها “مايك” قال، يمكنك أن تناديني “بابا”. اليونانيون يستخدمون اللفظتين أيضًا لمناداة كبار السّن احترامًا لهم.

بعد الظهر. ماما تشتكي من كلّ شيء. من الطقس، من غلاء المعيشة، من إزعاج سيارات الإسعاف والإطفاء، من المتسولين، من الموسيقى المكسيكيّة، ومن الزبائن غير المحترمين. تقول غير المحترمين بلهجتها التشبه الإنجليزية الإيطالية، تقولها وهي تعني الزبائن الذين يغادرون دون أن يتركوا بقشيشًا. رغم أن اللوحة التي علّقها بابا على الزجاج خلف البار تنص على أنّ المحل لا يقبل غير النقد ولا يفرض البقشيش. لكنها تشتكي، وترفض أن تأخذ مني البقشيش، بل تغضب منّي إذا أعطيتها أكثر من حقّ السلعة، تقول أنني طالب، وعيسى يحبّ العلم. ثم تحضر لي “هوت دوغ” أو “شيز برغر” مجّاني وتأمرني بإخراج دفاتري وأبدأ بأداء فروضي المدرسية، قبل أن يجيء أصدقائي المكسيكان وأنشغل بلعب البلياردو.

ليلاً، قبل أن أنام بساعة، أحضِّرُ كوبًا من الشاي بالحبق، أتصفح الإنترنت، أقرأ ما تيسّر من الرسائل والنصوص، ثم أنام.

Be Sociable, Share!

4 تعليق على “الحبق” الحافي. (02)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *