Menu
Categories
الإبداع القصصي وإعادة تأهيل النّص السردي.
سبتمبر 5, 2007 قالوا

إضغط هنا للقراءة من المصدر، جريدة الوطن: الثلاثاء 22 شعبان 1428هـ الموافق 4 سبتمبر 2007م العدد (2531) السنة السابعة.

كتبه علي فايع الألمعي:

هناك نصوص قصصيّة تقرؤها دون حاجة إلى جهد أو عناء في هضمها، والسّبب – من وجهة نظري – أنّ كتّابها يجيدون رسم خطواتها دون حاجة إلى تكلّف يفسد جوّها العام، أو زيادات تسرق من النّصّ القصصي متعة قراءته، وإمكانيّة بناء معمار آخر يوازي أو يضاهي البناء لحظة الكتابة!
تلك الكتابات الإبداعيّة يمكن أن تلتقط مفرداتها وعناوينها وجلّ أفكارها من الحياة، فهي مسرح كبير للكتابة التي تحوّل الواقع إلى نصّ قصصي بديع، يُقرأ للمتعة، ويُقرأ للفنيّة، ويُقرأ للكتابة النّقديّة المثيرة والمثمرة في الوقت ذاته!
من أولئك الكتّاب، كاتب شابّ، يستعدّ لإصدار أولى مجموعاته القصصيّة، يكتب القصّة بخطوات هادئة، وحسّ أدبي واجتماعي وإنساني عال، له الكثير من النّصوص المنشورة في مواقع الإنترنت، ولديه مدوّنة خاصّة بعنوان ” رصيف ” يستطيع من خلالها إيصال رسالته الأدبيّة بشكل جيّد!
لم أقرأ له الكثير من النّصوص المنشورة في الصّحف اليوميّة،لكنني قرأت جلّ نصوصه التي كتبها هنا وهناك، يُعرف هذا القاصّ بأنّه مقلّ في الكتابة وإن كان يعمل على تجربته بشكل مدهش، وعذره في ذلك – كما قال عن نفسه ” كقاص أكتبُ ببطء وباهتمام مملّ، أكتب القصّة وأنهيها ثم أكتشف بعد أكثر من شهر، وثلاثة، أنني فعلت ذلك أكثر من أربع مرات، وأنتهي بأربعة نماذج مختلفة، أنشرُ آخرها في الشهر الخامس من بدء الكتابة، هذا أنا أبالغ في تعاملي مع ما أكتب “صحيفة الرياض العدد (العدد 14101)”.
لديه ميول ومواهب أخرى متعدّدة يبرز منها رسم الكاريكاتير الثقافي، ولديه ولع شديد بالسينما، ومع ذلك ما زال يكتب النّصّ القصصيّ بشكل لافت!
هذا المبدع هو القاصّ الشّاب: خالد الصامطي، الذي يمنح ولاءه للنصّ القصصي، ويدفع بموهبته الفعليّة إلى الكتابة الحديثة التي تركّز على أن تصل فكرته بشكل أدبي رائع وإنساني مقنع، فهو يعمد في جلّ نصوصه التي قرأتها له إلى توظيف الكتابة الشفافة،واللغة الموحية، وإبراز الجوانب المحيطة بالنّصّ وفق حاجات فعليّة يقتضيها الفعل الكتابي، ولديه قدرة فنيّة على تطويع الجمل السرديّة بشكل يلفت نظر القارئ إلى أبعادها التي عادة ما تختبئ خلف حدث أو شخصيّة أو مكان، أو مشاعر شخصيّة تتنوّع بحسب الموقف والحالة!
لدى ” خالد ” مجموعة لا بأس بها من النّصوص التي يمكن أن نعرّج على بعضها بذكر عناوينها مثل نصّ: ” أشعث أغبر ” الذي استخدم فيه ” تقنية ” الكولاج الفني من قصّ ولزق، من تقديم وتأخير، من حذف وإضافة، من تثبيت وإزاحة، وهي إحدى مظاهر الحداثة في النص القصصي حسب رأي القاص والناقد المصري – سمير الفيل -.
وكذلك نصّ ” خطّ البلدة لا ينتهي ” الذي يقرأ فيه القاصّ البيئة بعدسة فنّان، ويصوّر الشخصيّة بشكل مقنع، فهو يتكئ على القراءة النفسيّة التي تناسب حمولات النصّ، فتمنحه بعداً إنسانياً وفنّياً، وتعطي قيمة فعليّة لحالة ” الشّحاذ ” الذي يحتاج، لكنّه يحلم – أيضاً – بعيداً عن التضخيم أو التهويل، لتناسب في جملها الوصفيّة حالة الشعور، ودرجة التعايش مع الجوّ العام للحدث ” كلُّ الأشياء تلفظني، الشمس، الأسفلت، السيارات، النظرات، نادراً ما يحتويني صوتُ امرأةٍ عطوف من سيارةِ أجرة، أو وجهُ طفلٍ في مقعدٍ خلفي، فأنكفئ بينَ حاجبيهِ المائلين كرقم ثمانيةٍ مقطوع الزاوية، أستظلُّ قليلاً من وهجِ نبذهم وبقيةِ الحواجب، لا يهمُّ إن انتهيتُ فائزاً بورقةٍ نقديّةٍ يتفضلُ بها والده، أو بمجردِّ الهدهدة على حزني بـ(الله يعطينا ويعطيك) تأتي مكررةً ورتيبة من فمِ سائقٍ اعتاد قولها، ولا يُهمُّ أيضاً إن عُدتُ ليلاً بغَلّةٍ شحيحةٍ إلى أبي الفقير الحانق على كلّ شيء، ما يهم قولهُ الآن أنني شخصٌ بائسٌ جداً “!
كما أنّ لدى القاصّ ” خالد ” القدرة على تشكيل النّصّ السّردي وفق مقتضيات البوح، بعيداً عن سيطرة الكاتب، فهناك أفكار كثيرة يمكن أن يلج إليها النّصّ القصصي دون خروج عن فنيّته أو استطراد يُفسد على القارئ متعته، ويمكن أن نلحظ ذلك بشكل كبير في نصّ ” منيرة ” الذي يصوّر فيه حياة كانت، وحادثة عابرة تُقرأ ويمكن أن تشاهد: ” حصلنا في الأسبوع الأوّل من قدومها، على أشياء كثيرة. فإضافةً إلى الحلوى ومشاهدة امرأة بشعرٍ بنّيّ تتسلقُ شجرةً، وتركلُ كرةً في الشارع، فقد حصلنا مثلاً: على حكيٍ وافرٍ نتداولهُ عندما نسهر على “الدَّكة” نلعب “أونو” أو “كيرَم” ونستعيدُ صورَ الحرمة الغريبة التي تسكنُ في البيتِ المجاور، تصرفاتها، جُرأتها، كانت موضوعاً شيّقاً، وجديداً بالنسبةِ لنا، المسألة كانت بمثابةِ صدمةٍ مؤثرة، نقلةٍ بتاريخنا البَصَريِّ في الحارة، حتّى إنّ أحدنا يغشّ أثناء اللعب ولا نكترث، فالنقاشُ محتدم “!
ولأنّ أفكار النصوص التي يكتبها خالد الصامطي تستمدّ قوتها من بيئة ثريّة بالحكايات والقصص والأوجاع، فهي تعتمد كثيراً على ذاكرة تعشق استحضار الماضي بصورة أكثر حداثة وأكثر قدرة على التماهي مع الحياة الجديدة بأفكار تعيد لنا الأسئلة بشكل آخر مختلف!
وهي في نهاية الأمر قادرة على الحضور المقنع لقارئ يبحث عن استنتاجات لحياة كانت واجباً وأصبحت في عُرف الكتّاب قصصاً بديعة، وبطولات يمكن العودة إليها وقت استحضارها من جدي كما في نصّ “في جيدها عقد من بلد” والتي يقرن فيها بين “صفيّة” جدّته وكثير من ثقافاته المكتسبة بقوله “صفيّة، التي لولا أنّها وجدت نفسها -على سبيل القدر- امرأةً قرويّةً، ترعى الغنم، تطرحُ القصب لبقرتها، وتذهب كلّ صباحٍ للسقايّة، ولولا أنها أيضاً كانت تحصد “الخَضير” وتصدحُ بأهازيج المزارعين، لكانت شيئاً آخر لا يختلفُ كثيراً عنها، مثلاً: سيّدة إنجليزيّة نبيلة، من الطبقةِ الأرستقراطيّة طبعاً، تجمع اسطواناتٍ موسيقيّةٍ لـ”باخ”، وتحبُّ لوحات بيكاسو وموديلياني النادرة، تكتب مذكّراتها اليوميّة وتجاربَها القديمة بكلّ جرأة، أو لكانت في بيئةٍ مقاربةٍ لبيئتها، مثلاً: كعجوزٍ اسكتلنديّة تجلسُ على كُرسيٍّ هزّاز، تستظلُّ بمدخلِ منزلٍ ريفيّ، تغزلُ شالاتٍ صوفيّةٍ وهي تنتظرُ عودة جدّي من المزرعة”، لكنّ فارقها الوحيد أنّ البيئة يمكنها أن تقتل أهلها أو تخلّد سيرهم!
أخيراً يمكن القول إنّ لدى ” خالد الصامطي ” قدرة عالية في الكتابة السّلسة المشرّبة بعذوبة الإبداع – كما يقول – منصور المهوس – فهو يكتب بعين وروح ويد تعرف جيّداً أين تضع الحروف وإن أدمن فعل المراجعة والتصحيح وإعادة الكتابة!
alifayia@alwatan.com.sa

Be Sociable, Share!
Comments are closed
*