Menu
Categories
التفاتةُ ومثال!
يونيو 9, 2007 قالوا

جريدة الجزيرة (المجلة الثقافية) الأثنين 3ربيع الثاني 1427 الموافق 1 مايو 2006م.

مقال: محمد جبر الحربي:
نشر الشاب المبدع خالد الصامطي قبل شهر تقريبا قصة قصيرة في هذه المجلة بعنوان (خط البلدة) بلغة عربية سليمة مبينة عالية، وبشحنة عاطفية متأججة، وتتابع جاذب، وفطنة كتابية، وحرفة قصصية خلابة، وإحساس واعٍ بالواقع مع رغبة في التغيير الموجب، ولا يكون ذلك إلا بمعايشة التفاصيل.
والحقيقة أنني بعد قراءتها لم أكن بحاجة للعودة إليها إلا للاستزادة من جمالها، ولم أشعر بصداعٍ، ولا اضطربت عيناي، ولا احترق رأسي كما يحدث لي مع الكتابات القصصية والسردية الشائعة اليوم. تلك الكتابات التي لا نعرف أولها من آخرها، وتكثر فيها علامات الاستفهام والتعجب والنقاط المتتابعة والأخطاء اللغوية. تلك المكتوبة إما بلغة ركيكة ضعيفة، أو بلغة متعالية مصطنعة مفتعلة لا تستطيع إزاحة الفقر لدى صاحبها، ناهيك عن تعمد استخدام ما لا يفهم ظناً بأن ذلك قمة التخييل أو التحديث أو التجريب. أؤكد لكم أنني عندما قرأتها لم تبرد أطرافي، ولا تبلد حسي، ولا شعرت أني بحاجة لطي الجريدة يأساً وأنا أتأفف وأشتم على غير عادتي لاعناً الشيطان نأياً عن لعن غيره، مع أنك لست بحاجة للعن (نص) هابط وهنا يجوز أن نطلق مفردة نص إذا كان معنى اللعن الطرد والإبعاد، فنصوص كهذه مطرودة مبعدة بالضرورة عن حقول الإبداع.
لقد جذبتي القصة من بدايتها جذباً، وفتحت لي الباب بابتسامة وترحيب عربي أصيل، وأشارت لي بالجلوس في صدر الديوان، وقدمت لي شاياً بالنعناع، بعد أن خيرتني بين عدة صنوف من الخضرة اليانعة العطرة. لقد كتبت أعلى (خط البلدة) إشارة تفيد بأنها: قصة قصيرة، وهي كذلك، ولم يكتب والحمد لله (نص) لندخل في متاهات تزيد في غربتنا ونحن نعيش التيه الأعظم.. وأنا، واغفروا لي تخلفي وقلة إدراكي، أحب أن يُكتب على القصة قصة قصيرة، وعلى القصيدة قصيدة أو شعر، وأن نترك النص لأصحاب النصوص المفتوحة أو المجروحة أو المطروحة دونما وعي أو هوية، أو عن تعمد وقصد، والله أعلم بالقصد. وخالد الصامطي إضافة إلى لغته العربية الجميلة، هو في الأشهر الأخيرة من دراسته الجامعية للعبرية في جامعة الملك سعود..
نحن إذاً أمام عربيةٍ وعبريةٍ وشابٍ بمواهب متعددة منها الصحافة، والتصوير، والكمبيوتر، والموسيقى. شاب بإيقاع، وإيقاعاته مرتبطة بالواقع. لذلك جاءت قصصه مرتبطة بالواقع، مرتبطة ببيئته الجنوبية – وهو الجنوبي- بذاته وأسرته ومحيطه. وما يميزه أنه لا يقلد الواقع، بل يستحثه هذا الواقع على التغيير، والنقش المميز، هي حفريات في جدار الواقع، فقصته خط البلدة تستصرخ ضمائرهم وضمائرنا المسترخية عند إشارات المرور كل حين. ويعجبني في قصص خالد حضور الناس والقرى والمدن، حضور الكائنات، وحضور الألم والحزن والأمل والفأل، وحضور اللغة التي تهشمت لدى السواد الأعظم من كتاب القصة أو من يدعون كتابتها وهي منهم براء.
وهنا يهمني أن أشير بأن هذه الكتابة الصغيرة الحجم ليست مديحاً مفرطاً لخالد، ولا هي للرد على من يقول بأنني أصطفي المبدعات أكثر من المبدعين، ولا هي للرد على من يعتبر أن هذه الكتابات غير مجدية وأنها مجاملة للمقربين من الأصدقاء.
هذه الكتابة وغيرها مثلها احتفاء من القلب بكل جمال، وتعبير عن مكنون حب لكل من يحاول أن يسلك هذا الطريق الصعب، طريق الإبداع، وزاده العناد في واقع صعب، وهدفه الناس والجمال.
هذه المساحة ومساحات قبلها وبعدها ليست ملكاً خاصاً لي، بل هي لكم جميعاً.. للناس جميعاً.
إنها التفاتة محبة، ومثال للجمال، وعلى الجمال.
mjharbi@hotmail.com

Be Sociable, Share!
Comments are closed
*