ToGoTea

الأرشيف

سألني فيليبي في مكالمة طارئة عمّا يجدر به أن يفعل، وصوته يهتزّ بين ذاكرة طفولته التعيسة في البرازيل وحياة جديدة تتشكل بأحشاء صديقته.

– الأمر عائدٌ إليك، لا أعرف، هل تشعر أنك مستعدٌ لأن تكون أبًا؟

أجبته وصوتي يهتزّ بين دافعين متضادين: فزعة لصديق، وعدم القدرة على الإجابة في مواقف مشابهة، وقليلة هي المواقف المشابهة، ربما هو موقف مشابه واحد فقط: أن يشاورك صديق في مسألة حمل صديقته.

– لا أعرف.

أجابني وهو يستجدي حلاً آخر غير الأسئلة التي تبادلناها ككرة تنس في تلك المحادثة المربكة.

عندما تقرر البقاء في شيكاگو تعاملك بكرم، توفر لك الأصدقاء المقربين، ومفاجآت الفصول الأربعة، شوارع مخططة كما تشتهيها الذاكرة، وعمائر تفنن بنّاؤوها في تشييدها بعد أن احترقت شيكاگو في القرن التاسع عشر، خوّلتها لأن تكون عاصمة الهندسة المعمارية في العالم، حارات صغيرة يتحاور الشباب على ناصيات طرقها بالراب، وأخرى هادئة يعزف المتشردون على أرصفتها الساكسفون، مجانين في الباصات يتحدثون مع أيديهم، وشعراء يمثلون قصائدهم كمسرحية، مدينة ممتلئة بالملحميات. تباين ثقافي هائل، مطاعم مطابخها تمتلئ بأطباق من العالم أجمع، تجد كل ما ترغب في أكله، حتى اللحوح والدجرة أكلتهما في مطعمٍ أثيوبي هنا.

ثم عندما تنوي مغادرتها لمدةٍ لا تجيد عدّها ولا تستطيع التصريح بها ولو حاولت، يكفي أن تنوي ذلك، تتفهم شيكاگو رغباتك، تبدأ بسحب شرائح العرض بخفةٍ من أمامك، تفرغ المكان لك بالتدريج كي تساعدك على الرحيل، تسهّل عليك عملية نسيانها، لأن نسيانها سيسعدك في أي مكانٍ جديدٍ تختار، لأنك عندما تكون هناك ستعيش المكان في لحظته، وتبقي الماضي في درجٍ بعيد في الذاكرة، لا تحتاج أن تتذكره إلاّ عندما يهاتفك صديق، أو يجري طفل بطائرة ورقية من أمامك. شيكاگو تهتم بك وأنت بها، وتجهّزك لما بعدها.

يحادثني الأصدقاء، يخبرني بعضهم أنهم سيغادرون، ويخبرني آخرون أنهم غادروا. بيانكا سافرت إلى لندن منذ سبعة أشهر لتدرس الماجستير، ونواه في نيويورك منذ عام يدير مؤسسة إنتاج بدأها، فانيسا خُطبت وستتزوّج بعد أن تنهي دراستها العليا. أما فيليبي فيسكن مؤخرًا مع صديقته التي تعمل كخيميائية في معمل لتحليل الأدلة الجنائية. مؤخرًا لم أعد أشاهده كثيرًا، أخذته الحياة شبه الزوجية، بعد أن تركنا العزبة التي تشاركنا بها لعام عندما وصلت إلى شيكاگو.

هكذا تتفرق الصور، وتتبقى صور أخرى، تربطك بالمكان إلى اللحظة الأخيرة. كأصدقاء أيام الثلاثاء، نلعب البلياردو، وبين كل فوزٍ وهزيمة ندخن السجائر في الخارج ونتحدث عن مباريات البولز أو البلاك هوكس، عن خيول رجال الشرطة، وعن مدى مناسبة الجو لقيادة دراجة هذا الأسبوع.

ماذا تعلمت خلال الما يقارب أربع سنوات في شيكاگو؟ وهل أستطيع أن أقول أن ما تعلمته (هنا) صالح للحياة خارج (هنا)؟ على الحياة أن تقدّر أينما كانت، بأشيائها ولحظاتها التي نتجاهلها، صور المدن المهملة خلف زجاج نوافذكم أينما كنتم، تلك النوافذ التي تشكل لوحات فنية حيةً في بيوتكم، ترسم لكم الحارة لحظة الغروب، والحمام ينهي أخر دورةٍ له في سمائها، وأصوات العربات في الشارع وصياح الأطفال يأتي من بعيد، وعندما تفتحون تلك النوافذ تعلو أصوات الأطفال، وترقص الستائر مهدهدةً خدودكم، وتجتهد الحياة محاولةً لفت انتباهكم، لكنكم تبتعدون عن الشارع، عن النافذة، وتفكرون بحياةٍ أخرى، وتنسون حياتكم.

لقد تعلمتُ هنا أن أنصت إلى المكان، لأنني أكتشف الآن، وأنا أنصت لشيكاغو، أنها ليست سوى إناء آخر، كما هي العريجاء والشميسي، وكما هي جدة، وكما هي الطرشية، حواري وقرىً ومدن وأماكن وأماكن.

سأحيا تعيسًا إذا ما أسرفت الحديث في جلسات الأصدقاء عما يجري في اللامكان، في الإنترنت، عما كتبه الآخرون، أو ما قرأته مؤخرًا، أو شخصية رواية أو فيلم أعجبت بها. سأمرض حينها، سأحتاج لأن أتعالج من العيش بين الأوراق أو أمام شاشة، سأفتقد الناس الذين يسيرون في الخارج على الأرصفة، سأحتاج لأن أتمكن مجددًا من تقدير الحياة خارج الأسوار بنزقها، الناس في الجوار والمكان وما به هو الحقيقة، كل شيء آخر خيال لا يمكن أن يبعث على الرضا وإن تحقق.

أعجبتني مقولة للكاتب ضيف فهد في حوارٍ معه حيث قال أن الرواية يكتبها البلداء وأن “كاتب الرواية يحتاج لجلسات طويلة حتى ينجز رواية، كتابة الرواية أعتبرها للكهول، فأنا أستغرب من الشباب الذين يكتبون رواية ففي الحياة أشياء كثيرة أستمتع بها بدل أن أضيع الوقت في كتابة رواية.”

كيف تعطينا الحياة نصيبنا منها إذا لم نبنِ تفاصيلها، إذا لم نحدّث حالتنا معها كل خمس دقائق تمامًا كما يفعل البعض على الفيسبوك؟ كي تسعد تحتاج لأن يكون حضورك حقيقيًا، لا أن تصور نفسك وحيدًا بيدك اليمنى وتضع اليسرى على خدّك، لتعرضها على صفحة ويب، لم يفتقدك أحد هناك على فكرة! أين هم من يفتقدونك؟ قد يقصف برقٌ برج الاتصالات، يختفي ذلك العالم وتكتشف أنّك وحيد.

– أنت تتحدث ثلاث لغات، ولديك خبرة في الحسابات، لماذا لا تعود إلى البرازيل، تعمل في بلدك لفترة، وترجع إلى أمريكا عندما تتحسن أمورك؟

اقترحتُ عليه ذلك بعد يومين حيث أخبرني أنه كان حملاً كاذبًا، وأنهما يفكران بالانفصال، وأنه قلق بخصوص وضعه القانوني في البلد وعدم قدرته على تجديد الفيزا أو الحصول على بعثة في جامعة حيث يتمكن من إكمال دراسته بالمجان.

– ليس لدي شيء لأعود إليه، لا أحد يفتقدني هناك.

قال ذلك، وتركني أتساءل: ما العودة؟

العودة، فكرة خادعة. متى نستطيع أن نستخدم فعل العودة عند الحديث عن ذواتنا؟

هل البدء من النقطة (أ) والانتهاء في النقطة (ب) يمكننا من ذلك؟ أي هل تستطيع أن تقول أنك “عائد” عند السير من (ب) إلى (أ)؟ ماذا لو شعرتَ أنّ وجودك السابق في (أ) مجرّد تجهيز للوصول إلى (ب) حيث بدأت ووجدتَ نفسك. ثم عندما تذهب إلى (أ) أنت في الأساس لا تعود، بل تغادر (ب) حيث تظل طوال عمرك تفكر بالعودة.

إلى أي الاتجاهين نعود؟ ومن أخدع عندما أقول أن شيكاگو مجرّد إناء؟ أخدع نفسي قبل أن أخدعكم. عذرًا، فأنا أعدّ أيامي الأخيرة هنا، وأحاول التصالح مع الفكرة، أحسب عدد الذين أفتقدهم ويفتقدوني هنا وهناك، وإلى اللحظة لا أدري في طريقي إلى أيّ الاتجاهين أستطيع أن أقول أنني عائد؟

 

Be Sociable, Share!

4 تعليق على الحبق الحافي (19)

  • متابع بصمت says:

    هي اقدار تجبرك على العوده من حيث اتيت

    ليس لجمالية المكان فضلاً على بقائك فيه بقدر ماهم الاشخاص المفتقدين

    صحيح ان مبدأ “الفراق” صعب ولكننا نخضع لـ”الاقدار” التي كتبت لنا حتى من قبل ان تعرف “شيكاگو”

    فـل تحيي لـشيكاگو من ذاكرتك جزءاً لجمالية من فيها وصداقتهم فالكل مرغم على العودة التي لانعلم من اين تبدأ ولا لاين ستنتهي حتى وان حصرناها بنقطتي الـ “أ” و الـ “ب”

    عد الى وطنك سريعا فبها من راوده الشوق اليك

    تحيتي لجمالية ماتطرحه

    • متابع بصمت، أشكرك على متابعتك وليس صمتك، لأنك عندما خرقته كتبت تعقيبك المحفّز. نحن نخسر القدرة على استخدام البوصلة عندما نجزّء حيواتنا في عدّة اتجاهات وامكنة، نكتشف في النهاية أننا تعلمنا الكثير، وجرّبنا الكثير، وسعدنا كثيرًا، ولكننا أبدًا لن نتمكن من تحديد الوجهة.

      شكرًا جزيلاً لك من كلّ الاتجاهات.

  • أتفهم تماماً ما تشعر به. هنا للحروف مذاق الحزن الذي يكسو الحيرة. ثمة قرارات يُلزم بها الفرد ويجد رغم ذلك صعوبة في اتخاذها، أو بالأحرى الرضوخ لحتميتها.

    أتمنى أن تجد ضالتك أينما كانت، وبانتظار الحبق القادم الذي سيخبرنا عن رصيفك التالي والذي آمل أن يكون باعثاً للرضى والتفاؤل لك أنت أولاً وأخيراً..

    • جاردي، مريح أن تفضفض، أن تتحدث حائرًا غير منتظرٍ إجابة، والأكثر راحة والباعث على الإطمئنان والثقة، هو أن يهزّ صديقٌ رأسه ويقول: أتفهم تمامًا ما تشعر به وأثق بقدرتك على حلّ قضيتك.
      محظوظ أنا بأصدقاء لديهم قدرة هائلة على تحمّل هرائي.. فشكرًا لك كونك أحدهم..

      ممتنّ 🙂

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *