ToGoTea

الأرشيف

 

ترحيب متأخر بعبد العزيز

كان في مكان ذلك الباب الذي يخيفك يا عبد العزيز جدارٌ يفصل بين بيتنا وما يقارب الثلاثة عقودٍ من تاريخ منطقة وشعوب، ولأجل التاريخ يُفزعك الباب، فتاريخنا حزين يا ولد أخوي.

أذكرُ، يا سيّد عزيز، وعمري سبع سنواتٍ عندما كنت أجلس على ذلك الجدار الفاصل بين حوشي الشقتين، ويدخل حاملاً كومبرسور عاطل وكرتون طماطم مثلاً، يضع العدّة على طرف حوض الشجر جوار دينامو الماء، وأفاجئه بصوتٍ حاد: عمّ محمد نجحت، فيعطيني عشرة، أمسك بهدية النجاح، وأفكر: عندما أكبر سأعمل ميكانيكي.

العم محمد هو أبو هناء ومنى وعبد الجليل، آخر مرةٍ شاهدتُ فيها عبد الجليل كان في عمرك. والده يمني الجنسية كان يعمل في السعودية منذ بداية السبعينات وخلال عشر سنوات أصبح مالكًا لورشتين على شارع أجياد. كان يستأجر، هو وعائلته، الدور الأرضي من بيتنا منذ أن انتقلنا إليه في منتصف الثمانينات. أذكرهُ جيدًا، حملت ملامحه بعضًا من تفاصيل الممثل المصري يحيى الفخراني بعينٍ أفتحُ لونًا من الأخرى، أذكرهُ يمدُ العشرة ريال وتخرج هناء تبعًا للأصوات في الحوش، ثم يدخلان وأبقى أنا سعيدًا على الجدار، كخيّالٍ حافي القدمين على حصانٍ يفصلُ بين حوشين.

ما هي إلا بضعُ سنوات يا عزيز حتى جاءت حربُ الخليج. ووجدَ العمّ محمد نفسهُ منبوذًا، ولا تسألني لماذا، فلم أكن بعد أفهم في السياسة، ما فهمته هو أنه كان يشعر بالغربة، فغادر. لقد حاول والدي إقناعه بالبقاء جاهدًا، ولكنهم أخذوا حقائبهم وخرجوا، وحصاني جامدٌ في مكانهِ لا يتحرّك.

بدأت حرب الخليج وخليت الشقة، كنّا نجتمع في صالتنا وصافرة الإنذار تهزّ الهواء والقلوب والجدران، في مدينةٍ صامتةٍ إلا من صافرة إنذار، والتلفاز يخبرنا بأن نختبئ وأن ثم خطرٌ في الفضاء، وكمامات  تُركب فيها فلاتر بشكل عبوات جبنة كرافت، تتحلّق الكمامات على وجوهنا جبرًا، ننظر لبعضنا من خلال درابيل، ننظر إلى النوافذ المغطاة بالشرائط اللاصقة، ننتظر، ولا شيء يحصل، وفي مرةٍ أخرى قد تهتزّ العمارة، فنصمت، ثم لا شيء يحصل. وهكذا حتى اعتدنا على سماع قصص صواريخ سكود وباتريوت في الشارع، وبين الكبار، وصار الكاريكاتوريون يستخدمونها في رسومات الصحف، وأصبحنا نصعد مع عمي ووالدي، أقصد جدّك وجدّك، فوق السطح لنشاهد بطلي الحرب، يتقابلان في الفضاء وينفجران، كالألعاب النارية.

وفي صباح يومٍ من تلك الأجازة التي امتدت لأمد، قرع الباب رجلٌ أربعيني، فتحتُ الباب فأخبرني أنه أبو سعد، وأنه يرغب برؤية والدي. تخيّل يا عبد العزيز، بعد ذلك بأسبوع، كانت شقة العم محمد مسكونة من قبل عائلة أبو سعد وأبنائه. كانوا قد شردوا بسيارتهم الكابريس بعد دخول جيش صدام إلى الكويت، وعندما وصلوا إلى الرياض، سكنوا في مدرسة، ثم جاؤوا وحلّوا في الجهة الأخرى من الجدار، ولم أتجرأ بتسلقه، فلأبي سعد فتيات أحرج من مواجهتنّ، لقد كانتا غريبتا الأطوار، بالإضافة إلى فارق السنّ، كنّ أكبر، ولم أكن بعد قد تعلقت بالقراءة كي أتعرف على ستيفن فيزيتشيي و”في مديح النساء الأكبر سنًا”، كن ينادين القطط الجائعة التي تمشي على سورنا بـ “هيييه.. بوسي.. بوسي.. بوسي” ههه أذكر أنني أخبرتُ أخي سلمان، أعني والدك، بأن عيال أبو سعد يتحدثون كأفلام الكرتون!.

ثم مرت الشهور، وغادروا، عادوا إلى بلدٍ يستطيعون فيه أن يقرروا، ورغم أنه أمرٌ سياسي، وكان من الممكن ألاّ أفهمه، لكنني تعلمت فهم السياسة بعد أن غابت هناء ومنى، السياسة هي أن تقرر من يرحل ومن يبقى خلف الجدار. ربما هناء ومنى متزوجتان، ربما لدى إحداهنّ طفلٌ يجلس الآن على جدار في قريةٍ ما، يبحث عن مدرسة أو عن عمٍّ يدخل من الباب بعشرة ريالات.

وفرغت الشقة لفترة، ثم سُكنت، ثم فرغت، ثم سكنها أخيرًا والدك، وهدّ جدّك الجدار القديم، وفي مكانه نبت الملحق وخرج الباب الذي يخيفك، ومن تلك الشقة التي سكنها تاريخ خرجتَ أنت يا عبد العزيز، وجئت مع الفرح للعالم حينما علا صوت الشعوب، فمرحبًا بك.

Be Sociable, Share!

8 تعليق على الحبق الحافي (18)

  • ghazi says:

    <===== الله ياخالد رجعتنا 20 سنه واكثر ……..

    اتوقع ان اسماء اولاد ابو سعد
    سعد طبعا وعبدالله وعذبي .

  • هنا يبدولي أن الأبواب تتكلم، وكذا الجدران.. ولو أن لها ذاكرة تنطق لـحكت الكثير
    الجميل والطريف في الأمر أننا نستمع إليك حتى النهاية دون أن نشك للحظة باحتمال الخيبة، دون أن نتساءل بالحاح عن سر الباب وخوف عبدالعزيز.. النهاية جميلة كما هي البدايات التي تصنعها بمهارة ^_^

    بالمناسبة أيضاً، مبروك الشكل الجديد لرصيفك

    كن بخير،

  • غازي، شكرًا يا حبيب قلبي ذكرتني 🙂

  • جاردي، شكرًا ع الإطراء، وجميل إنو أعجبك المكان الجديد..
    تعلمين أنني أفرح بوجودك. ممتن.

  • جميل جدا طريقتك في تسلسل حكايتك وسردهابطريقه ممتعه للغايه

    لاتحسس القارئ بالملل والكابه وانماتزيده شوقاوالانسجام بين اسطرها..

    فكانت البدايه والنهايه ع درجة واحده من الجمال ..

    تحيات:المتابعه لك دوما…

    تقبل مروري البسيط

  • ملاك الروح، ليس مرورًا بسيطًا أبدًا، العبور على هذا الرصيف لا يمكن أن يكون هامشيًا، مهمّ ومؤثر كبلاطات المكان. العابرون هنا تهتم بهم الذاكرة ويبقى أثر خطواتهم ما بقي الرصيف، فشكرًا لك.

  • أحب هذا السرد لدرجة بات الرصيف من أولوياتي ..

    حين قررت إدراج قائمة بالمدونات التي أتابعها في مدونتي ..

    كانت (( رصيف )) أول خياراتي ثم انضمت لها ثلة من المدونات ..

    أحب سردك و خاصة عندما تمزجه بعلاقاتك مع (( اليمنيين ))

    ثمة هاجس يعيدني لذكريات قديمة ..

    حينما كنت أركض ( هناك ) في بيت جدي ..

    و اليوم باتت الغربة وطنا ..

    حتى أنني أنسى أنني ( يمنية )

    لم أزرها منذ مدة ..

    لكن ( رصيف ) أعادها للذاكرة عدة مرات ..

    و كان لا بد من البوح هنا !!

    سررت بالمرور ..

  • عبير، أصدقاء طفولة، وأصدقاء حارة، وأصدقاء عمر من اليمن، أحبهم وأحب الثقافة والموسيقى اليمنية، وأحب شهامتهم وصدقهم.. يسعدني معرفة أنك من تلك الأرض، ولأنكِ هنا..
    تشرفت بكِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *