ToGoTea

الأرشيف

 behindglass

لا أدري لماذا ركبتُ أوتوبيس “خطّ البلدة” في هذهِ الليلةِ التعيسةِ الأخرى، ولا أدري أيضاً إلى أيّ مكانٍ سأنتهي. ما أعرفهُ أنني فرحتُ بعد أن هبط إلى “الشميسي” ذلك الراكب الذي خنقني برائحتهِ النتنة، أستطيعُ أن أستنشقَ بؤسي الآن بألمٍ عميق دونَ أدنى مُعكِّر.

في كلِّ يوم أستيقظُ باكراً، بعدَ النُباح مُباشرة، وقبلَ صِياح الديكِ بفترةٍ قصيرة. بالتحديد أستيقظُ عندما يصفعني والدي أو يتقيأ على جسدي النحيل ماءً كان يتمضمضُ بهِ جوار الصنبور المنخفض، وفي كلّ يومٍ أيضاً يبدأ بتوزيعِ تعليماتهِ ووصاياه على مسمعي ومسامعِ والدتي وأخوتي، والدي الذي سقطَ مغشياً عليهِ قبل عشر سنوات، ثم استيقظَ مشلولاً، ليعلنَ حنقهُ على كلّ شيء، ويسنّ قوانينهُ الجديدة، ويعطي دوراً لكلِّ فردٍ في العائلة.

دائماً ما أكون أوّلَ الخارجين من بيتنا المتهالك، وكأنني أستعجلُ الهربَ إلى جحيمي، الجحيم الأخفُّ وطأةً من البقاء في البيت، أهيمُ على سحنتي، أجدلُ خيوطَ الشمسِ الأولى وأشكالَ الصبيةِ السُعداء الذاهبين إلى المدارس، أجدلُ الأرصفة وأوراقَ الشجرِ وعُمّال النظافةَ البطيئين، بنظراتي أجدلُ كلَّ شيءٍ وأنا سائرٌ إلى مكانٍ يختلفُ عن مكانِ الأمس، يجب أن يختلف، وإلاّ سيغضبُ منّي والدي، ويجب أيضاً.. ألاّ يغضب!

أصلُ إلى موقعي، أقفُ بيأسي، أقفُ بعذاباتي جميعاً، تحتَ صخبِ الأبواق، وتحت دهشةِ المدينةِ المستيقظة للتوّ، ونظراتِ المستحقرين، أولئك الذين يرمقونني من خلفِ زجاجِ سياراتِهم، وكأنني أخطو على أنوفهم. أستهلُّ دوري دون رغبة، أقتربُ من أحدهم فيتجاهلني، أتثاقلُ سائراً إلى آخر، فيبصقُ نظرةً كاسرة، أتخطّاهُ، وتختلطُ الوجوه. أعرفُ تفاصيلها تماماً، دلالاتها، التقاطيع المُبشّرة والأخرى الفارغة، من الوجوه أستطيعُ تحديدَ مدى الرحمة والرفاهية والسهر والعجلة، حتى أنني أستطيعُ التنبؤ إذا ما كان الشخصُ قد تخاصمَ مع زوجته قبل أن يغادر إلى عملهِ أو لا. حركةُ الحاجبِ الواحد: تَعَجُّب، وانقباضُ الفمّ: امتعاض، انخفاضُ الأنفِ: تأفف، وأغلبها تعني: “أنْ لا تقترب أكثر” أعرفُ الكثير من صفعاتِ الملامح.

يمرُّ الوقتُ بطيئاً وترتفعُ الشمسُ متعريةً تماماً، فتعرّي النفوس، أمسحُ عرقي بأكمامي المتّسخة، أضعُ يدي على جيبي لأبقى متحسساً خيبتي وأنا أتنقل بين المركبات أستنشقُ كربون العادمات، وصدَّ العابرين. كلُّ الأشياء تلفظني؛ الشمس، الإسفلت، السيارات، النظرات، نادراً ما يحتويني صوتُ امرأةٍ عطوف من سيارةِ أجرة، أو وجهُ طفلٍ في مقعدٍ خلفي، فأنكفئ بينَ حاجبيهِ المائلين كرقم ثمانيةٍ مقطوع الزاوية، أستظلُّ قليلاً من وهجِ نبذهم وبقيةِ الحواجب، لا يهمُّ إن انتهيتُ فائزاً بورقةٍ نقديّةٍ يتفضلُ بها والده، أو بمجردِّ الهدهدة على حزني بـ “الله يعطينا ويعطيك” تأتي مكررةً ورتيبة من فمِ سائقٍ اعتاد قولها، ولا يُهمُّ أيضاً إن عُدتُ ليلاً بـ غَلّةٍ شحيحةٍ إلى أبي الفقير الحانق على كلّ شيء، ما يهم قولهُ الآن أنني شخصٌ بائسٌ جداً.

عندما أتعب, أجلسُ بجوار الإشارة، أمعنُ النظر في الأشياء، الشحاذين عندَ الإشارات الأخرى، الطائرات التي لا أعرفُ كيف تبدو من الداخل، بلاهة سائقي الأجرة، البُصاق، أقرأ لوحات السيارات، والمحال، وأقرأ أوراق الصحف والفواتير وكلّ ورقةٍ تأتي بها رياحُ السموم الجافّة، أفرحُ عندما أتذكرُ أنني أقرأ، وأحزنُ على حال أخويَّ اللذَين لم يتمكنّا من الدراسة، لأن العدّ كما قال لهم والدي -مُبرراً عدم قُبولهم- لا يحتاجُ إلى دراسة وهما لا يحتاجان لغير العدّ.

أشتتُ الوقتَ بحركاتٍ بلْهاء ونظراتٍ أشدُّ بلاهةً، أتمعّنُ في يافطات الإعلان، صور لأشخاصٍ يضحكون، أجهزة غريبة، مأكولاتٍ لم أرَ مثلها على الطبيعة، أتخيلني آكلها، فيتلاشى الخيال عندما تؤلمني إصبعي بعد قرضٍ متواصلٍ لظفري.

حياةٌ كئيبةٌ، تتشابهُ أيامها في مدينةٍ أشدّ كآبةً ورتابةً، يتشابهُ كلّ شيءٍ فيها ويتناقضُ بذاتِ الوقت، شوارعها، أناسها، طقسها، تخبئ في رحمها مولوداً مُشوهاً. مدينةٌ مُخادعة، كبضاعةِ بائعِ الخضار المغشوشة، ثمراتهُ المستويةُ والممتلئة تغطّي الفاسدَ منها والعفِن، هكذا هي الرياض، دسّت خلف بُهرجها فقراً مُدقعاً، بيوتاً لا تفرح، وأشخاصاً قدِموا إليها منذُ زمنٍ وعفّروا وجوههم في رمالها، ساعدوا في بنائها، وغاب عنهم آنذاك أن يرمموا بيوتهم.. كما غاب ذلك عن والدي. وجدتُ نفسي بها على الهامش، كالريال المعدني تبقى قيمتهُ لكن الجميع لا يستخدمهُ ولا يريده، حتّى أصحاب الدكاكين أمسوا يرفضون التعامل به. ولدتُ هنا، وأجزمُ بانتمائي لهذهِ الصحراء مُتجاهلاً قولَ أبي بأننا من بلدٍ آخر، مُتناسياً عدم قُبولي في الثانوية، ومتجنباً عيونَ أفرادِ “الجوازات”. فهذا الجدب بي، وبحياتي، وهذا البؤس، لا يصلحُ أن ينتمي أبداً إلاّ لهذهِ الصحراء.

في فترةِ الظُهر والعصر الطويلة، أواصلُ دوري مُترنحاً بإجهاد، فألجأ بين الحين والآخر إلى ظلالِ أشجارِ الطُرق، أحواضِ نخيل الأرصفة، أُلهي ذاتي عن الأكل بجمع الخنافس وقتل النمل، أختبئ من سخطِ السماء والأرض ومن عليها، من الشرطة، من سيارات الهيئةِ بأوقاتِ الصلاة، فلا أصلي لأن المساجد منطقةُ عملٍ مختصةٍ بوالدتي وأخويَّ الصغيرين، هكذا أبررُ لذاتي.

أفكرُ أحياناً بأن أحبّ فتاةً ما، أيّ فتاةٍ تنظر إليَّ بغرابة، أيّ فتاةٍ بإحدى السيارات العابرة، أريدُ أن أصنع نتوءاً في حياتي، شيئاً ما يجعلها مختلفة، أريد أن أجرّب الحُب، وأن أكتب رسالةً تحتَ ظلِّ نخلة، وأسقطها بداخلِ باصٍ متهالكٍ مفتوحُ النوافذ لجامعة عليشة، حيثُ ستدرس، أو بداخلِ أي مركبةِ ستستقلّها. لكني سرعان ما أعترفُ بسخفِ الفكرة وغبائي، ثم أقرعُ زجاجةَ أقرب سيارةٍ وأدعو لمن فيها بالتوفيق وكثرة المال.

إذا خيّم الليل، تخلعُ هذهِ الغانيةُ رداءها، وتمتلئ انثناءات جسدِها الغضّ بغرائزِ الشباب. تزدحم، تفيضُ الشوارع بالسيارات، وكأنَّهم جميعاً ذاهبون إلى مكانٍ واحد، وكأنَّهم يتسابقون، وكأنَّ الليل يتربّصُ بهم. أنا على يقينٍ من أنَّ نصفهم لا يدري أيَّ اتجاهٍ يسلك، وإلى أين يذهب! تنبعثُ الموسيقى الصاخبة من عرباتٍ فارهة، ومن نوافذِها تُغادرُ أيضاً أيادٍ نظيفةٍ بأوراقَ صغيرةٍ تحملُ أرقامَ هواتفٍ وقصصاً لم تُحكى بعد، قصص رغباتٍ مغيّبة. أخافُ هذا الوقت، وأخافُ منهم، وكلّ شيء. لا أنسى الأربعةَ الذين غادروني مضرّجاً بدموعي على الرصيف في ليلةِ فوزِ المنتخب بعد أن أخذوا حفنةَ الريالات منّي ربطوني بعلمٍ أحمرٍ ثم ضربوني. ولا أنسى أصحابَ الدباباتِ المزعجة، عندما طاردني أحدهم وأصطدمَ بي لأسقط، وبدأ باستعراضِ قوّةِ ركلاتهِ أمام أصدقائه، دون سبب، ركلني في بطني وعلى وجهي، ركلني كثيراً، ثمّ امتطوا دباباتهم ورحلوا، لا أنسى هاتين الليلتين، فقط، لأنني عندما عُدتُ إلى البيت في المرتين كنتُ أرى دموع والدي. والدي الحانق على كلّ شيء.

أنهي يومي بالهرب، كما قضيتهُ كاملاً بالهرب. أنهيهِ هارباً من بكاء أخي ومن حزن والدتي، هارباً من صوتِ والدي وأسئلتهِ بعد أن أعطيهِ ما معي، متدثّراً بغطائي القديم، كـ قِدمِ الفقر في العالم، متجاهلاً صورَ اليومِ الحافل، ومشاهدَ غرست سكاكينها في القلب، في لب مشاعري، أدثّر كلّ شيءٍ بي وأهربُ بشوقٍ إلى أحلامي الكثيرة، أحلامي التي لا أدري.. في أيّ مكانٍ ستنتهي..

لم يبق في الأتوبيس سوى أربعة أشخاصٍ والسائق، وأنا. تذكرتُ الآن أنني أجهلُ تاريخَ اليوم، وأجهلُ الساعة بالضبط، كي أوقّع في نهايةِ هذهِ الورقة كما رأيتُ الكُتّاب الكبار يفعلون في بعض أوراقٍ متهالكة قرأتُها على أرصفةٍ مُتفرّقة. لن أفعل مثلهم فلستُ سوى بائسٍ كبير، أركبُ أوتوبيس “خطّ البلدة”، ولا أدري أين سينتهي، ما أعرفهُ جيداً أنني وجدتُ قلماً وورقةً بيضاء، نسيها أحد الركّاب على المقعد، فأخذتُ أزفرُ بؤسي بألمٍ عميق دون أدنى مُعكّر.

تمّت في 19 يونيو 2005

Be Sociable, Share!

13 تعليق على خطّ البلدة لا ينتهي

  • Gardenia - N says:

    فنان يا خالد ..
    رغم أني استمعت بكل ما خططته هنا ..
    إلا أني غرقتُ في هذه .. أظنني جبتُ الحواري عبر الأحرف والأرصفة المهجورة إلا من الفقراء .. وكدتُ ألتقط فتات الخبز من الشوارع لالتهامها وربما أمدّ يدي وأدعو .. وأنا أنظر إلى السيارات الفارهة بنقم/ بحقد / بحسد .. لا يهم
    المهم أنك متميّز جداً يا خالد .. هنا

  • Khalid Samti says:

    Gardenia – N
    شكراً جزيلاً على تعقيبكِ الجميل والإطراء، سعيد أن تركت لديك هذه القصّة انطباعاً مختلفاً، مهما كان كنهه، المهم أنها لامستك.
    مبهجٌ حضوركِ وتفاعلكِ.
    أشكركِ مرّةً أخرى. ولكِ خالص الودّ والتقدير.

  • pastel says:

    قرأتها من قبل ، و أقرأها الآن ..

    متميزه جداً ..أسلوبك القصصي راق ، متقن ..

    شكراً لك ، ودمت مبدعاً 🙂 ..

  • Khalid Samti says:

    pastel
    ممتنٌ أنا لأجل القراءتين، وسعيد أن استطعتُ إرضاء ذائقتك. والشكر لكِ على وجودكِ وتفاعلكِ والإطراء
    فائق الاحترام والتقدير.

  • Manar Abdullah says:

    الشاب المبدع خالد الصامطي،،،يعجبني تخيرك لألفاظك المنسجم تماما للمعنى أو المغزى العام،،والقصة شيقة جدا و رائعة،،جعلتني أتعاطف بشكل كبير مع البطل،وإن كنت لن أتعاطف معه -أو من يمثلهم من المتسولين-في الحياة الواقعية،فهل ستفعل الشيء ذاته أيضا…وهل ترحب باقتراحي بأن يكون إكمال هذه القصة أن البطل قرر التشمير عن ساعديه والبحث عن فرص عمل و إكمال دراسته أيضا…أأسف على تطفلي ولكني أكره النهايات المأساوية وإن كانت تحكي الواقع،فما رأيك بإعطائنا بصيص أمل في قصصك القادمة…
    و دمت بود.

  • بداية خط البلدة
    عالق برأسي يا خالد !
    عندما أقرأ هذا العنوان
    أبدأ بسرده !

    ,
    ميّادة

  • جلنار says:

    هذا أنت !!!

    مدهش يا خالد ,

    قرأتها في المغزل , ونقلتها بدفتر مذكراتي , وقرأتها هنا , وسأقرأها كثيرا ً !

  • Khalid Samti says:

    منار عبدالله
    أشكركِ أولاً على تعقيبك والإطراء. لكنني بالفعل لا أحب النهايات بشكلٍ عام. الأشياء لا تنتهي، يستمر تأثيرها وإن انتهت. وبالأخص. لا أحب النهايات السعيدة، لا أحب أن أوجه رسالة، لا أحب الرسائل. الرسائل ليست جيدة. أحب أن أكتب قصة، أعني أحب شيئاً وأترك للقارئ أن يقرر نهايته التي يريد، وفي حالتك، لكِ أن تتخيلي البطل يفعل ما أردتِ، لكِ أن تجعليه يحظى على الجنسية و أن يكمل تعليمه ويتزوج ويرزق بتوأم جميل، ولكِ أن تختاري مسمياتهم إن شئتِ. هذه هي لذة النهايات المفتوحة للقصص، أعني بالنسبة لي كقارئ.
    شكرًا مرةً اخرى.

    العرّابة
    أو ميّادة. هو عالقٌ برأسي أيضًا، هذه القصة، لها قصة.
    لذلك هي إحدى القصص التي تعني لي الكثير.
    أشكركِ سيّدتي.

    جلنار
    نعم أنا للأسف 🙂
    ممتنّ جدًا، تشرفت بأن نالت القصة مكانًا في مذكراتك.
    وأتشرف بأن تقرأيها، وأن تقرأيها كثيرًا.
    الودّ.

  • ألق says:

    سيرٌ رويداً رويداً .. نحو حقيقةٌ تنبثق على نهاية الخيط
    ذائقةٌ على قمة الجبل تلوِّحُ لنا أن نفهم المغزى ..
    جُزيت خيراً خالد !

  • Pingback: .. ومآرب أخرى » احتمال وارد

  • Nava Yousef says:

    ربما هذه المره الخامسه التي أقرأها, ولا أدري لماذا لم يصبني الملل ..؟
    حقاً أنت جميل الحرف يَ خالد (F)

  • Khalid Samti says:

    ألق شكرًا على التعقيب الذي نسيت الرد عليه لعامين ونصف.. شكرًا جزيلاً وعذراً على التأخير، بخجل أقولها.

  • Khalid Samti says:

    Nava Yousef
    لأن الطيب لا يمل العطف على المساكين أمثال بطل النص، وأنتِ طيبة.
    شكرًا لقراءتك، ويسعدني وجودك ومتابعتك
    الودّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *