ToGoTea

الأرشيف

نذكرها جيّداً.

نؤكدُ على فعلِ التذكّرِ بـ: جيّداً. باعتبارِ أنها حدثٌ قديم، ومسألةُ الإتقان في استعادة تلك الفترة قد تبدو غير أكيدة، إذ اختفتْ قبل خمسة عشر عاماً، لكنّني وأقراني لا زلنا نتذكرها جيّداً مع أن وجودها في حارتنا المنكفئة على ذاتها لم يتجاوز الشَّهر.

قدِمت في أجازةٍ صيفيّة. كانت أوّل الأيام: «الحرمة» التي تخرجُ بلبسٍ رياضيّ أخضر أثناء غيابِ «رجِلها»، تلعبُ معنا الكُرة في الممرّ الضيّق. خشينا وجودها بيننا، مع أن لونُ شعرها البُنّي يُعجبنا! ثم غدت في آخر الأيام: صديقتنا «منيرة» التي تعطينا «حلاو أبو بقر»، تدفع معنا «قَطَّه» لشراء كرة، وعندما تَعْلقُ فوقَ مظلّة بابِ بيتهم تتسلّقُ الشجرةَ ثم السور وتحضرها. لقد كنا نحرصُ على تنبيهها إذا ما شاهدنا سيّارةً قادمةً من مدخل الحارة، كي تختبئ خلف الباب إلى أن تعبر، وعندما يأتي زوجها لا تغيبُ طويلاً، فهي تطلُ علينا من النافذة أو تفتحُ الباب، نراهما يشربان الشاي في الحوش، وكثيراً ما يخرجانِ سوياً، وقبل أن تصعد السيارة بحجابٍ على شعرها، تنادينا ثم تضحك وهي تودعنا، لم تكن تبالي بخجلنا من زوجها، هو بذاتهِ كانَ لغزاً محيراً لنا! كيف لا يغضبُ منها!؟

حصلنا في الأسبوع الأوّل من قدومها، على أشياء كثيرة. فإضافةً إلى الحلوى ومشاهدة امرأة بشعرٍ بنّيّ تتسلقُ شجرةً، وتركلُ كرةً في الشارع، فقد حصلنا مثلاً: على حكيٍ وافرٍ نتداولهُ عندما نسهر على «الدَّكة» نلعب «أونو» أو «كيرَم» ونستعيدُ صورَ الحرمة الغريبة التي تسكنُ في البيتِ المجاور، تصرفاتها، جُرأتها، كانت موضوعاً شيّقاً، وجديداً بالنسبةِ لنا، المسألة كانت بمثابةِ صدمةٍ مؤثرة، نقلةٍ بتاريخنا البَصَريِّ في الحارة، حتّى أن أحدنا يغشّ أثناء اللعب ولا نكترث، فالنقاشُ محتدم.

الأسبوع الثاني، كنا نتسللُ خلسةً من بيوتنا كي نجتمع على «الدّكة» قبالةَ بيتها وذلكَ عندما بدأ آباؤنا بمنعنا من اللعبِ في الشارع. لقد صدّقوا الإشاعة التي نشرها «الموسوس» تجاه جيراننا الجدد، عندما قال إن منيرة «قـ×بة»، وزوجها «قوَّاد» يستقبلُ الزبائن في الليل. وحقيقةً، لم يكن يُعرف بالموسوس سوى في نِطاقنا، نحنُ الصِّبية، لقبناه، لأنهُ كانَ يتأخر في المسجد بعد الصلاة يراقب الفرّاش العجوز، ينتظرهُ ليتأكد من أنهُ يُغلق الأبواب ويغادر، فقد اتهمهُ يوماً بأنهُ يسرق المصاحف ويبيعها في «الحراج»!. باختصار لقبناه لأنهُ يشكُّ في كلّ شيء، لدرجةِ أنْ حاولَ مرّةً تحريض الآباء علينا إذ قال أنهُ رآنا نُدخّن، ولولا أن أضافَ فيما بعد أنه يَشتَمّ رائحة «بلوت» تنبعثُ من مكان جلوسنا على الدّكة، لصدّقوه، لكن جهلهُ خذله. استغلينا فرصة براءتنا، وبدأنا التدخين بحقّ خلف البيوت.

ذاتَ ليلة، استيقظت الحارة على صوتِ جهاز اللاسلكي لسيارة شرطة، وضجيجٍ يتردد صداهُ بين بيوت شارعنا الضيّق، خرجتُ خلفَ والدي لأشاهد ما يحدث، في البداية لم يجذب انتباهي صياحُ جارنا الجديد على بابه وهو يمسكُ بأوراقٍ في يده، ولا سيارتَيّ الـ«جمس» والموسوس وهو يقفُ مع الشرطي ومجموعة من الرجال المدنيين، المشهد بعمومهِ لم يكن مُحرضاً لفضولي بقدرِ ما فعل منظر سيارة الشرطة عن قرب. أخذتُ أتأملّ مراتبها من الداخل، استمع إلى نداءات اللاسلكي، الطنين، أراقبُ الأضواء الصفراء والزرقاء التي تنبعثُ منها، تتحركُ وتومضُ على جدران البيوت. ولكن سرعان ما عدتُ إلى الحدث، حين سمعتُها تبكي. كانت تصرخُ في وجوههم. إنهُ أمرٌ مربكٌ أن تبكي امرأةٌ أمام رجالٍ كثيرين، مربكٌ بحقّ أن تشاهد بهذهِ السرعة بكاء شخصٍ لم تمضِ ثلاثة أسابيع على معرفتك به، حتّى والدتي -التي كنتُ قد عرفتها عشرَ أعوام- لم أكن قد رأيتُ دموعها بعد. خطوتُ مقترباً من موقع تجمعهم، لكن للأسف لم أتمكن من المشاهدة، فقد نهرني والدي ودفعني إلى البيت.

لا ندري تماماً ما الذي حدثَ تلك الليلة. كلّ ما أعرفهُ ويعرفهُ أقراني، أنًّها لم تلعب معنا الكرة مجدداً، لم نشاهد بعد تلكَ الحادثةِ امرأةً بشعرٍ بنّي تتسلّق شجرة. لم نعد نحصل على أشياء كثيرة، لا حلوى ولا حكايات جديدة نتحدث بها على الدّكة، مرّت شهور ولم نصدّق حقيقةً أخرى عن منيرة غير التي نتذكرها، قالوا بأنهُ قد حُكم عليها بالرجم، وبعضهم قال أنها انتقلت مع زوجها إلى جدّة، آخرون يقولون أنها مسجونة في سجن النساء بالملزّ، حتّى زوجها لم نشاهدهُ سوى مرّةً واحدةً بعد الحادثة بيومين، رَكَنَ سيارتهُ ودخل البيت، انتظرنا، علّها تكونُ بالداخلِ، علّها تخرجُ معه، لكنها لم تخرج، ومضى الليل ولم يخرج هو أيضاً، ومنذ اليوم التالي لم نرَه ولا سيارتهُ ولا منيرة، للأبد.

تمت في 29 ديسمبر 2005

Be Sociable, Share!

3 تعليق على منيرة

  • ربما ذهبت لتصبغ شعرها يا خالد.

    :

    مبدع دائما ..

  • Khalid Samti says:

    ربما تأخرتُ في الرد.. ولكن المفاجأة بتواجدٍ كهذا لا يمكن أن تُملّ
    شكراً أوتاروف.

  • Munera says:

    إشارتك إلى محاولتي “لا احد من بلاستيك” .. أربكتني غبطة واحترت أهو أسمي الذي نبش ذاكرتك فأعدتني إلى هنا ، أم أنك أردت أن تعلمني كيف تكتب القصة .. بكلا الحالين أنت لا تدري كم أنا ممتنة .. شكرًا كثيرًا .. كثيرًا يا عبقري . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *