ToGoTea

الأرشيف

كثيراً ما تمرّ بنا مواقف نشعر أننا قد عشناها سابقاً رغم أنها تحصل للمرّة الأولى، ثمة شعور لحظي يقنعنا بأننا مررنا بكل تفاصيل ذلك الموقف، نفس الأشخاص المتواجدين وإن كنا لا نعرفهم، الحركات، المكان وطريقة ترتيبه، الأصوات، ولوهلةٍ نرمي بالنظر إلى الأعلى يساراً، ربما، نفكر في الموقف المتكرر بتفاصيله صورة وصوت، سبق وأن عشناه.. نجزم، ولكن لا ندري متى، ولا كيف حصل ذلك!
في عام 1851 أطلق باحث فرنسي مهتم بالظواهر الروحية “بويراك” مسمّى الحالة ” ديجافو” والتي تعني بالفرنسية “شُوهِد سابقاً”، وإلى الآن لا يوجد أيّ تفسير علمي لحقيقة وسبب ذلك الشعور، مجرد نظريات متضاربة: خلل لحظي في الدماغ. أو مجرد التوهم بأنه سبق حدوث التجربة، لأن العقل اللاواعي قام بتسجيلها في زمن متقارب مع عمل العقل الواعي. وهناك من يرى أنّها ذكريات من حياة أخرى عاشتها أرواحنا في زمنٍ مضى!

 
رؤية مختلفة للديجافو، جديدة وفنتازيّة، يخبرنا بها فيلمنا في هذا المقال، الفيلم يحمل نفس الاسم “ديجافو”، أخرج الفيلم “توني سكوت”، وكتبه الثنائي “تيري روسيو، بيل مارسيلي” الكاتبان السنمائيان اللذان أستطاعا أن يُظهرا إمكانياتهما وتوافقهما، من خلال أعمالهم، خصوصاً “شراك2″ و”قراصنة الكاريبي”.

يبدأ فيلم ديجافو بمشهدٍ في “نيو أورلينز” حيثُ تدور قصة الفيلم، تتنقّل الكاميرا خلاله بلقطات متفرقة في الميناء المكتظّ، نسمع أصوات مختلطة، زحام، أحاديث مصطافين، ضحكات ونداءات، أفراد من البحرية، عوائل وأطفال على ظهر العبّارة “نيميز” الموشكة على الإبحار، الكاميرا تستعرض الرّكاب، وبعد مشهد طفل صغير مع والده –لتركيز كمّية التراجيديا التي تضمن صدمةً جيّدة مع الحدث التالي- تنفجر العبّارة مخلفة أكثر من 500 قتيل!
كان مشهداً طويلاً نوعاً ما، بالإضافة إلى أنه في مكانٍ عام ولا يُركزّ على شخصيةٍ محددة، تصوير هذا المشهد مهتزّ، وتم أغلبه عن بُعد، ولم يكن هنالك أيّ حوار، الأمر الذي سرب مللاً مؤقتاً. نكتشف أنه ملل سرعان ما يختفي تدريجياً بعد الإنفجار، إذ تبدأ القصّة المعقدة بشدّنا معها، مع حاجةٍ إلى تركيز وسرعة استيعاب للحوار، أحداث متسارعة حتى نهاية الفيلم، تلك النهاية التي تبرر لنا جيداً سبب إخراج المشهد الأول بتلك الطريقة، الطريقة التي لم تعد مملةً بعد الآن.

هنالك أسماء نثق بفنيّتهم واختيارهم لنوعية الأعمال التي يمثلون بها، لدرجةٍ يتمكن بعضنا أحياناً من أقتناء أي فيلم يشارك به أحد تلك الأسماء، دون قلق، وبارتياح تام، إذ نشعر أن الفيلم سيقدم مادة جيّدة وسيمنح المتعة التي نبحث عنها. بطل هذا الفيلم أحد تلك الأسماء “دينزل واشطن” حيث يقوم بدور “دوغ كارلن” تحرّي في شرطة الميناء، يصل بسيارته بعد الإنفجار، يشرع في عمله محاولاً استكشاف الموقع وجمع معلومات وأدلة عن الجريمة، يلتقي مع أحد العملاء الفيدرليين -الممثل “فال كيلمر”- ولاحترافية دوغ وذكائه، يُستدعى للانضمام إلى فريق فيدرالي المكلف بجمع خيوط الحادثة والتحري لاكتشاف مرتكب العمل الإرهابي، خلال ذلك، تُعرض عليه جثة وُجدت بعيدة عن باقي الجثث، لشابة تدعى “كلير كوتشفر” يُظهر الفحص المبدئي أنها قد تعرضت للاختطاف والضرب وماتت قبل الإنفجار بفترةٍ قصيرة- مثلت الدور “بولا باتن”.
في مقالٍ سابق – مجلة لايف ستايل عدد ديسمبر2006- تحدثت عن فيلم (منزل البحيرة) والذي تدور أحداثه بين عاشقين في زمنين مختلفين، ويتراسلان عبر صندوق البريد، كنتُ قد أشدتُ بفكرة الفيلم بشكلٍ عام، فكرة الزمن وتعقيدها ومدى اتساعها ومتعتها رغم أنها طُرقت بكثرة، وانتقدتُ طريقة تقديم الفيلم لها، وبعض المغالطات والأخطاء، والأحداث الارتجالية، خصوصاً النهاية المجّانية. هذا الفيلم أيضاً قائم على فكرة الزمن، والاتصال عبر زمنين متقاربين، القدرة على العودة وترتيب أحداث مضت. يظهر ذلك عندما يجتمع فريق التحري أمام شاشة كبيرة، تعرض ما تلتقطه كاميرات موجهة من قمر صناعي -وكأننا أمام برنامج غوغل إيرث- ذات دقة عالية وقدرة فنتازيّة تخترق الاسمنت، تعرض ما حدث قبل (أربعة أيام ونصف) في حياة “كلير” بعد أن توقعوا أنها قتلت على يد الإرهابي نفسه الذي قام بالتفجير، كانوا يتحكمون بما تعرضه الكاميرا كيفما شاؤوا بشكلٍ (مباشر). وإجابة على استفسار التحري “دوغ” شرح أحد عناصر الفريق كيفية ذلك، وأشار إلى أنهم تمكنوا بالصدفة من خلال تجاربهم أن يقوموا بطيّ الزمن وجمع طرفيه، ما شكل الزمن؟ تخيّلته هنا سجّادة، طرفٌ يتواجدون به ويشاهدون من خلال الشاشة –حلقة الوصل- ما يحدث على الطرف الآخر.

واشنطن يقرر الانتقال إلى الطرف الآخر من خلال نفق زمني، ومن هنا تبدأ محاولاته بمراوغة ذكاء مرتكب الجريمة، وهو شخصٌ راديكالي يميني يُدعى كارول، وقام بهذا الدور الممثل (جيم كافيزل- Jim Caviezel) الذي على الرغم من لعبه أدوار قصيرة أو غير بطولية في مُعظم أفلامه، إلاّ أنها أدوار عميقة وذات شخصيات مضطربة، فأداؤه وتقمصه لها مُقنع، وكثيراً ما نجده في الأعمال القيمة التي تركز على الناحية الفكرية أو التاريخية أو البُعد الإنساني، ونتذكر من الأفلام التي لعب فيها دور البطولة فلميّ: آلام المسيح، والخط الأحمر الرفيع.

استخدم المُخرج خلال كثير من مشاهد الفيلم، أسلوب التصوير المُقرّب، التركيز على ملامح الوجوه والنظرات لإظهار الاضطرابات البادية وردود الأفعال من خلال إيماءات الوجه، ربما يشعر البعض بأن ذلك يزيد من حدّة توتّر الفيلم من خلال التحديق في عيون الممثلين وكثرة اهتزاز الكاميرا، وربما يشعر البعض أيضاً ببعض المبالغة، لكلٍ ذائقته، ولكن يبقى فيلماً مميزاً ويحمل فكرة عميقة تم التعامل معها بشكلٍ جيّد ومتماسك، يتضح ذلك بالنهاية التي كانت جداً ناجحة ومنطقيّة مُقنعة، إذ تتشعب طوال الفيلم الفكرة وتتعمق إلاّ أن النهاية أعادت الأمور إلى نصابها، ولم يتركنا المخرج متسائلين، بل تمكن من ملء جميع الفراغات، بغض النظر عن مدى واقعية الفكرة. ديجافو فيلم ذكيّ وممتع وهو من الأفلام التي بعد مشاهدتها تبقى مسيطرةً على تفكيرنا لساعات أو لأيام ربما.

Be Sociable, Share!

6 تعليق على Déjà Vu

  • eed says:

    neuspirituality يرون اليجافو على انه الزمن وقد طويت صفحته , والتمس حاضره بماضيه …. ففتحت لك فرجة من المستقبل لتراها … وحين حان موعدها تعرفت عليها لانك سبق وان رايتها ..
    راجع كتاب sylvia brown .

  • Khalid Samti says:

    مرحباً eed أشكرك على التعقيب، وأشكركَ على المعلومة، وسأسجل كتاب سلفيا براون ضمن قائمة الكتب التي سأحرص على معاينتها مستقبلاً.
    ماذكرته في تعقيبك يُعد رأياً آخراً ضمن قائمة طويلة من الآراء المتضاربة وغير المؤكدة، لأن الديجافو حالة شعورية خيالية لا يمكن اسنادها إلى حقيقة مادية ثابتة ومطلقة، وفي النهاية يبقى اختيار المعلومة والايمان بها بيد الفرد :).
    بالإضافة إلى ما ذكرته في المقال عن الفيلم، إليك عدّة آراء وتفسيرات أخرى للديجافو، مقتبسة من مقال حول الموضوع:
    (بينما ينسُبْ عدّة محلّلون نفسانيّون الظاهرة إلى الخيال البسيط لدى الإنسان، وبعض الأطباء يعزون ذلك إلى خلل لحظي في الدماغ لمدّة ثواني قليلة. وهناك من قال أنّها جزء خافت مجهول من ذكريات الطفولة. أمّا التفسير الأوْهَن ممّن رأى أنّها ذكريات من حياة ماضية عشْنَاها! يقولون أنّها ذكريات حياة قديمة تُزعج إلى سطح العقل حين مُلائمة بيئة مُحيطة أو ناس مألوفين! ربّما ما يُفنّد الرأي الأخير؛ ظاهرة أخرى تُسمّى الـ(Jamais Vu) حيثُ تكون في مكان مألوف ودائم، ثمّ تشعر فجأة بأنّ ما يُحيطك غريب كُليّاً. أو أنّك تُحادث صديق قديم، فتشعر أيضاً أنه غريب أو أنّ هناك أمر مجهول فيه بالنسبة لك لم تنتبه إليه من قبل! لذا من غير المنطق أيضاً أن يُقال بأنّنا انتقلنا لماضي يحدث فيه هذا الشيء لأوّل مرّة .. أثناء هذه اللحظات. عموماً الديجافو في الحقيقة شائع بين المرضى النفسيين، ممّا يدلّ أنه خلل طارئ. والدراسة أثبتت أنّ هناك مَوْضِع من الدماغ بالتحديد إذا أُصيب بالخلل أو الصَرَع؛ تحدث ظاهرة الديجافو. ويلدير بينفيلد قام بتجرية عام 1955 م، حيثُ حفّز هذه المنطقة كهربيّاً؛ فوجدَ أنّ حوالي 8 % من الذكريات تحدث كديجافو.)

  • taha says:

    اشكرك اخي على الشرح العميق لفيلم لكن نهاية الفلم لم افهمها كيف دنزال وشنطن يموت ويرجع حي في نهاية الفلم

    • taha لسببٍ لا أتذكره لم أرد على تعقيبك هنا، ربما نسيت، وربما أضفت ردًا وقتها وطار مع انتقال المدونة. عمومًا، وبعد ثمان سنوات، إليكِ الإجابة على سؤالك: لأن دوغ (دينزل واشنطن) الذي عاش أحداث ما بعد الإنفجار وجاء للتحقيق، عبر إلى مسار زمني آخر، حيث عاد إلى الماضي قبل وقوع الإنفجار، وفي ذلك الزمن هو أيضًا موجود، أي أصبح هنالك إثنان من ذات الشخص (دوغ) الأول القادم من المستقبل والعارف بالانفجار، والثاني هو دوغ ما قبل الإنفجار. دوغ الذي يموت هو الأول، ويعيش الثاني.

  • ماركو مجد says:

    لسه شايف الفيلم السنه دي في 2016 ومكنتش اعرف عنه قبل كده
    وطبعا انبرت انبهار غير طبيعي سواء فكره اخراج تصوير ساوند تراك اداء …كله مبهر وممتع جدا
    لكن السؤال هو ينفع نغير الماضي (كما فعل واشنن وابطل انفجار القنبله او فجرها في مكان اخر في اخر الفيلم )
    بحسب علمي يمكن رؤيه الماضي لكن لايمكن تغييره ؟؟؟؟؟؟؟؟؟……….يايت توضيح للنقطه دي

    • مرحبًا ماركو،
      إذا تتحدث عن الفيلم، فكل شيء ينفع ولا شيء مستحيل في السينما ما دام السيناريو والإخراج قادرات على تصويره.
      أما إذا تتحدث عن الواقع، فلم يتمكن أي عالم فيزياء كمية أو أي في أي مجال من الانتقال الفيزيائي إلى الزمن الماضي، وهنا تكون الإجابة أنه لا يمكن رؤية الماضي، الرؤية المباشرة، ولا تغييره.
      رؤية الفرد لماضيه، علميًا، لا تتم إلا في ذاكرته الشخصية، أو بترتيب مسبق من خلال التقاط صور وتسجيل لقطات فيديو له في الحاضر، وعندما يشاهدها بعد ساعة أو بعد عشرين عام، يكون فعله رؤية لذلك الجزء فقط من الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *