ToGoTea

الأرشيف

Daily Archives: مايو 10, 2010

إهداء إلى عقيل

مبخوت تساهيل جنيور:
انتحر، وهو في العشرين من عمره.
بعد أن عانت أمه “جلبة” هشاشة العظام لسنوات ولم تستطع الحراك إلى أن ماتت جوعًا، ومات “مجربي تساهيل” محمومًا، وامتلأت طُرق الأودية بالعسكر والدبابات، وحلّ دوي الطائرات والقنابل وفرقعات الرصاص محلّ الهدوء على الحدود، لم يجد مبخوت أمامه سببًا للبقاء، فلا الهرب سيفيده، ولا الجوع سيتجنبه، ولا أحد سيشتاق إليه، لذلك اختار الموت، ونفذه بطريقة مستهلكةٍ جدًا لا تحتاج إلى الكثير من التفصيل. هكذا مات:
وقف لخمس دقائق مختبئًا وراء جرفٍ خلَّفه السيل على طريق الوادي مابين قرية “الخضراء” ومحافظة “صامطة” بأقصى الجنوب الغربي السعوديّ، ثم جرى مواجهًا شاحنة وقود تنحدر من منعطف بداية الوادي، ولولا أن مسجلة المركبة معطوبة وقدم السائق لم تكن متكئة على دوّاسة الحركة، لما سمع السائق طقطقة عظام يتهشم تحت عجلات شاحنته، ولظنّ أنه دهس حجرًا أو غصن شجرة أراك جرفها السيل. وكما أتقن وامتهن التملص من الأنظار طوال حياته، نجح مبخوت ذلك المساء، بلمح بصر، في التملّص من حياته.

نشأته:
وُلد مبخوت في إقليم أخضر تحيط به جداول الريّ من كلّ جانب. بالتحديد، في قرية ريفية تدعى الرافعي، على الضفة الجنوبية من وادي “مور” تابعة لمحافظة الحديدة اليمنيّة. هناك، خلف حقلٍ صغير اتكأت أمه على شجرة مانجو طويلة، وأخذت تزحره بألم، ومجربي صاحب الحقل يسحبه بحرص، حتى خرجَ مغطىً بالغَدَر. قطع حبله السرّي، وغمسه بشكلٍ سريع في إناءٍ كبير مليء بالماء، ثم رفعه إلى الأعلى باتجاه الشمس. نظر الأربعيني مجربي إلى المولود الجديد مبتسمًا، ثم وضعه جوار والدته، ومرر يده على رقبتها: سلامتك يا جلبة. أرضعيه، وارتاحي لك شهر.

قضى مبخوت السنوات الأُول من حياتهِ في الحقل، ينام تحت ظلّ “السهوة” مع والدته، وفي النهار عندما تخرج هي للعمل مع زوجة مجربي، يقتل الوقت بالاستكشاف جريًا تحت ظلال أشجار المزارع القريبة أو اللعب مع مجربي الذي وجد من مبخوت ونزقه منفضةً يشتت بها ملل وحدته وألم الفقد.

خلال المغربيات التي يقوم فيها مجربي بجولات تفقّد داخل الحقل وحول حجرات البيت الثلاث، كان يلاحظ أنّ هنالك من يتبعه بخفة وحرص، فيواصل السير متظاهرًا الغفلة، ثم يلتفتُ مفاجئًا مبخوت، يقفز الأخير خلف شجرة، يضحك مجربي ويشعلُ سيجارة، ويقول بالدخان الخارج من صدره: لم أخطئ عندما سميّتك مبخوت تساهيل. في حالاتٍ كهذه فقط تضيع نظرته في المسافة ما بينه وبين التراب، ويتذكرُ أشياء كثيرة بحنين.

مبخوت تساهيل الأكبر:
هو الأخ التوأم لمجربي، مات وهو يهرّب الدقيق من الأراضي السعودية قبل ثلاثة أيّام من ولادة مبخوت جنيور. نشأ الأخوان تساهيل قريبين من بعضهما كما هي عادة التوائم، عانيا في طفولتهما الفقر، وفي شبابهما استطاعا أن يوفرا لقمة عيشهما بصعوبة عن طريق تشكيلهما عصابةَ تهريب، فبذكاء مجربي وخططه المحكمة، وبخفة مبخوت وسرعة بديهته، تمكن الأخوان، بتفرّد، من التحوّل إلى شبح يتناقل أخباره سلاح الحدود السعودي دون أن يتمكنوا يومًا من الإمساك بهما.

لقد تنبأ مبخوت بموته قبلها أكثر من مرة، حيث يلتفت إلى مجربي، وهم يسلكون طرق الأودية الترابية التي يحفظون تفاصيلها كحفظهم لأسمائهم، ويقول: “نموت هاربين، خير من أن نموت جياعًا.” الأمر الذي أقلق مجربي وصار شغله الشاغل، خصوصًا عندما يخرج مبخوت وحيدًا لقضاء التزاماته الشخصية خارج القرية، لذلك كان ينتظره على مدخل الحقل، وعندما يعود يهمس مجربي وهو يمرر يده على رقبة أخيه: اشتقت لك يا شقي.

ذات ليلة تنبئ بعاصفة رعدية، كان مبخوت يقود “الشاص” بسرعةِ الهرب كما اعتاد، قاطعًا وادي “تعشر”، ومجربي فوق أكياس الدقيق في حوض السيارة يعيد ربطها بعد أن سقط أحدها على الطريق، من خلفِ أثلة اعترض طريقهما حمارٌ أبيض يجري باتجاه السيارة، حاول مبخوت تفاديه، ارتقى زبيرًا بوضعٍ مائل، قفز مجربي ناجيًا بحياته، وعصرت السيارة وهي تنقلبُ بثقلها روحَ مبخوت إلى خارج جسده.

مبخوت تساهيل جنيور مرةً أخرى:
علمه مجربي الطُرق كلها إلى ما قبل الحدود، فحفظها بسرعة كمن سبق وأن رآها في منام. ثم درّبه على سرعة الاختباء، حتى أمسى يقفز إلى داخل الأحراش عندما يرى ضوء سيارةٍ يتهادى على الزُبر من بعيد، يتفقد الطريق، يرسل أذنيه في الخلاء، تستكشفان المدى، وبعد أن يغيب الضوء يقف ويواصل السير بحذر.

حين تأكد مجربي من جاهزية مبخوت، تواصل مع صديقه وزبونه الأفضل في السعودية نايف، وبدوره عبر عن أسفه لفقدان أخيه، وكرر رجاءه بأن يعود للعمل. أخبره مجربي بأنه لا يملك سيارة، بعد أن تمت مصادرة الشاص، وهو لا يجيد القياد تحت تلك الظروف، لذلك لن يكون وصول الحملات بذات السرعة، ولكنه أكّد بأنه لا يساوم على أمان وصولها ولا على صلاحيتها، ثم طلب منه تجهيز الدقيق.

وفي اليوم التالي، ذهبا إلى سوق القات، وهناك عبأ مجربي برادعه بثلاثين قُرْفٍ من القات ربطها داخل ملاءات مبلولة، وعلقها على ظهره وظهر مبخوت، ثم سار أمامه حتى اخترق الحدود السعودية باتجاه طُرقٍ يجيدها هو، ويتعلمها مبخوت. كان يتركه للحظات وحيدًا ويراقب تصرفاته، وكان مبخوت يفاجئه بالحنكة وسرعة البديهة، حيث يسير بحرص، ويتوقف للحظات، يستمع وينظر إلى المدى، ثم يواصل. في ذلك اليوم بدأ مبخوت يعتادُ على يدٍ تُمرر فوق رقبته، وصوت يهمس: أشتقت لك يا شقي.

وصلا إلى صامطة، ودخلا السوق المُرتجلة، وهو حوش محشور بين بيوتٍ على طرفِ الوادي، يجتمع فيه باعة القات الصغار الذين لم توفر لهم الحظوظ ولا إمكانياتهم التسويقية من تكوين سمعةٍ جيّدة، ويبيعون بضاعتهم بأرخص الأسعار، سوق رخيصة إلى درجة أطلق عليه زبائنها فيما بعد: سوق الريالين. احتفل باعة القات بمجربي، وهناك التقى بنايف الذي يدرّس الإنجليزي في الصباح ويبيع القات مساءً.

– هذا حمارك؟
قال ذلك المدرّس، بعد أن احتضن مجربي وتبادلا البنوط العريضة التي طرأت على حياتيهما منذ آخر لقاء.

– هذا مبخوت تساهيل.
– آها! إذن هذا مبخوت تساهيل جونيور.

لم يعلم مجربي أن جونيور في اللغة الإنجليزية تعني الأصغر، ولم يضطر أحدهما إلى توضيح اللقب أو التكفل بمشروع نشره، وبدون ترتيبٍ لذلك، مُضغت تلك الكلمة الإنجليزية مع أوراق القات، وتم تداولها على ألسنة الباعة، وسُجلت في ذاكرة المكان بعد التعريب والتلهيج: جنيور، بفتح الجيم. وبعدها، ولسنوات، أصبح مجربي يُحمّل القات على ظهر مبخوت ويطلقه إلى القدر، وينتظره فجر اليوم الثاني على الحدود، وتصاعدت أسطورة مبخوت تساهيل جنيور بداخل مجالس القرى المحيطة بصامطة مع أدخنة الشيشة، الحمار المعجزة الذي يُهرّب القات وحيدًا، يختبئ ويجري ويتملّص، من اليمن إلى السعودية، ثم يعود محملاً بالدقيق.

ElaphArtical2010

رابط المقال المنشور في صحيفة إيلاف الإلكترونية، بتاريخ 30 أبريل 2010

“يرغب وزير التجارة والصناعة السعودي بالاجتماع والحديث مع الطلاب السعوديين المبتعثين في شيكاغو ويدعوهم للمشاركة مع اللجنة التنظيمية للمنتدى.” هذا ما قاله “موسى” صديقي وشريكي في السّكن، وهو يسألني إذا ما كنت أرغب بالذهاب معه والتطوّع بمساعدة منظميّ “منتدى فرص العمل السعودي الأميركي”، أجبته بالإيجاب، وكنتُ أفكر: هل أحضر كطالب، أم صحافيّ؟ الحقّ، أنني بمجرد سماعي لاسم وزير التجارة والصناعة عبدالله زينل، فكرتُ باقتناص الفرصة، والحديث معه في حوارٍ سريع على هامش الفعاليات رغم أنني أعرف عن حرصه الدائم على ترك مسافة طويلة بينه والصحافة، لأسباب نجهلها ولا يرغب سيادة الوزير بالتصريح بها. حزمتُ دفتري وقلمي والكاميرا في حقيبة الظهر، ولبست ابتسامةَ طالبٍ ممتن، وفي القطار كتبتُ أسئلتي وأنا متجهٌ إلى فندق شيراتون حيث تقام فعاليات المنتدى.

في اليوم الأول، الأربعاء 28 أبريل 2010، قابلت سكرتيرة وزير التجارة وأخبرتها عن رغبتي في الحصول على عشر دقائق مع الوزير لعمل حوار سريع حول المنتدى وقضايا أخرى متعلقة بعمل الوزارة. وعدتني بالرد عليّ هاتفيًا عندما يجد الوزير فرصة. فعقدتُ أملي حول ذلك الوعد، ثم اتجهت إلى القاعة حيث يجتمع الحفل.

خلال انتظار وجبة الغداء توزع الحضور على الطاولات، وعلى المنصة وقف الوزير عبد الله زينل ملقيًا كلمته الأولى إلى جموع الحاضرين. تحدث الوزير عن امتنانه وشكره للمشاركين من تجار ومسؤولين ومنظمين من الدولتين. “العلاقة بين السعوديّة وأميركا علاقة استراتيجيّة، صلبة، وسوف تستمر في التطور خلال السنوات القادمة. أنا أثق أنّ شراكتنا سوف تنجح في تجاوز الكثير من التحديات. هذه الشراكة المبنية على القيم والاحترام المشتركان والالتزام بالعمل جنبًا إلى جنب.” قال ذلك زينل بالإنجليزية وهو يقف ببدلته الرمادية موزعًا نظراته على الحضور، كمتحدثٍ محترف. “تركيزنا في هذا المنتدى، من الجانب السعودي، هو بناء ثقافة وفكر رأس مالي. إن هذا الجهد التعاوني بحاجة إلى أن يتحول إلى تعاون مؤسساتي، خصوصاً الآن، حيث يتعافى الاقتصاد العالمي، كما سمعنا من وزير ماليتنا اليوم.” ويواصل قوله ” تتوقّع السعودية بنهاية عام 2010 أن تستقبل 23% من إجمالي الصادرات الأمريكيّة للدول العربية، والذي قد تصل قيمته إلى 75 بليون دولار، وذلك يدل على أنّ السعودية هي السوق الأول في المنطقة، ويحتمل أن يصل رقم الصادرات الأمريكية إلى الضعف مع عام 2015، الأمر الذي يساعد على خلق مليوني وظيفة للشعب الأمريكي.”

“إن القطاع الخاص السعودي، الذي يمثله اليوم 250 رجل وامرأة أعمال، حضروا إلى هنا متحدين السحب والرماد البركاني في سماء العالم -وأنا فخور أنهم فعلوا ذلك- هذا القطاع سوف تتخطى مساهمته القطاع الحكومي والقطاع النفطي في الاقتصاد الكلي للسعودية.”

ثم واصل الوزير متحدثًا عن خطة السعودية لتخفيض اعتمادها على عوائد تصدير النفط، حيث أن ارتفاع الطلب على الطاقة في المملكة العربية السعودية قد يقلل إلى حد كبير من قدرتها على تصدير النفط إلى باقي دول العالم على مدار العقدين المقبلين كما صرح بذلك، قبل أيام، خالد الفالح، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية. وقد قال الوزير في هذا الخصوص: “لتعجيل التنويع، وتخفيض نسبة الاعتماد على النفط، فإن المملكة العربية السعودية تعمل على تحسين نسبة المحفزات الربحية. فإن تسلّق سلّم القيمة سيكون الموجِّه الرئيسي لنا، لِهذا، بالرغم من أنَّ قطاعنا البتروكيمياوي وصل إلى الحقيبة العالمية، إلا أننا نستهدف الصناعات التي ستطوّر سلسلة البتروكيمياويات، مثل هندسة البلاستيك ومنتجات أخرى عالية القيمة. باختصار، السعوديّة ستتحولّ من كونها مجرد محطة وقود للعالم، إلى مختبر متطوّر للإبداع والبراعة والمعرفة.”

تحدث الوزير عن العمل الجدي الذي يظهر على الواقع الآن لفتح فرص استثمار كبيرة، والتي ستضاعف عوائدها المادية خلال العقد القادم، وأن لدى السعودية الإمكانيات والقدرة الاستيعابية لتحقيق ذلك. ثم أشار إلى أهمية تحويل سمة العمل الاستثماري والخط الإنتاجي إلى ما يخدم الإنسانية ويخفض نسبة التلوث البيئي والاحتباس الحراري. ثم انتقل إلى الحديث حول التعليم، وذكر أن أهم دور تقوم به الحكومة السعودية هو التركيز على الإنسان أولاً، حيث أنها تقوم ببناء جيل جديد من الشباب والشابات ذوي معرفة عالية، من خلال برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث. وأن السعودية تصرف ربع ميزانيتها على قطاع التعليم، وقال أنه “في نهاية عام 2006 كان هنالك 8 جامعات حكومية، وفي نهاية عام 2009 قفز ذلك الرقم إلى 25 جامعة. وعدد الطلاب السعوديين الذين يدرسون في الخارج زاد إلى سبعة أضعاف، وسيكون منهم 29 ألف طالب وطالبة سعوديّة في الولايات المتحدة فقط مع نهاية عام 2010″ ثم تطرق الوزير إلى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST) وعن الدور الريادي الذي ستسعى له من خلال توفير بيئة خصبة للبحث العلمي والتطوير المعرفي، وعن نظرة الملك عبد الله في أن تكون (KAUST) ضمن قائمة أفضل الجامعات العالمية، وأن تصبح بيتًا من المعرفة ومصدرًا للتنوير.” ثم ختم زينل كلمته باقتباس للرئيس الأمريكي السادس عشر، أبرهام لينكون: “أَنا أشدّ المؤمنين بالناس. يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة أي أزمة وطنية إذا ما قيلت لهم الحقيقة. النقطة العظيمة هنا، هي أن يتم إعطاؤهم الوقائع الحقيقية.”

سعدتُ كثيرًا بسماع ذلك، فتبني سيادة الوزير لهذا الاقتباس جعلني أطمئن لحقيقة استعداده إلى مواجهة الصحافة والناس والإجابة على أسئلتهم، وتبادل الحقائق معهم.

في اليوم الثاني من فعاليات المنتدى، تلقيت اتصالاً من سكرتيرة الوزير، حيث أمليتُ عليها المحاور التي أنوي التطرق إليها خلال الحوار، ولكنها قالت أنها لا تعدني بإمكانية إجراء الحوار، فجدوله مزدحم. وبعد ظهر ذلك اليوم، كنتُ أجلس مع بقية الطلاب في اجتماعٍ مع الوزير، في إحدى قاعات فندق شيراتون، على هامش الفعاليات. تحدث الوزير عن تجربته كمبتعث سابق، وعن الحظوظ الجيدة التي تنتظر المبتعثين في الحصول على فرص وظيفية قيادية، وعن المستقبل المشرق للبلد، وأكّد على أن الحكومة السعودية تعوّل على المبتعثين كثيرًا عند إنهاء دراستهم. وقال أنه يجب الإيمان بأن التكنولوجيا لا تقود دفة الاقتصاد بل تستخدم للوصل إلى الأهداف الاقتصادية.

كما صرّح بعض الطلاب برغبتهم في اكتساب خبرة بالعمل في شركات أمريكية على الأقل لعامٍ واحد لاكتساب خبرة بالإضافة إلى ما تعلموه، بحجة أن التعليم وحده لا يكفي، وأنهم لابد أن يعيشوا بيئة عمل فهي المدرسة الحقيقية، كي يتمكنوا من تطبيق معرفتهم عند عودتهم إلى بيئات عمل الشركات السعودية مستقبلاً. ولكن المشكلة التي تواجه الطلاب هو أن الشركات الأمريكية مع الأوضاع الاقتصادية المتدنية حاليًا، لا تقوم بصرف رواتب للعاملين من خلال برامج الدورات، الأمر الذي يجعل من بقاء الطالب للعمل هنا بدون دخل أمرًا مستحيلاً، ووعد الوزير الطلاب بأنه سيقوم بالنظر في الموضوع، وربما بدء مناقشات لتوفير فرص عمل تدريبي للطلاب السعوديين في أميركا بمقابل، حتى لو اضطرت السعودية إلى توفير النصف والشركة الأمريكية النصف الآخر راتب المتدرب.

ثمة أسئلةٍ كثيرة تبحث عن إجابة، وأنا متأكد أن هذه الأسئلة والمطالبات يشاركني بها الكثير. للأسف أنه تم تجاهل رغبتي بالسؤال خلال اللقاء، وعند نهايته، سألتُ الوزير إذا ما كان بإمكانه إعطائي عشر دقائق من وقته للإجابة على المحاور التي ذكرتها لسكرتيرته، فأجاب:

أنا لا أجري حوارات مع الصحافة.

ثم جاء صحافي من جريدة سعودية معروفة، وسلم عليه، وطلب منه أن يقول انطباعه عن المهرجان ونجاحه والإنجازات الرائعة فيه وبقية الديباجة الأدبية، فوافق سيادة الوزير، وسألته عن ذلك، فقال:

أنا أعرف هذا الصحافي من زمان.

وبختُ نفسي على عدم تمكني من التعرف على سيادة الوزير من زمان. وبقيت أحمل أسئلتي عن تضخم الأسعار التي وعد بالقضاء عليها منذ تسلمه المنصب في 2008 وأسئلتي حول غياب كبير من معظم التجار عن مساعدة المتضررين في فيضانات جدّة، والنازحين في مخيمات أحد المسارحة إثر الحرب مع الحوثيين، وأسئلتي حول استغلال أغلب التجار للمصائب التي تحلّ بالناس هناك في سبيل مضاعفة تجارتهم، وأسئلتي حول دور التاجر في البرامج التطوعية والتوعية الاجتماعية. وبعد أنهى سيادة الوزير حديثه مع الصحافي الذي يعرفه من زمان، اعتذر عن عدم قدرته للحديث معي، فنثرت الأسئلة في حقيبتي وغادرت.

مجمل الكلام الذي نقلته هنا على لسان الوزير، كان كلامًا متفائلاً، وجميلاً، ويدل على عقلية واعية وإنسان ذو فكر اقتصادي متقدم. ولكن الغريب، أن الوزير رغم هذه القدرة الحوارية العالية، وحضوره الجميل، يرفض الحديث مع الصحافة، في قضايا تهم المواطن، الإنسان الذي يجب أن يعرف الحقيقة، كما قال ذلك في نهاية كلمته خلال اقتباسه مما قاله أبرهام لينكون.

أخيرًا، في القطار وأنا عائدٌ إلى شقتي، أخرجتُ ورقة الأسئلة، وكتبت في نهايتها اقتباسًا للرئيس الأميركي الثالث، توماس جيفرسون:

“إذا ما ترك لي الخيار في تقرير إما أن نحظى بحكومةٍ بدون صحافة، أو بصحافةٍ بدون حكومة، فلن أتردد للحظة في تفضيل الأخيرة.”