ToGoTea

الأرشيف

Daily Archives: أبريل 28, 2010

في رسالةٍ إلى صديق، كتبتُ بشكلٍ مختصرٍ عن اللغة والتنقيط (كترجمة للكلمة الإنجليزية Punctuation) أو الترقيم -كما يقول بها البعض- وأهميتها في النصوص الإبداعية بالنسبة للقارئ المهتمّ بها، المعتمد عليها لترتيب منطقيّة ما يقرأ، لن أقول القارئ المحترف، فثمة قرّاء نهمين لا يشكل التنقيط والنحو لديهم فارقًا كبيرًا، وباختصار، حديثي موجهٌ إلى الكاتب الذي يراعي تأثير هذه الأدوات على ذائقة القارئ المهتم بدلالة كلّ كلمة والعارف بوظائف كلّ علامة أو رمز داخل النّص، وعندما أقول “النص” فأنا أعني النّص الإبداعي المقروء. وجدتُ، بعد أن أنهيتُ الرسالة، أن هذه المعلومات –البديهية لدى البعض- تستحقّ النشر، ثمّ شدّني تعقيب على أحد النصوص يقول كاتبه بأن محاكمة اللغة والتنسيق في النصوص الإبداعية محاكمة غبية! وأن الفكرة هي الأهم. ها أنذا أضيف على الرسالة، وأنشرها لمن يرغب الفائدة.

اللغة في السّرد:

الإنسان كائن لغوي أولاً وأخيرًا. والعالم تحوّل إلى صحن مليء باللغة. حيواتنا حدث طويل نمارس فيه الحركة والشهيق والزفير واللغة. أنا لا أقلل من شأن الفكرة، بالعكس، أنا أرجح كفّة الفِكرة أكثر من اللغة، ولهذا قرأت كل ما وقعت يدي عليه من أعمال “الصادق النيهوم” الذي تحدّث عن هذين المكملين لبعضهما، اللغة والفكر، كثيرًا، ورغم أنه يقول أن اللغة قالب الفِكر، لكنه أبدًا لم يلغِ أهميتها ووجوب فهمها وتطويرها كي تجاري فِكر متحدثي اللغة. لولا إلحاح الفكرة لما ابتكر الإنسان اللغة، ولولا اللغة لما أوصلنا أفكارنا للآخر ولحيينا نشهق ونزفر ونفكر ونفكر، ثم نفكر أكثر، ثم نموت. النيهوم نفسه اهتمّ بلغته بقدر اهتمامه بفكرته، وبذلك القالب السردي الجميل استطاع أن يقود أفكاره للقارئ بكل عذوبة. واكتشفتُ أنني قرأت أعماله، وصفّقت لمقالاته، وأعجبت بأفكاره، أولاً وأخيرًا، لأنه عرف كيف يقدمها لي في طبقٍ لغويّ مشوّق جميل، متقن الصنع.

بعد عامين من البحلقة والتطلع باتجاه عمودٍ رخامي من زوايا مختلفة، نحت مايكل أنجلو تمثال ديفيد. لم يستخدم إزميلاً واحداً ولم يضرب الرخام بارتجالية، استخدم أزاميلاً متعددة، وكلّ ضربة عنت أمرًا وأوصلت جزءًا محددًا من الفكرة، وصنعت فرقًا مكّن العمل بأن يظهر بذلك الشكل البشري المذهل. وعلى شارعٍ آخر من نفس المدينة، وبعد سبع سنواتٍ -وقيل أكثر- من العمل على اللوحة، منها كما يشاع أربعُ سنواتٍ على الابتسامة فقط، أنهى ليوناردو دافنشي الموناليزا، وترك العالم لخمسمائة عام يتساءل: كم ريشة استخدم دافنشي في رسم هذه المرأة؟
هذا هو الإخلاص في العمل الإبداعي، رغم أنه فنّ مختلف ويتطلب وقتًا وجهدًا أكثر من كتابة نص، ولكن نحن نعرف جيدًا أنه كان بإمكان مايكل نحتَ رجل عريان في أسبوع، وهو ذات الوقت الذي قد يتمكن فيه دافنشي من رسم سيدة مربربة جالسة كالأهبل. ولكنهم قضوا الوقت يفكرون بالعمل، ثم قضوا وقتًا يتصورون العمل، يعملون، يختارون الأدوات، ويصححون ثم يتقوفون ويقولون للناس: شاهدوا هذا العمل الفني، للتوّ أنهيناه.

أنا أحبّ القراءة، وأحبّ الكتابة، وأفكر بقراءة ما لم يُقرأ وبكتابة ما لم يكتب في زمنٍ كُتب فيه كلّ شيء وقُرئ. وأحترم من يحترم هذا الفن من ممارسيه، واحترامه برأيي يأتي بإثبات الفنان أنه حريص على كلّ مقومات النص الإبداعي، بدءًا بالفكرة، مرورًا باللغة، وانتهاءً بعلامات الترقيم داخل النّص.

يالها من خسارة فادحة، صديقي الكاتب، أن تقدم لنا فكرتك العظيمة في لغة تخذلها وتأكل نصف حقيقتها، أو تشوّهها وتدخل عليها معنىً يقطع الحبل الأخير في أمل وصولها كما أردت. وأنا كقارئ، كيف أستطيع أن أحاكم الفكرة بحد ذاتها؟ كيف أستطيع أن أفصل الفكرة عن اللغة إذا كانت الفكرة في السرد لا يمكن أن تأتي إلاّ في لغة!

الحياة مليئة بالأفكار يا أصدقائي، ولكن السارد الناجح هو الذي يوصلها في قالب جيد يستطيع القارئ دون عناء أن يفهمه. بالنسبة لي، لم تكن الفكرة يومًا هاجسًا بقدر ما كانت الطريقة التي أستخدمها في التعامل مع الفكرة. الأفكار داجنة، قال ذلك منصور العتيق مجيبًا على سؤال بعد أمسية أقيمت له في جمعية الثقافة والفنون بالرياض في شهر أبريل من عام 2004 أي قبل ستّ سنواتٍ تمامًا، لا زلت أتصور شكله وهو يجلس على يمين الطاولة ويقولها بكلّ ثقة – وبالمناسبة، بذلك اليوم التقيت بشخصٍ مثير للفضول جوار مدخل الجمعية، كان من الأشخاص الذين تشعر عند لقائهم أنك بحاجة إلى التعرف عليهم، تبادلنا نظرات التيه، تساءلنا عن المكان، مشينا سويًا، اخترقنا تلك الحجرات والممرات الصغيرة، ونجحنا بالوصول إلى الخيمة، حيث الجميع ينتظر بدء الأمسية، وعندما انتهت، وقف ذلك الشخص وقبل أن يلقي بسؤاله عرف بنفسه: عبد الواحد الأنصاري، ابتسمت، قلتُ بصوتٍ سمعتهُ وحيدًا في رأسي: طبعًا! هذا الرجل لا يصلح أن يكون إلاّ عبد الواحد الأنصاري- أعود وأقول ما قاله منصور، الأفكار داجنة، تتربى في كل مكان. تجدها تحت كوب الشاي، في سقف الغرفة، على خطوط المشاة، أو أنت تهدهد انتظار الأصدقاء بليّ شيشة في قهوة مملة على طريق القصيم. يمكن للكاتب المتمكن، أن يصنع من اللاشيء شيئًا، من أية فكرة نصًا، وعندما أقول أية فكرة فأنا أعني ذلك تمامًا. يمكن أن تكتب نصًا عن الزر الثالث في قميصك ذو الخمسة أزرار، وتفاجئ القارئ بنص مدهش، تفلسف الأحداث، وتمسرح بيئة ومجتمع الأزرار، تعطي الزرّ الثالث دورًا مهمًا في الحياة، تجعله بطل النص، وتجعل القارئ يقتنع أنه لن ينام الليلة حتى يعرف ماذا جرى للزر الثالث في قميصك ذو الخمسة أزرار!.

أعرفُ أنّ هذا القسم مطبخٌ لتعاون الكتّاب ومحاكمة النصوص ونقدها، وتشذيب زوائدها والاستفادة من آراء الفنانين الآخرين، لذلك من الطبيعي أن نجدَ أعمالاً مبتدئة وأعمالاً متوسطة وأعمال متقدمة تحتاج إلى تعديل القيافة، وأعمال متقدمة جدًا جاهزة لأن تكون في كتاب. لكنه ليس من الطبيعي أبدًا، أن تكون محاولات نقد النصوص من خلال تركيبات جملها، اللغة بإملائها ونحوها وصرفها، الفواصل، وطريقة عرض النّص، محاولات متهمة بكونها محاكمات غبية. أخيرًا، دعونا نتوقف قليلاً، وننظر إلى نصوص عبد الواحد الأنصاري، لأنه فنان يعمل على ذاته بإخلاص، ويعامل نصوصه بإخلاص، لا يفشل أبدًا في خلق الدهشة حين قراءته. فلغته السليمة وتنسيقه الصحيح ينجحان دائمًا في صنع قالبٍ مدهش لأفكاره.

هي فقط دعوة، دعوة للمحاولة، أن نعتني باللغة كما نعتني بالفكرة. لا أتوقع أن أرى هنا نصًا كتمثال ديفيد، ولا الموناليزا، ولكني مؤمن أنه في أماكن كهذه سيظهر كتّاب يتعاملون مع الفن بإخلاص كما فعل مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي.

التنقيط في السّرد:

في بعض اللغات، الإنگليزية مثلاً، نجد أن التنقيط ضرورة، غيابها قد يفقد النّص منطقيّته أو حتى معناه بشكلٍ كامل. مثلاً:

Women, without her man, is nothing
Women: without her, man is nothing

الكلمات ذاتها، ولكن الجملة الأولى تفيد بأن: “المرأة، بدون رجلها، هي لا شيء.” والثانية: “المرأة: بدونها، لا شيء هو الرجل.” هذا يوضح أهميّة هذه الرموز -الموزعة بشكلٍ مدروس- بالنسبة للغة الإنگليزية وغيرها من اللغات.
تتميّز اللغة العربية، كما هو حال اللغة العبرية وبقيّة اللغات السامية، باحتوائها على أغلب وظائف هذه الأدوات من خلال تفريقها النحوي الصّوتي أثناء قول الجملة، وقد يشمل مصطلح “القول” القراءةَ أيضًا لأننا نقول ما نقرأهُ للمخيّلة كي تصنع وتصوّر الفكرة. فقد قام الإعراب والتشكيل باختصار الكثير من الوقت في تسهيل فهم منطقيّة اللغة المقروءة. تمّ ابتكار الحركات، كي تسهّل العملية القرائية، وتحدّ من تعدد معاني المقروء، وأيضًا يتمكّن دارس العربية من تجنّب اللّحن والحديث كالعربي في سلامةِ نطقه. وأغلبنا يعرف مثال: أكلتْ البنتُ الدجاجةَ، وأكلتْ البنتَ الدجاجةُ. في الأولى كانت الدجاجة مأكولةً، وتحوّلت إلى آكلةٍ في الثانية، رغم التناسخ الإملائي بين الجملتين. خارقةٌ هي قدرةُ تلك الرموز الصغيرة التي بإمكانها قلب دلالة جملتها رأسًا على عقب.

لكن ماذا عن متحدثيّ اللغات التي لا تملك هذه المطاطية والقدرة على التحوّل مع بقاء الشكل الإملائي على ما هو؟
التنقيط. الحلّ الأمثل، فلكي يُفهم منطق الجملة المقروءة كان لزامًا عليهم أن يقسموا مقاطع الجملة برموز تعطي القراءة منطقها. الجميل في الأمر، أنها بالإضافة إلى كونها تحدد الفاعل والمفعول به، الشرط وجوابه، والمواقع الإعرابية لكل كلمة، فهي أيضًا توضح حالة الجملة، علاقتها بالجملة التي تسبقها أو تتبعها، ودرجة الصوت عند قولها. هذه هي عملية “التنقيط”.
السارد يجري في نصوصه مغمض العينين؛ هو المبدع المُمَهِّد لطُرق نصّه. القارئ جديدٌ على تلك الشوارع، يحتاج إلى محطات وقوف، ينظر خلالها إلى الخارطة، ليفهم اتجاه الطريق. النصوص التي يتم فيها مراعاة التنقيط، تشبه الطريق من جدة إلى مكة، مليء بالمحطات وكوشكات القهوة، وعلامات فارقة “Land Marks”. النصوص غير المنقطة، تشبه الثمانية كيلو مترات ما بين صامطة وبحر الموّسّم، مساحةٌ فارغة، لا محطات ولا قهوة، وفكرة مثل: هل أنا على الطريق الصحيح؟ لا تفارق رأسك، إذا ما كنت جديدًا على تلك الطُرق.

لن أتدخل في مسألة متى تضع الفاصلة ومتى تضع النقطة في النصوص الإبداعية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتلاعبات فنية يقوم بها الكاتب ليتحكم بسرعة القراءة ونفس القارئ كي يصنع جملة موسيقية في نصه. لأنني أؤمن أنه في الكتابة الإبداعية يتحكم الكاتب بفواصله ونقاطه، ويتحكم بسرعة وكيفية قراءة القارئ لما يكتبه. أحيانًا يجد الفنان أنه من المهم أن يجعلك كقارئ تتوقف. أن تأخذ نفسًا. أو يجعل من الجملةِ نوتة، لتموسق ترتيبَ الأحداث و تخلق شعورًا مختلفًا، مركزًا، باللغة والفواصل والأرقام ووقفات التقاط الأنفاس، كالحزن والغربة هنا:

1- روما اختفت في قبعات السوّاح
وبراميل النبيذ تجرها البغال، والشوارع تختنق بالحجاج وشرطة المرور وباعة اليانصيب البُلهاء، روما –ملتقى الطرق- اختفت في قبعات السوّاح.

2- «فلا تمت من الوحدة»

تقول روزيتا بعينيها «لا تتيبّس في ركن المقهى مثل دودة عجوز، ولا تدع البابا يصيبك بالذعر من نار جهنم» وأومئ لها، وأدعوها إلى قدحٍ من القهوة. كم أتمنى يا سيدتي لو أنني أعرف اللسان الروحي لكي أفهم ما يقوله البابا.. ولكنني مجردُ دودة عجوز.
وتضوع رائحة القهوة. ويتسلق الدخان زجاج النافذة إلى فوهة التهوية عند السقف، ويسعل أحد الروّاد، ويقول لروزيتا هل هو مفلس؟
أجل.

دعيه وشأنه.
أعني إذا كان مفلسًا حقًا، دعيه وشأنه، إن المدينة مليئةٌ بالسوّاح، وتنهض السيّدة، وتترك لي ابتسامة قديمة فوق المنضدة، وأنطوي في الركن وراء جدارٍ لزج من رائحة أحذية الروّاد، وأقضم أظافري.

3- «فلا تمت من الوحدة»
لا تدع الصدأ يأكلك مثل لغمٍ ضائعٍ في الرمل، اشتر لنفسك عاهرة وعلبة تبغ وكثيرًا من الطعام المعلّب، وامش على رأسك إلى القوارب المقلوبة فوق أحجار الليدو، وهناك، أعني تحت أحد القوارب ستقتل وحدتك، وتنعم بالأكاذيب والقصص القديمة المملة إلى حدّ الموت، وتقول لك السيّدة أنك أحسن بضاعة في السوق.

مقطع من نص “المقهى” للصادق النيهوم، تمامًا كما أخرجه كاتبه.

كما قلت، أنني أؤمن أنه في الكتابة الإبداعية الكاتب يتحكم بطريقة التنقيط، ولكن بشكل مدروس يضيف معنى للنص، وليس فقط لمجرد الشكل. كما ألاحظ في بعض النصوص هنا، فليس من المنطقي استخدام علامة تعجّب في نهاية كل جملة أو براگراف فقط لأن شكلها أفضل من النقطة. البعض يستخدم نقطتين متتاليتين وعلامة تعجب كثيرًا في نصوصهم دون حاجة لذلك، ودون غرض فقط لأن ذاكرة أصابعه على الكيبورد اعتادت على ذلك. ما أعنيه أنه إذا لم تعنِ علامات الترقيم التي تأتي في غير مكانها فكرةً أراد الكاتب إيصالها للقارئ فلا حاجة لها والأفضل فنيًا في رأيي أن تستبدل بالعلامة المتعارف عليها، وفي مثالنا النقطتان المتتاليتان.. تستبدل بالفاصلة، أو النقطة، بحسب وضع الجملة السابقة. أيضاً طريقة التنقيط هكذا:

الفاصلة، والنقطة. والنقطتان: وعلامة التعجب! وعلامة الاستفهام؟ كلها علامات تلتصق بالكلمة التي تسبقها. القوسين (القوس الأول يلتصق بالكلمة التي تليه، والثاني يلتصق بالكلمة التي تسبقه) والشرطتان –اللتان تعنيان أن ما بينهما جملة تفسيرية أو عرضية- قاعدتها نفس قاعدة الأقواس، الشرطة الأولى تلتصق بما بعدها، والثانية بما قبلها، وعندما أقول تلتصق، فأنا أعني أنه لا توجد مسافة بينهما. الفاصلة العربية على الكيبورد هي زر الشفت وحرف النون، البعض يستخدم زر الشفت وحرف الواو، وهذه الفاصلة هي الفاصلة الإنگليزية وتشبه حرف واو صغير جدًا.

أخيرًا، عزيزي الكاتب، بهذه الطريقة تجعل النص يبدو متماسكًا، والقارئ الملمّ، سوف يلاحظ ذلك ويعرف أنه يقرأ لشخص ليس مبدعًا وحسب، بل كاتبًا محترفًا ودارسًا لتقنيات الكتابة. علامات التنقيط كثيرة، لكن الوقت وطبيعة هذا الموضوع لا يسمحان لي بالتفصيل أكثر، من أراد القراءة عن جميع الرموز ووظائفها، فهنالك صفحات كثيرة على الإنترنت، التفصيلات والمدارس التي تحدثت عن هذا العلم بشكلٍ موسع متوفرة في مواقع كثيرة باللغة الإنگليزية، وبالعربية بشكلٍ متواضع لكنه مفيد جدًا. أتمنى لكم كتابة موفقة.