ToGoTea

الأرشيف

Daily Archives: أبريل 5, 2007

كثيراً ما تمرّ بنا مواقف نشعر أننا قد عشناها سابقاً رغم أنها تحصل للمرّة الأولى، ثمة شعور لحظي يقنعنا بأننا مررنا بكل تفاصيل ذلك الموقف، نفس الأشخاص المتواجدين وإن كنا لا نعرفهم، الحركات، المكان وطريقة ترتيبه، الأصوات، ولوهلةٍ نرمي بالنظر إلى الأعلى يساراً، ربما، نفكر في الموقف المتكرر بتفاصيله صورة وصوت، سبق وأن عشناه.. نجزم، ولكن لا ندري متى، ولا كيف حصل ذلك!
في عام 1851 أطلق باحث فرنسي مهتم بالظواهر الروحية “بويراك” مسمّى الحالة ” ديجافو” والتي تعني بالفرنسية “شُوهِد سابقاً”، وإلى الآن لا يوجد أيّ تفسير علمي لحقيقة وسبب ذلك الشعور، مجرد نظريات متضاربة: خلل لحظي في الدماغ. أو مجرد التوهم بأنه سبق حدوث التجربة، لأن العقل اللاواعي قام بتسجيلها في زمن متقارب مع عمل العقل الواعي. وهناك من يرى أنّها ذكريات من حياة أخرى عاشتها أرواحنا في زمنٍ مضى!

 
رؤية مختلفة للديجافو، جديدة وفنتازيّة، يخبرنا بها فيلمنا في هذا المقال، الفيلم يحمل نفس الاسم “ديجافو”، أخرج الفيلم “توني سكوت”، وكتبه الثنائي “تيري روسيو، بيل مارسيلي” الكاتبان السنمائيان اللذان أستطاعا أن يُظهرا إمكانياتهما وتوافقهما، من خلال أعمالهم، خصوصاً “شراك2″ و”قراصنة الكاريبي”.

يبدأ فيلم ديجافو بمشهدٍ في “نيو أورلينز” حيثُ تدور قصة الفيلم، تتنقّل الكاميرا خلاله بلقطات متفرقة في الميناء المكتظّ، نسمع أصوات مختلطة، زحام، أحاديث مصطافين، ضحكات ونداءات، أفراد من البحرية، عوائل وأطفال على ظهر العبّارة “نيميز” الموشكة على الإبحار، الكاميرا تستعرض الرّكاب، وبعد مشهد طفل صغير مع والده –لتركيز كمّية التراجيديا التي تضمن صدمةً جيّدة مع الحدث التالي- تنفجر العبّارة مخلفة أكثر من 500 قتيل!
كان مشهداً طويلاً نوعاً ما، بالإضافة إلى أنه في مكانٍ عام ولا يُركزّ على شخصيةٍ محددة، تصوير هذا المشهد مهتزّ، وتم أغلبه عن بُعد، ولم يكن هنالك أيّ حوار، الأمر الذي سرب مللاً مؤقتاً. نكتشف أنه ملل سرعان ما يختفي تدريجياً بعد الإنفجار، إذ تبدأ القصّة المعقدة بشدّنا معها، مع حاجةٍ إلى تركيز وسرعة استيعاب للحوار، أحداث متسارعة حتى نهاية الفيلم، تلك النهاية التي تبرر لنا جيداً سبب إخراج المشهد الأول بتلك الطريقة، الطريقة التي لم تعد مملةً بعد الآن.

هنالك أسماء نثق بفنيّتهم واختيارهم لنوعية الأعمال التي يمثلون بها، لدرجةٍ يتمكن بعضنا أحياناً من أقتناء أي فيلم يشارك به أحد تلك الأسماء، دون قلق، وبارتياح تام، إذ نشعر أن الفيلم سيقدم مادة جيّدة وسيمنح المتعة التي نبحث عنها. بطل هذا الفيلم أحد تلك الأسماء “دينزل واشطن” حيث يقوم بدور “دوغ كارلن” تحرّي في شرطة الميناء، يصل بسيارته بعد الإنفجار، يشرع في عمله محاولاً استكشاف الموقع وجمع معلومات وأدلة عن الجريمة، يلتقي مع أحد العملاء الفيدرليين -الممثل “فال كيلمر”- ولاحترافية دوغ وذكائه، يُستدعى للانضمام إلى فريق فيدرالي المكلف بجمع خيوط الحادثة والتحري لاكتشاف مرتكب العمل الإرهابي، خلال ذلك، تُعرض عليه جثة وُجدت بعيدة عن باقي الجثث، لشابة تدعى “كلير كوتشفر” يُظهر الفحص المبدئي أنها قد تعرضت للاختطاف والضرب وماتت قبل الإنفجار بفترةٍ قصيرة- مثلت الدور “بولا باتن”.
في مقالٍ سابق – مجلة لايف ستايل عدد ديسمبر2006- تحدثت عن فيلم (منزل البحيرة) والذي تدور أحداثه بين عاشقين في زمنين مختلفين، ويتراسلان عبر صندوق البريد، كنتُ قد أشدتُ بفكرة الفيلم بشكلٍ عام، فكرة الزمن وتعقيدها ومدى اتساعها ومتعتها رغم أنها طُرقت بكثرة، وانتقدتُ طريقة تقديم الفيلم لها، وبعض المغالطات والأخطاء، والأحداث الارتجالية، خصوصاً النهاية المجّانية. هذا الفيلم أيضاً قائم على فكرة الزمن، والاتصال عبر زمنين متقاربين، القدرة على العودة وترتيب أحداث مضت. يظهر ذلك عندما يجتمع فريق التحري أمام شاشة كبيرة، تعرض ما تلتقطه كاميرات موجهة من قمر صناعي -وكأننا أمام برنامج غوغل إيرث- ذات دقة عالية وقدرة فنتازيّة تخترق الاسمنت، تعرض ما حدث قبل (أربعة أيام ونصف) في حياة “كلير” بعد أن توقعوا أنها قتلت على يد الإرهابي نفسه الذي قام بالتفجير، كانوا يتحكمون بما تعرضه الكاميرا كيفما شاؤوا بشكلٍ (مباشر). وإجابة على استفسار التحري “دوغ” شرح أحد عناصر الفريق كيفية ذلك، وأشار إلى أنهم تمكنوا بالصدفة من خلال تجاربهم أن يقوموا بطيّ الزمن وجمع طرفيه، ما شكل الزمن؟ تخيّلته هنا سجّادة، طرفٌ يتواجدون به ويشاهدون من خلال الشاشة –حلقة الوصل- ما يحدث على الطرف الآخر.

واشنطن يقرر الانتقال إلى الطرف الآخر من خلال نفق زمني، ومن هنا تبدأ محاولاته بمراوغة ذكاء مرتكب الجريمة، وهو شخصٌ راديكالي يميني يُدعى كارول، وقام بهذا الدور الممثل (جيم كافيزل- Jim Caviezel) الذي على الرغم من لعبه أدوار قصيرة أو غير بطولية في مُعظم أفلامه، إلاّ أنها أدوار عميقة وذات شخصيات مضطربة، فأداؤه وتقمصه لها مُقنع، وكثيراً ما نجده في الأعمال القيمة التي تركز على الناحية الفكرية أو التاريخية أو البُعد الإنساني، ونتذكر من الأفلام التي لعب فيها دور البطولة فلميّ: آلام المسيح، والخط الأحمر الرفيع.

استخدم المُخرج خلال كثير من مشاهد الفيلم، أسلوب التصوير المُقرّب، التركيز على ملامح الوجوه والنظرات لإظهار الاضطرابات البادية وردود الأفعال من خلال إيماءات الوجه، ربما يشعر البعض بأن ذلك يزيد من حدّة توتّر الفيلم من خلال التحديق في عيون الممثلين وكثرة اهتزاز الكاميرا، وربما يشعر البعض أيضاً ببعض المبالغة، لكلٍ ذائقته، ولكن يبقى فيلماً مميزاً ويحمل فكرة عميقة تم التعامل معها بشكلٍ جيّد ومتماسك، يتضح ذلك بالنهاية التي كانت جداً ناجحة ومنطقيّة مُقنعة، إذ تتشعب طوال الفيلم الفكرة وتتعمق إلاّ أن النهاية أعادت الأمور إلى نصابها، ولم يتركنا المخرج متسائلين، بل تمكن من ملء جميع الفراغات، بغض النظر عن مدى واقعية الفكرة. ديجافو فيلم ذكيّ وممتع وهو من الأفلام التي بعد مشاهدتها تبقى مسيطرةً على تفكيرنا لساعات أو لأيام ربما.

 

كتابتي عن الفيلم تمت بعفوية تشبه إلى حدٍّ كبير تلقائية التناقض في مجرياته، وقد أبدو متردداً في تحديد وجهة المقال والقصد منه، ثناء وإعجاب بالفكرة، بالآداء، أم نقداً لفيلم يفتقد إلى الكثير من عناصر الإقناع. أكتبُ على أيّ حال، بناءً على ما شعرتُ بهِ أثناء مشاهدته، وما فكّرتُ به، وردّة فعلي كمُشاهدٍ عاديّ، والإنطباع العام الذي بقي لديّ بعد أن فرغتُ من الفيلم، ومن تبعات التفاصيل العديدة والمتباينة، بين الفكرة الأصلية المُعقّدة والمُحرّضة للخيال، والمَشاهد الجميلة والأخرى الارتجالية بل والمجّانية.
حمل الفيلم مسمّى (منزل البحيرة) وتم إخراجه على يد المُخرج الأرجنتيني (أليخاندرو أغريستي) وهو من بطولة الثنائي الذي قدّم لنا فيلم (سبيد) في جزئه الأول، الممثلَين الأمريكيَين الوسيمَين ”كيانو ريفز” الذي لعب في هذا الفيلم دور المهندس المعماريّ الشاب “آليكس وايلر”، والممثلة الفاتنة ذات الحضور الرشيق والطفولي “ساندرا بولوك” حيث أدّت دور الطبيبة الشابة “كيت فوستر” التي بدأت العمل حديثاً في أحد مستشفيات شيكاغو.

يبدأ الفيلم عند انتقال الطبيبة كيت من سكنها بحزنٍ وتردد، حيث ستفارق منزل البحيرة، ذلك المنزل الزجاجيّ من جهاته الأربع، العائم بأعمدتهِ على ضفّة بحيرة مشيغان، بدت كيت تعيسةً وهي تودع المنزل في جوٍّ صيفيٍّ عليل ونقيّ، بصحبة كلبها “جاك”، لتسكن في شقةٍ قريبةٍ من المستشفى، مقرّ عملها. وما هي إلاّ مشهدين حتّى تعود الكاميرا بنا إلى منزل البحيرة، وقد بدا هذه المرّة وكأنه مهجور منذ سنوات، يتوقف مالكه الجديد المهندس المعماري آليكس بشاحنته الصغيرة المحمّلة بالأمتعة، وفي طقسٍ شتويّ مُثلج يقوم آليكس بنقل أغراضه إلى داخل منزل البحيرة، ليبدأ العمل على تنظيفه وإصلاح أعطابهِ وتجديد طلائه حتى عاد صالحاً للسكن، رغم أنّه منزل شفاف فاقد لأدنى درجات الخصوصية.

تعود كيت إلى منزل البحيرة وتضع رسالةً في صندوق البريد المعدني المثبّت على قائمٍ خشبيّ مغروس أمام المنزل، يشبه تماماً صناديق البريد المنحوتة في ذاكرتنا منذ أيام الطفولة حيثُ تُعرض تلك الصناديق بكثرة في أفلام كرتونية مختلفة، لتستمرّ معنا نفس الصورة التقليدية لصندوق البريد حتى نكبر ونشاهدها في هذا الفيلم دون أن تلفت انتباهنا لأنها مألوفةٌ، على الرغم من أن عتبات بيوتنا خالية من مثلها، عموماً يبدو أن الحديث عن ذلك الصندوق السحريّ سيجعلنا نستطردُ كثيراً لما يحملهُ من ارتباطاتٍ في الذاكرة.
نعود إلى كيت التي وضعت رسالتها في الصندوق، لأنها حديثة الإنتقال فهي تحتمل أن ثمة رسائل ستأتيها على عنوانها القديم، لذلك طلبت في رسالتها إلى الساكن الجديد أن يقوم بتحويل أيّ رسائل باسمها إلى عنوانها الجديد. من هنا تبدأ الفكرة بالتذبذب لدى المشاهد، وليست سوى دقائق حتّى يتضح أننا نشاهد فيلماً يحاول أن يعيد لنا عقدة التفكير في قضية أزلية، والقائمة إلى يومنا، والمرتبطة بحياتنا، والمتسببة في رسوبِ البعض في مادة الفيزياء بالمرحلة الثانوية، فكرة الزمن المعقّدة، وسرعان ما نجد أنفسنا نتذكر النظرية النسبية لآينشتاين، والضوء، وأمنيات السفر عبر الزمن. من الرسالة تتضح المفارقة لدى آليكس، فهي موقعة بتاريخ 2006 في حين أنّ آليكس يقرأها في 2004، الرسالة كُتبت في المُستقبل، سنتان تفصل بينهما. ويجمعهما صندوق البريد الذي تحوّل إلى غرفة دردشة كما يظهر للمشاهدين، الإثنان يقفان أمام نفس الصندوق، يكتبان الرسائل لبعضهما، يسألها آليكس عن المستقبل، وتخبره بأن لا جديد، وتستمرّ الأحداث بخيالها العلمي الذي ينقصة بعض الإقناع، ويتحولان إلى عاشقين مناسبين لبعضهما تماماً، فقد وُجدا في المكان الصحيح، واتضح أنهما يتفقان في عدّة أمور، علاقةٌ كانت ستبدو ناجحة وسعيدة، لولا أنهما وُجدا في توقيتٍ خاطئ، فثمة زمنٍ يحتاج إلى إعادة ترتيب، سنتان تحتاج إلى اختزال.

أنا لا أرتدي ساعة يدّ، لأنني أكره الانتظار. الانتظار ممل بالتأكيد، وسيكون مملاً ومرهقاً بشكلٍ أكبر، عندما يكونُ انتظاراً معقداً كالذي يحصلُ مع كيت وآليكس لأجل يلتقيان. فقد أصبحا كمسافرين في قطارٍ واحد يتكون من عدّة عربات مغلقة، كيت في أول مقطورة تنتظرُ وصول آليكس الذي يجلس آخر مقطورة! هذا الإنتظار الممل هو عقدة الفيلم، إلى جانب الفكرة الأساسية التي كانت ستظهر بشكلٍ أفضل لو صُححت بعض الأحداث.
نهاية الفيلم كانت سعيدة، وهي ما يتمناه المُشاهد الذي يكتفي بالتعاطف مع أبطال الفيلم، لكنها غير مُرضية لمن يبحث عن أشياء أكبر، لأنه بعد أن حاول طوال الفيلم أن يتجاوز أخطاء صغيرة تقديراً للفكرة العامة والعميقة للفيلم، سيجد نفسه أمام نهايةٍ غير منطقيّة تمّ صرفها بالمجّان لجمهور المُتابعين. وعلى أيّ حال، إذا سألني أحد عن رأيي عن هذا الفيلم بشكلٍ عام، فسأقول أن فيلما استطاع أن يجعلنا نتفاعل معه ونجاريه بالخيال والتفكير ومن ثم الكتابة عنه، هو بالتأكيد فيلم لا يخلو من متعة ويستحقّ المشاهدة.

 

بعيداً عن أفلام الحروب الأمريكيّة ذات النهايات المنتصرة والسعيدة وعن الطابور الطويل من السوبرمانات ذوي القوى الخارقة الذين يؤدون أدوار البطولة فيها. بعيداً عن أيّ فيلمٍ يروّج لفكرة رجل المارينز الذي يخوض حرباً ويقارع جيشاً كاملاً، يفجر الطائرات والمباني والسيارات ومن ثم يعود إلى بلاده منتصراً حاملاً الشريحة الالكترونية المسروقة، أو الفتاة الرهينة، يعود ومعه كل الأشياء المطلوبة والمبهجة، ثم يحتفل ويتزوج الرهينة التي أنقذها وإلى آخره من المشاهد المتكررة في هذه النوعية من الأفلام! بعيداً عن كلّ ما سبق، يأتي فيلم (JARHEAD) حقيقياً ومنطقياً، يأتي مختلفاً ويركزُ على تلك التفاصيل والزوايا السيكولوجية الغامضة بداخل البيادق البشريّة في الحروب، تفاصيل المأساة التي تتكون ليس بالضرورة من الألم أو الدماء بل تلك التي تخلقها منظومةٌ متتاليةٌ من تقنيةٍ عسكرية مجحفة وعلاقاتٍ اجتماعيةٍ مضطربة وغربةٍ وتناقضاتٍ وحياة كاملة كأيّ حياة، هذا الفيلم يسلط الضوء على الاعتراك الانساني داخل الفرد بالزيّ العسكريّ. الفيلم من إخراج الفائز بجائزة الأوسكار، الذي يعرف كيف يصنع الدهشة من تفاصيل الصور والأحداث، المخرج “سام ميندز” وهو فيلمه الثالث بعد أن أبهرنا بفلميه السابقين فيلم “آميركان بيوتي” الذي رُشّح لثمان جوائز أوسكار، وفيلم “رود تو باردتشن”.
 الجميل والمحرّض لمشاهدة فيلم “جارهد” هو أنه مقتبسٌ من قصة حقيقيّة، فقد استند على كتاب مذكرات الجندي سوافرد، جندي قنّاص من قوات البحرية الأمريكية الذين شاركوا في حرب الخليج الأولى عاصفة الصحراء، فقد سرد في كتابه الذي نشر في 2003 قصته أثناء الحرب، والملفت أن الكتاب قضى تسعة أسابيع على قائمة النيويورك تايمز ضمن الكتب الأكثر رواجاً، ولازال إلى الآن من أكثر الكتبِ رواجاً في أمريكا. (القصة؛ رجلٌ يطلق النار من بندقيتهِ عدة سنوات، ثم يذهب للحرب، وبعد انتهائها؛ يعيد بندقيته للجيش ويعتقد أنه تخلص منها، ولكن مهما كان ما يفعله.. يحبّ امرأةً.. يؤسس منزلاً.. يغيّر حفاظات ابنه.. فإن يداه لا تتذكران.. غير البندقيّة!) هكذا يبدأ الفيلم بالمنولوج السابق بصوت الممثل الشاب بطل هذا الفيلم “جاك جايلنهال” الذي يذهلنا دائماً بأدائه المتقن للأدوار، وهنا يلعب دور “سوافرد”  جندي في العشرين من عمره في قوات المارينز.
 تطلق كلمة “جارهد” على جندي البحرية ومعناها “الرأس الجرّة” لأنهم يحلقون رؤسهم على شكل شفة مزمومة، هذه الجرار البشريّة تُفرّغ من مكتسباتها الإنسانية الماضية وتعبّأ من جديد بمفهومٍ عسكري. يقول سوافرد بداخل الفيلم: (تشير المضامين إلى أن رأس جندي المارينز تشبه الجرّة، وعاء فارغ!) وهكذا تسير أحداث الفيلم متتاليةً على هذا الغرار من المنولوجات الداخلية للبطل سوافرد، هذا الشاب الذي يحب القراءة والتأمل وجد نفسه جندي قنّاص في السرية الثانية فصيل الخليج، وجد نفسه يتعرّق في الصحراء ببزّةٍ عسكريةٍ ثقيلة، ويمارسُ تقنياتٍ مقترحةٍ محاولاً تجنّب الوحدة المملّة.  برز في الفيلم أيضاً، الممثل الحائز على الأوسكار “جيمي فوكس” حيث أدّى دور الرقيب أول Sykes ذلك الذي يقضي حياته في تدريب الجنود وفي المهمات الحربية مع البنادق والنار والنظام العسكري الصارم في الحروب، يقوم بإعداد المستجدين من الجنود كي يعرفوا حقيقة الحرب، يخاطبهم قائلاً: (في الحرب إذا ضحكتم ستموتون، إذا قمتم بحك أنوفكم ستموتون، إذا ذهبتم لقضاء حاجتكم ستموتون فلتفعلوها في بناطيلكم. سيكون تمويهكم كاملاً، ستكونون شجراً، أو صخراً، ستصبحون وحلاً أو رملاً، أو حتّى غباراً.) لكن تتضح الحقيقة المرهفة لهذا الرقيب القاسي، عندما يكونون على الحدود، بعد قصفٍ خاطئ من طائرات تابعة لهم، وبعد حالاتٍ من الهستيريا ألمّت بأحد الجنود، تتضح حقيقة هذا الرقيب وهو يتحدث للجندي سوافرد: (كان بإمكاني أن أعمل مع أخي آلن في الديار، كان بإمكاني أن أكون شريكه، فقد قال أنه سيعطيني تلك السيارة الدودج الجديدة) قال هذا وهو يستعيدُ ذكريات، ويتحدث كطفل. هذا الفيلم تصويرٌ حقيقيّ للحالة الإنسانية المتاهلكة في الحرب، دون النظر إلى الفوارق الآيدلوجية أو الإنتماءات السياسية، إنه يركز على حالةٍ لم يتم تصويرها كثيراً، إنه يظهر الأزمات النفسية التي يمر بها الجنود، ويظهر تلك الفكرة الصغيرة التي تبدأ كرغبة في إطلاق النار، حتى تتأزم وتصبح هماً وطموحاً وحالةً هستيرية وجنونية، ويظهر الدمار الذي يرتكبه البشر في حقّ أنفسهم، وفي حقّ الطبيعة والمخلوقات الأخرى، وتتجلى هذه الصورة بالذات عندما كان الجندي سوافرد يسير بين آبار النفط المشتعلة، والسماء السوداء تمطر نفطاً، وفجأة ظهر ذلك الحصان المتهالك من بين الأدخنة، كان مغطىً بالنفط ويتنفس بصعوبة، عندما تشاهد تلك اللقطة لن تتساءل حينها من جاء هذا الحصان؟ أو كيف وصل إلى هنا؟ بل ستنسى كلّ شيء، وتتجاهل جميع الاستفهامات الطارئة، وتتماهى مع مشهدٍ يختزلُ كثيراً من الكلام، حيث يقف سوافرد وهو يربّتُ على رأس الحصان ويقول (أنا آسف) وكأنه يعتذر للحصان نيابةً عن البشريّة كلها؛ لما ترتكبه من جرمٍ بحقّ الطبيعة والحياة.  إن الحديث عن جارهِد كثير ومغري، ولكني سأقف، كي لا أُنقص لذة المشاهدة الأولى لمن لم يشاهده. بقي لدي شيء وحيد أود قوله: صحيح أنّهم يعودون إلى منازلهم عندما تنتهي الحرب، ثمة حقيقة يكتشفونها فيما بعد؛ أنهم خلفوا وتركوا وراءهم الكثير، عادوا بأجسادهم فقط. قال سوافرد في نهاية الفيلم: (القصّة.. رجلٌ يطلق النار من بندقيته عدة سنوات، ثم يذهب للحرب، وبعد فترة يعود للديار.. ويكتشف أنه مهما فعل في حياته.. يبني منزلاً.. يحبّ امرأةً.. يغيّر حفاظات ابنه.. سيبقى دائماً.. أحمق! وكل الحمقى الذين يقتلون ويموتون سيكونون أنا.. فنحن ما زلنا في الصحراء!)

 سبتمبر 2006

إضافة:
بعد أن كتبت المقال وتم نشرهُ في مجلة لايف ستايل، شاهدتُ فيلم “ذي ثِن رِد لاين” الذي عُرض عام 98، اكتشفت أن فكرة “جارهد” طُرقت مسبقاً، ولكن بحربٍ أخرى، وبمعالجةٍ أخرى. شعرتُ أنه  أجدر بالكتابة عنه.عموماً مثل هذه الأفكار بشكلٍ عام تجذبني.  لذا فهذا المقال ليس عن جارهد فقط، بل عن الفكرة التي تسلط الضوء على إنسانية الجندي وصراعه النفسي وكلّ ما يعترك بداخله وهو في ساحة حرب، عن الفكرة التي تظهر الوجه الحقيقي للحرب، الوجه الذي لن يختلف، سواء انتصار أو هزيمة، يبقى مسخاً مشوّها.

 

مذكرات درّاجة ناريّة، كتبها أحد أشهر الزعماء الثوريين في القرن العشرين، إرنيستو غيفارا، والمشهور بـ غيفارا؛ وهنا أتحدثُ عنها كفيلم سينمائي لا يستطيع المُشاهد أن يتجاوزه دون أن يتحدث عنه، ولو كان همساً عابراً لصديق ما، بل لا يستطيع أن يتجاوز الفيلم دون أن يبقى ويلتصق بذاكرته كحدثٍ تاريخيٍ حقيقيّ، خُلقت خلاله أفكار لن أقول غيرت الحياة البشرية في هذا القرن –مع أنني لن أبالغ إذا قلت ذلك- بل سأكتفي بقول أنها أفكار غيّرت بشكلٍ تام مسار حياة شابٍ في الثالثةِ والعشرين من عمره، وجعلته ينتقل من طالبٍ خريج في كلية الطبّ؛ إلى رمزٍ مناضلٍ ضدّ الاستعمار والظلم والماديّة التي داست على إنسانية شعوب أمريكا اللاتينية حينها.

الفيلم بطبيعة الحال لاتيني، أي أنه مُثل باللغة الأسبانية. وجرت أحداث قصّته في عام 1952م. حيث قرر إرنيستو غيفارا والذي لعب دوره الممثل (غيل غراسيا برنال) وصديقه المتخصص في الكيمياء الحيويّة ألبرتو غراندو 29 سنة وقام بأداء دوره الممثل (رودريغو دي لاسيرنا)، قررا أن يجربا المغامرة في رحلةٍ طويلة، قبل أن ينهمكا في حياتهما العمليّة، غادرا بلدتهما في بوينس آيرس –الأرجنتين، في رحلةٍ على درّاجة ألبرتو الناريّة، بهدف التجوال واكتشاف أمريكا اللاتينية. سارا على طول الساحل التشيلي بمخططٍ مُعدّ مسبقاً، وبدراجةٍ متهالكةٍ محمّلة بأمتعةٍ كثيرةٍ تتجاوز طاقتها بكثير.

وفقاً للمخطط فإن الرحلة تنتهي في فنزولا حيث سيحتفل ألبرتو بعيد ميلاده الثلاثين هناك. خلال الطريق كانا يمرّان بمشاكل وعثرات ومواقف منها الحرج ومنها الحزين ومنها الطريف، كأن تتعطل الدراجة في حين، ويتعرضان للسقوط من عليها في أحيان أخرى، أو حتى الإرتطام ببقرة على الطريق كما حدث فعلاً.

في الطريق، تبدأ الأفكار بالتحوّل تدريجياً، عندما تفاجئمها الحقيقة، الحقيقة التي تظهر على وجوه السكان الأصليين من هنود أمريكا اللاتينية، الحقيقة التي تغطي سحنات الفقراء ممن أُغتصبت أراضيهم من قبل شركات خارجية، الحقيقة التي تلمع في أعين أطفالٍ مشردين، ونساءٍ وعجائز وشيوخ يتوزعون في بيوتٍ بلا أسقف، يخبّئون حنقهم وعجزهم وفاقتهم، يكبتون ذلك في سبيل توفير لقمة عيش لأطفالهم.  تأثّر الصديقان بما شاهداه. غيفارا المرهف والذي كان كثيراً ما يكتبُ خلال الرحلة، غيفارا المرهف كان الأكثر تأثراً بما يجري حوله، أناس يطردون من بيوتهم وأراضيهم، ومن ثم يعودون إليها كعمّال وصبيان تحت رحمة المغتصب، يعودون بدافعِ الجوع والمرض.

بدأ غيفارا -في تلك المرحلة- يعيش صراعاً داخلياً وشعوراً بالمسؤولية ورغبة بالتغيير والمساعدة، تعاطفاً مع كمية التعاسة التي شاهدها، رغم أنه قادم من بلدٍ آخر لا يحتوي على هذا الكم من البؤس، إلاّ أن القضية ليست قضيّة انتماءات، والتعاطف والتفاعل معها غير مرتبطٍ بحدود وجوازات، القضية قبلّ أي شيء؛ هي قضيّة إنسان. قبل نهاية الرحلة وصلا إلى منطقةِ عزلٍ لمرضى الجُذام، على ضفاف نهر الأمازون، وعملا هناك كطبيبين متطوعين، بقيا أياماً في تلك المنطقة، وساهما في تغيير الكثير نحو الأفضل، وهناك كان غيفارا قد عقد العزم، وقررّ مصيره بصمت. بعد رحيلهما عبر النهر في قاربٍ صنعهُ -حباً بهما وبأخلاقهما- الأطباء ومرضى الجذام وأهدوه لهما، افترقا ليواجه كلّ قدره وحياته، ذهب ألبرتو إلى فنزويلاّ، وكان قدر غيفارا أن يرسم تاريخاً جديداً، ويثور في وجه العالم، ضدّ الظلم والاستعمار.

بقي أن أتحدث عن الإخراج، فقد ظهر الفيلم بحلّةٍ عفويّةٍ وطبيعيّةٍ وبتصويرٍ غير معقد، ومن رأيي أنه يتماشى مع واقعية القصّة، كامرتان أو كاميرا متحرّكة فقط، دون الحاجة إلى الكثير من التأثيرات الإخراجية، الأمر الذي يضع المُشاهد بداخل المشهد ويقرّبهُ من الشخصيات ليتفاعل وكأنه يقف معهم، تم ذلك على يد الحائز على عدّة جوائز السنمائية عالمية المخرج [والتر سليس]. الجميل أن قصة الفيلم ليست بغريبةٍ على والتر كما أنها بطبيعة الحال ليست غريبة على المجتمع اللاتيني وعلينا أيضاً بل على العالم ككلّ، فكتاب (مذكرات دراجة نارية) من الكتب المشهورة عالمياً لارتباطها بقضيّة وثورة ووقتٌ بارز في التاريخ.


يقول المخرج والتر سليس في أحد لقاءاته الصحافية (كان للكتاب تأثير حقيقيّ عليّ، ليس فقط لأنها مذكرات غيفارا في رحلته لاكتشاف مكانه في العالم، بل لأنها أيضاً مذكرات في رحلةٍ أوجدت ما يسمّى بالهوية الأمريكية اللاتينية). أعجبتني جملة كُتبت على غلاف الفيلم، وبها أختم هذا المقال المتواضع عن الفيلم:

(دع العالم يُغيّرك، عندها تستطيع أن تُغيّر العالم!)

أبدو كاحتمالٍ واردٍ جداً، سأحدثُ في أيّةِ لحظة.

أبي العزيز أينما كنت الآن.. أكتبُ لك للمرّة الأولى، وأخصّكَ بصفحاتي الأخيرة من هذه المدوّنة، أريدُ أن تعرفني تمهيداً للقائنا المرتقب. بالمناسبة، أنا من النوع الذي يرتَبكُ عندما يُعرّف بنفسه، أقع تحت ضغط احتمالاتي النرجسيّة التي أتجاهلها كثيراً.

أنا ابنكَ المرتبطُ بالاحتمالات، أسيرُ جوارها، أنا من يجيدُ لغتها، أنا ابنكَ الذي نتأ على الأرض في الوقتِ الذي قذفوا بك من السماء، من مروحيّةٍ أنتَ وعشرات السجناء على يد القائد جاك ماسو ورفاقه، لتمسي رقماً من مليون ونصف المليون رقم من الشهداء. لقد أخبرني بذلك عمّي الذي هرَّبَنا إلى فرنسا، كنتُ رضيعاً بحِجرِ والدتي، كبرتُ وهو يخبرني عن أسرار حربكم، لم يكن ينسى شيئاً طيلة حياته، أو لأكن أكثرَ مصداقيّةً، لقد فعل ذلك مرّةً واحدة، عندما نسيَ أنّ أغلب سائقي الشاحنات في (كليرمون فيران) لا يكترثون بمن يقطع الطريق دون أن ينظر لكلا الاتجاهين، فمات.

أنا أيضاً، وُلدتُ على هيئةِ احتمالٍ بالموت نسبتهُ 80%، خرجتُ معلقاً بالحبل السرّي، ونظرات والدتي المتشنّجة، ومائة حبلٍ نسبيّ اخترتُ منها ما يخصّ الاحتمال المحرِّض، احتمال البقاء، مخيّباً بفعلي ظنّ ثمانين حبلٍ خاصٍ باحتمال النفاد، وبالطبع سأفعل، لأنني كنتُ قادماً من الفَنَاءِ على أيّ حال. بالمناسبة إن (الفَنَاء) هو الاحتمال رقم (3) من القائمة الخاصّة بمكان إقامتك الحاليّة، فأنا على مدى هذهِ السنين لا زلتُ غير قادرٍ على تحديد الأكيد، سأفعل قريباً، وقد يتم ذلك دونَ تلوين.

حسنٌ، دعني أوضّح جزئيّة التلوين.. أنا يا والدي اكتشفتُ أنّ الحياة ليست سوى مصنعٍ كبيرٍ للاحتمالات، ولا مناص من أن تكونَ بدايتهُ على يدِ أحد احتمالين، ماورائيّ، يقضي بالإيمان المطلق بالغيب، بالله. والآخرُ يفيد بصدفةِ بدءٍ محضة، أي أن الاحتمالات -في نقطةٍ قديمةٍ من الوقت- صنعت بدايتها بالصدفة، وبالنسبةِ لي لا أعتقدُ بالصدف كثيراً. أما نحن، أعني الأحياء، فإننا نخضع لاحتمالين أيضاً، الغياب –أنتَ تعرفهُ جيّداً- وهو احتمالٌ مسيطر، يفرضُ نفسه بالتأكيد، وأسمعُ همسهُ الآن. والثاني هو الحضور، التواجد بالحياة، التواجد كنوعٍ ضروري لتجسيدِ عمالةٍ جيّدةٍ لصنع احتمالاتٍ مختلفة: فكريّة، هوائيّة، ورقية، سائلة، احتمالات تحفظ بعيداً عن متناول الأطفال، معلّبة، شهوانيّة، دمويّة، احتمالات مخصصة للرؤوس التي تُعبّأ من الأمام، وأخرى للمعبّأة باحتمالات قديمة.. إلخ، والبشر أفضل صانعي الاحتمالات، جميعهم يفعل بجدارة؛ المتشردّون، رجال الأمن، الفلكيون، السَّاسة، الفلاسفة، المُحقّقون، الأطباء، الفيزيائيون، الهاربون، حتّى رجال الدين؛ إنهم مجرّد مستنتجي وصانعي احتمالات في واقع الأمر، ونصف عمَلهم قائمٌ على تعزيز ما يصنعون، ليتسنى لهم تطبيق النصف الآخر!

أعتقدُ أنّك ستقول بهلوستي، ولن أكترث بقولك، لأني أعي أتني شخصٌ عادي، شخصٌ فهمَ اللعبة جيداً. أنا أكتبُ قوائمَ بما ستؤول إليه الأشياء التي أهتم بها، وإذا قُضيَ أمرُ قائمة فيما بعد، أُلوّن احتمالاتِها باستثناء الصحيح الذي لا أستطيعُ تلوينهُ، لأنه –تماماً- كدقيقةٍ مضت لا أحد يستطيع عيشها والتصرف بها مجدداً. وهذا يا أبي كثيراً ما يُفقدني القدرة على الشعور بالمفاجآت. مثلما حدث مع بدء الأزمة العراقية –إذا كانت أخبارنا لا تصلكم فيؤسفني إخبارك بأن العراق سقطت، كبقيّة الأشياء التي تسقط- حين كتبتُ كلّ القرارات المحتمل صدورها من قبل الأطراف الكثيرة في القضية، والاحتمالات التابعة لكلّ قرارٍ قد يُتّخذ، وردَّة الفعل التي ستحدث على أرضِ الواقع لكلّ التابعات، النتيجة: إنني لا أتفاجأ الآن بأي حدثٍ جديدٍ في العراق، فجميعها –بالنسبةِ لي- مجرد احتمالات غير ملوّنة! إن ما قلتهُ –من أمورٍ قد تُصوِّر حياتي صارمةً ومملة- لا ينفي أنني أُرفّهُ عن نفسي كثيراً، حتّى عندما أقوم بوضعِ احتمالات، هذا بحدّ ذاته فعلٌ مُسلٍ جداً.

سأخبرك بموقفٍ تذكرتهُ الآن، ولك أن تضحك: ذهبتُ لحضور مباراة ليون وباريس سان جيرمان الأخيرة، جربتُ حينها كتابة احتمالات لنتيجة المباراة، لكني لم أشعر بحماسٍ تجاه هذه التجربة ولم أتابع المباراة جيّداً على أيّ حال، فقد أخذتُ أتسلّى خلال الشوط الثاني بالتفكير في الاحتمالات التي من الممكن أن تُجبر حكم الخطّ -الذي كان وحيداً في جهتهِ- على رفع الراية أو الجري إلى الداخل، في الوقت الذي كانت هجمات ليون متتاليةً في الجهةِ الأخرى من الملعب، كانت احتمالات قليلة جداً، مضحكة وغير متوقعّة، مثل اختناق حارس ليون بغطاء قارورة ماء، أو مطاردتهِ من قبل كلب مسعور فقد قرأتُ قبل فترة أن هذا احتمال ممكنٌ في السعوديّة.

صحيح، لم أخبرك بعد أنني في مكّة، لقد وصلتُ قبل يومين، كان الدافع رغبةً بتلبيةِ حاجتي إلى الموازنة بإضفاء عناصر روحانيّة، حاجتي إلى شعورٍ بتقليصِ الاحتمالات الواقعيّة والمنطقيّة، كنتُ أحتملٌ بأني سألمسُ عن قرب الرابطَ اللاهوتيّ الذي يسمحُ لي بالبكاء دون وضع مبرراتٍ مُقنعة، أو إيجاد الدافع الحقيقي وراء الخوف من الغيب. كنتُ أحتملُ أنني سأمرّ بتجربةٍ جديدةٍ تمكّنني، على الأقل، من تكوينِ احتمالاتٍ صحيحةٍ لمشاعر من يقوم بمعاقبة شرٍّ مجازيٍ بالجمرات، أو تجريب القدرة على القيام بمناجاة حاضرة الطرفين مع الله أمام الكعبة، لكنّني تخلّيتُ عن كلّ الدوافع السابقة اليوم، فقد بدأتُ أسمعُ همسَ احتمالاتِ الموت وبشكلٍ جادّ.

لذلك أكتب لك وأنا احتمالٌ مُلِحّ.

أكتبُ لكَ من حجرةٍ في فندق (لؤلؤة الخير) الموشك على الانهيار، إن بنايةً ضيّقةً، قديمةً، متهالكةً، وبطولِ أربعةِ أدوار؛ لن تتمكن من الصمود وهي تحتضنُ أكثر من مائتي حاجّ. لقد رأيتُ الشقوق تتمدد في سقف الحجرةِ بالأمس، كنتُ أتأمل حركتها قبل أن أنام! استيقظت على صوتُ أذان الفجر وهمسِ احتمالات الموت، وها أكتبُ لكَ بعد أن مضت ستّ ساعاتٍ تقريباً، خرجتُ خلالها خمسَ مراتٍ إلى الشارع، إلاّ أنني أطردُ أفكاري وأعود لألوّنها، وفي طريقي أتساءل عن مدى إمكانية توفير علبةَ ألوان للقاطنين في مكان ما بعد الموت! سرعان ما يقطعُ شرودي صوت احتمالاتي الممكنةِ جدّاً، أنتَ تتذكر ذلك الصوت، وعمّي -الذي لم ينسَ سوى مرّة- يتذكّرهُ أيضاً، أليسَ همساً غريباً يا والدي؟ والأغرب أنهُ لا يُخيفني الآن، اعتدتُ عليه بمضي الدقائق وانتشيت، إنهُ كأشياء نجهلها في طفولتنا، كصوت الآباء الذين يموتون باكراً، وكانعدام الصوت قبل حدوث الكوارث، إنهُ صوتُ الجري نحو السّلم عندما يكونُ احتمال سقوط جدارٍ إسمنتيّ أو بابٍ أو ثلاجةٍ حتّى أو ثمانين حبلٍ.. أسرعُ من الوقت المحتمل للنجاة.

تمّت في 27 أبريل 2006

 __________________________

إيلاف- مكة المكرمة «السعودية» 6 يناير2006: روى ناجون من حادث انهيار فندق (لؤلؤة الخير) هولَ الحادث الذي أسفر عن سقوط 76 قتيلاً على الأقل في موسم الحج. وقال الفرنسي من أصل جزائري طيب ميزاشا – 74 عاماً (كنت قد عدتُ للتو من صلاة الظهر عندما سمعت صوتاً رهيباً، اعتقدتُ أنه زلزال). وأكد ميزاشا أن أخبار 17 فرنسياً آخرين من أصلٍ جزائري انقطعت، وقد جاؤوا في إطار مجموعة من الحجاج من مدينة كليرمون-فيران الفرنسية.

لا أريدُ النوم لكني أطفأتُ نور حجرتي الآن؛ في الساعة الثانية من منتصفِ الوِحدة، حيثُ لا شيء يفصلُ بين الشِّعرِ وشَعرُ حاجبي الأيمن، بين الخيال والحقيقة المطلقة، بين التعبير وعدم القدرة على الحديث، في الثواني الأولى من منتصف الأحداث السابقة حيثُ لا حواجز بين استيقاظي الساعة العاشرة مساءً وبين المحاضرة الأولى اليوم، بين حذائي والصرصار، بين كأسِ الشاي وهاتفي المُغلق، بين الليل، النهار، الصلوات الخمس، أبو جهل، الأصدقاء، الفئة الضّالة، رواية موريسون، لقاء الماغوط، مقاطع، مطر الرياض، الغائبة، سجائر دافيدوف، فيلم The Game ، أعطاب سيارتي، العادة السرّية، المدير، صديقة، اللغة الهيروغليفيّة، رائحة المكيّف، الإنترنت، شحّ الكتابة.. إلخ.. وبيني.

بيني وبين والأيام الشاسعة والممتلئة كعواصم الدولِ النامية، بيني وبين إطفائي للنور قبل قليل وصورة صديقٍ مسجون، بيني وبين الحلم في الساعة الثانية وخمسُ دقائق من منتصفِ الأشياء، حيثُ لا فرق ولا تناقض، أجلسُ أمام الشاشة كموظفِ حجز، ولن أنهض حتّى أقطع جميع التذاكر –قتلتُ ذبابةً كانت تسير على الشاشة الآن- لن أنهض حتّى أنهي هذا الزحام، لابدّ أن يتاح مجالٌ للصدّى حالاً، لابدّ أن يعود الفراغ ولو لساعةٍ واحدةٍ من منتصف جميلٍ وغائب.

لذا سأكتب رغماً عن تداخلِ كلّ شيءِ وامتلاء الوقت ونصفهُ الأول، سأكتبُ والذبابة التي قتلتها سقطت على زرّ F5 ، أزحتها بيدي -لا أعتبر هذا تصرفاً مُقرفاً على أيّة حال- إنني أستخدمُ يدي في أشياء كثيرة، شيءٌ طبيعي بالنسبةِ لابتكارٍ مذهل كاليد، أستخدمها لشربِ الشاي، التدخين، وسرقة حلوى وأشياء بحجم الجيب من دكان في منتصفِ الطفولة، أستخدمها لمسح عيني ولبس العدسات، أستخدمها لتأدية حركات شوارع، وفي مرات نادرة جداً استخدمتها بالتربيت وتمرير ارتعاشات الأصابع على عنبٍ رطب، أستخدمها لتقطيع البرتقال وقياس نبضي ومصافحة الناس، أما الآن فأبسطها على الكيبورد وأكتب.

لا أريدُ أن أكتبَ النصف الأول من الكتابة، كعادة الأشياء التي نكتبها في الأوقات التي يكتبُ فيها الآخرون، بل أريدُ أن أكتبَ الأشياء التي لا نكتبها بمنتصفِ الأوقات التي ينشغلُ فيها الآخرون بكتابةِ النصف القديم. أريدُ أن أكتب كما أشعرُ الآن، وأريدُ أيضاً أن أقف قبالةَ اللغة، أمسكُ بخصرها، أن أرقص معها التانجو مثلاً ولا أُقبّلها، بل أقبضُ أُكرة قاموسها ونحوها وإملائها ودلالات كلماتها، وأُقلّبها بين يدي كخبّازٍ يتفننُ في صنع (تميسٍ) ثم يقذفُ بها في النار.

أريدُ أن أكتبَ عن منتصفِ بلد، عن أنصاف حقوق، عن منتصفِ مواسمِ تحليقِ الطيور، عن غياب الثلج أيضاً، وعن الجناحِ الواحدِ لبلبلٍ في قفص، وعن إمكانيةِ تصفيقِ يدِ واحدةِ لمن يجلس في مسرح كوميديّ، أريدُ أن أصفَ في كتابتي حلماً مثل أحلامي التي لا أتذكرها، كأن أكتبُ:

«رأيتُ أنني أجلسُ على رصيفٍ كعادة المتشردين، لكنني كنتُ متكئاً كشيخٍ في البادية، ورأيتُ النمل يأتيني بالجبايةِ من المتكئين على أسرَّة، جاء النملُ بأشياء كثيرة، قضبان الحديد، سيوف، كتب الدم، صمغ في عبوات “لابيلو” وأحمر شفاه، مشالح، روائح كمبوديّة، خيزران ومايكروفونات، أقفال للرؤوس، دُمى لا تستخدم للعروض الأراغوزيّة، وشبك عنكبوتٍ تلتصق به حشرات انقرضت والعديد من الأفكار، ورأيتُ أنني أضعُ الجباية في فم كلب، ثم تحوّل إلى جمل، كان يمضغها كجملٍ شاهدتهُ قبل عام.»

لكني لا أتذكرُ أحلامي على أيّة حال.

أريدُ أن أكتبَ لله عن شعوري بالوحدة، عن شعوري إنَّ يدي رغمَ اعترافي السابق بتعدد استخداماتها إلاّ إنها لا تتمكن من فكّ أزرار قميصي، أريدُ أن أحكي لهُ كيفَ هي قمصاننا، نلبسها بكلّ الفصول. أريدُ أن أكتبَ لمن يتمكن من التنفيذ بأسرعِ وقت، أكرهُ الانتظار، أريدُ أن أكتبَ لبلدان بعيدة، أخبرهم بأنني أجيدُ قيادة السيارة، والكتابة عن الأفلام، والتحقيقات والتقارير الصحافية الثقافية، أجيدُ لغة ونصف إضافةً للغتي الأم وعلى استعداد لتعلم لغتين أُخريين، أجيد الكاراتيه، تكوين العلاقات، إطفاء الأنوار، قتل الذباب، أجيدُ الزراعة وتشريح الفئران، رسم الكاريكاتير والبورتريهات، أخبرهم أنني أملكُ خبرةً في الأعمال الفندقيّة، وأنني قارئٌ جيّد للأدب الروسي والأوروبي والأمريكي، بالإضافة إلى بعض القراءات في الأدب الياباني، متصالحٌ مع الآخر، أحبّ الموسيقى الهادئة، الشاي وسجائر دافيدوف، ترتيب الأغراض على الرفوف، تربية الأسماك، ولا أحب الجدال والإقناع، أريدُ أن أكتبَ لهم أنني إنسان، إنسانٌ جيّد، وأنني أصلح للعمل في أيّ وظيفة، سائق، بائع تحف، حارس شخصي، موصل طلبات بيتزا، صانع ميداليات وتوابيت، ولن أطلب الكثير مقابل ذلك، يكفي أن أعيش حيثُ تكتملُ الأنصافُ الأخرى من الأشياء.

تمّت في 09 إبريل 2006

إنها جدّتي..

ولقد ماتت..

صفيّة، التي لولا أنّها وجدت نفسها -على سبيل القدر- امرأةً قرويّةً، ترعى الغنم، تطرحُ القصب لبقرتها، وتذهب كلّ صباحٍ للسقايّة، ولولا أنها أيضاً كانت تحصد “الخَضير” وتصدحُ بأهازيج المزارعين، لكانت شيئاً آخر لا يختلفُ كثيراً عنها، مثلاً: سيّدةً إنجليزيّةً نبيلة، من الطبقةِ الأرستقراطيّة طبعاً، تجمع اسطواناتٍ موسيقيّةٍ لـ”باخ”، وتحبُّ لوحات بيكاسو وموديلياني النادرة، تكتب مذكّراتها اليوميّة وتجاربَها القديمة بكلّ جرأة، أو لكانت في بيئةٍ مقاربةٍ لبيئتها، مثلاً: كعجوزٍ استكلنديّة تجلسُ على كُرسيٍّ هزّاز، تستظلُّ بمدخلِ منزلٍ ريفيّ، تغزلُ شالاتٍ صوفيّةٍ وهي تنتظرُ عودة جدّي من المزرعة، الذي بالتأكيد لن يكون مختلفاً عن “سراج” النائم في غيبوبةٍ تامّةٍ منذ وفاتها، مثلاً سيكونُ “وليام” المحارب القديم الذي يروي دائماً حكايةَ قتلهِ لخمسةِ جنودٍ إنجليز، بثلاث رصاصاتٍ فقط!

لكنها -ببساطة ودون الحاجة إلى أيّ تبرير- جدّتي صفيّة التي ماتت. أعني أنها هي كما عاشت حقيقةً، لذا كانت تضحك راضيةً، وعندما تفعل ذلك؛ تَظهرُ أسنانها مكتملةً بيضاء كعقدِ لؤلؤ. أكَّدت لي يوماً أنها ليست نادمةً على شيء، أو بالضبط؛ خلال ثمانين سنة لم ترغب بعيشةٍ أخرى، وكما قلتُ: كانت تضحك، رغم أنّها تحزن عندما تحكي قصّةَ “الأغراب”، أولئكَ الذين قالت عنهم:

“كلامُهم يابس، أتوا من الصحراء، لا فيها مطرٌ يُرطّب أصواتَهم، و لا هُم يحصدون.”

متأكدٌ من أنها كانت تستمتعُ باسترجاع الماضي، عدا تلك الفترة الناتئة على سطح ذاكرتها الصلبة، الفترة التي جاء فيها “مطرف” ورجاله، تتذكّر اسمهُ جيّداً كما يفعل أهل القرى المحيطة جميعهم، وعلى كلٍّ، فإن نسيانها لهذا الاسم يُعدُّ أمراً غير واردٍ على الإطلاق، إنه الشخص الذي أطلق عليها في الحقلِ لقباً رافقها حتّى ماتت.

أذكرُ أنني كنتُ جالساً جوار قدميها حينما تنهّدت:

“قديماً يا إدريس، كنّا ورجال القرية نرعى سويّاً، نزرع ونسقي سُعداء، كما فُطرنا عشنا، لكنّهم جاءوا ومنعونا، قالوا بأنّ ما نفعلهُ من عمل الشيطان، بعض النساء امتثلن لأمرهم، فذهبتُ إلى كبيرهم “مطرف”، رجوته بألاّ يمنعنا ممّا جُبلنا عليه من الحقّ، لكنهُ تجاهلني، واستمرّ يردد الكلام الجديد والوعيد. وذات يوم لحق بي رجال رجموني حتّى تفطّرت قدماي.”

ولأنّ جدّتي أُميّة، فمن المنطقي أنها لم تقرأ ما يكتبهُ “الكوني” عن الصحراء. وتنفي بكلامها -من حيثُ لا تدري- فلسفته. ولكي لا تُتّهم بتبنّي مبادئ مُتطرفّة، يجب أن أقول إذا أتينا للحق، إن جدّتي ماتت وهي لم تسمع مُسبقاً بالصحراء الكبرى ولا “الطوارق” وتظنّ أن “تُركيا” امرأة، وأنّ اليهود من الجِنّ!!

بإحدى المرات، وكمحاولةٍ لممازحتها ومشاكستها، كنتُ أتحدّثُ بما لا تفهمه عن العولمة، أنفلونزا الطيور، والإنترنت، فقاطعتني وكأنها تكملُ حديثاً سابقاً:

“لم أترك الزراعة أبداً، ولم يجبرني جدّكَ على بترِ جذوري الضاربة عُمقاً بالأرض، بل لم يكترث مثلي بما لقبوني به، وكان يمازحني باللّقبِ أحياناً، حتّى أنني أحببته عندما يقوله هو، وذلك عندما “أنغزه” في خاصرته، الأمر الذي يجعلهُ يقفزُ بشكلٍ مُضحك ويحاول أن يستفزّني. إنّ جدك يا إدريس إنسانٌ رائع، لم يتخلَّ عنّي ولا عن مزرعته إلا بعد أن قطعها الإسفلت، كنا نعمل بها غير مبالين بكلام الأغراب، ولا الذين تبعوهم من أهل القرية، أجزمُ بأنهم لم يقتنعوا، لكنّ الحديث الذي انتشر حينها، أرهبهم.”

كنتُ استغلّ شرودها وتأمّلها، أتأكد من كونها ليست منشغلةً بتلاوة ما تحفظه من سوَر، أحرّضها على الحديث، ليسَ لرغبتي وحرصي على حِكَمِ ووصايا الجدّات، بل لأنها تملكُ مشاعرَ دافئة، وحِسّاً كوميدياً بريئاً، يشرحُ صدري ويركنِ كلّ تعبٍ خلّفَهُ الترحال. والآن، لم تعد الجنوبُ “صفيّةً” لأُسافر، ماتت، كشجرةِ زيتونٍ أُجتثّت من مكانها. ماتت وهي تُصلّي، تماماً كما قرَّرت وجهرت في أدعيةٍ مضت.

ثمّة الكثير مما أريدُ قوله كتأبينٍ متأخرٍ لروحها بطريقتي، ولكني لا أريدُ أن أبدو كمن يحاول أن يجعل من جدّتهِ رمزاً لثورةٍ ما. كلّ ما في الأمر، أن ثمة عجوز أسنانها مكتملة بيضاء كعقدِ لؤلؤ، عجوز اسمها صفيّة.. ماتت.

في زيارتي الأخيرة، أذكر أنها قامت لتتوضّأ، اتجهت إلى جدّي الذي بالكاد يسمع، جدّي الذي طرحتهُ الأمراض وغاب وعيهُ بعد وفاتها، عندما مرت جوارهُ أفزعتهُ وهي تنغز خاصرته وتقول: “قم صلّ ياسراج”، نظر إليها وهو يعتدل جالساً، ابتسم، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ وساخر:

“من؟! حمّالة الحطب!”

ضحكتْ جدتي، فبانت أسنانها مكتملةً بيضاءَ كعقدِ لؤلؤ.

تمّت في 13 نوفمبر 2005

الرسومات الكاريكاتوريّة أدناه نُشرت في الملحق الثقافي الأسبوعي بجريدة الأقتصاية

خلال الفترة 13 سبتمبّر 2005 إلى بداية 2006