ToGoTea

الأرشيف

خالد الصامطي

تعرّف “هاتشيكو” على شوارع إحدى ضواحي طوكيو عندما دخلها لأول مرة في عام 1924م مع صديقه البروفسور “هتسابورو أوينو” وهو أستاذ في قسم الزراعة في جامعة طوكيو. ومنذ أن عرف تفاصيل المكان وحفظ ملامح المارة وأتقن أصواتهم واعتاد على روائحهم المختلفة كان هاتشيكو يودّع البروفسور في صباح كلّ يوم عمل وينظر إليه وهو يمشي خارجًا من باب البيت مبتعدًا إلى أن تخبئه المباني وتبتلعه الشوارع. وفي نهاية اليوم يذهب هاتشيكو إلى محطة القطار “شيبويا” القريبة وينتظر عودة صديقه ويستقبله بفرح الأطفال مع عودة آبائهم بقطع الحلوى، الفرق الوحيد هو أن هاتشيكو لم يكن يبحث عن حلوى أو أي مقابل، ما كان يبحث عنه ويحتفل به على طريقته هي عودة صديقه من الجامعة. لم يعد هاتشيكو يقاوم البقاء في البيت، ولم يكتفِ بمجرّد النظر إلى صديقه وهو يغادر، بل أصبح يرافقه ويمشي معه إلى المحطة، وبعد أن يودّعه، يعود إلى البيت، وينتظر وقت قدوم القطار ليذهب مجددًا في انتظاره. لم يكن ذلك مجرد عادة أو روتين يومي، ولم يلمس الأمر مجرد حياتيهما، بل تعدّى ذلك ليصل إلى أفراد الحيّ جميعًا، فقد صنع هاتشيكو خلال الوقت صداقة مع أصحاب المحلات في الطريق إلى محطة القطار، وعلاقة صداقة مع ركّاب القطار العائدين من أعمالهم في نهاية اليوم، ثمّ علَّمهم، دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة طوال حياته، أن للصداقة معانٍ أسمى من مجرّد المعرفة وتبادل المصالح، تبدأ بالحبّ وتنتهي بالولاء. كان يجلس مقابل باب المحطة، وينتظر بصمت وهو ينظر إلى بابها مترقبًا صديقه البروفسور، وعندما يتشكل جسده من خلف الباب، يقفز ويحتضنه بحميمية وسعادة لا يمكن مقايضتها، ومن ثمّ يعودان إلى البيت سويّة.

وفي يومٍ حزين من أيّام مايو من عام 1925 طال انتظار هاتشيكو أمام المحطة، الكلّ خرج من ذلك الباب، جميع الوجوه المألوفة التي اعتاد على تجاهلها كلّ يوم، ولم يعد صديقه، انتظره طيلة الليل ولم يعد. ما لم يعلمه هاتشيكو هو أن صديقه البروفسور قد أصيبَ بجلطةٍ في الدماغ ذلك اليوم وهو يلقي إحدى محاضراته بحماس وربما يفكر بصديقه الذي يجلس أمام باب المحطة. توفي البروفسور هتسابورو أوينو، ولم يعد أبدًا إلى محطة القطار حيث ينتظره هاتشيكو.

هاتشيكو لم يعلم ما الذي حصل لصديقه، ولم يتمكن أحد من أفراد الحيّ من إخباره بما حصل. فهام على وجهه في أزقة المدينة ولم يستطع البقاء في البيت أبدًا بعد ذلك. ورغم الحزن الذي خلفه غياب صديقه، إلاّ أنه استمرّ في ممارسة الحياة والمرور كلّ صباح أمام منزل البروفسور، ومع الوقت أيقن أنه لن يعود إلى المنزل. فتوقف عن الذهاب إلى هناك، وأصبح يكتفي بالانتظار أمام باب محطة القطار حيث كان يودعه ويستقبله. وهذا ما استمر هاتشيكو بفعله، فقد كان يتواجد أمام الباب كلّ مساء في موعد قدوم القطار، وكل يوم لا يرى صديقه بين الركاب الخارجين من المحطة، فيجمع خيبته وينسحب إلى ظلام أزقة المدينة، لينام في الشارع ويعود إلى أملٍ آخر في اليوم التالي.

تعاطف العابرون والخارجون من محطة القطار معه هو يجلس على ذات الرصيف كلّ يوم، ولمسوا ذلك الوفاء الذي يُقرأ في ملاحم تاريخية عن الأصدقاء القدامى أكثر من أن يُطبّق على الواقع. وتذكروا أيام ما كانوا يشاهدون الصديقين سوية في صباحات العمل ومساءات العودة من العمل. فأصبح الكثير منهم يحضر الطعام لهاتشيكو كي يأكل في لحظات انتظاره لصديقه التي استمرت لمدة 10 سنوات، ولو كان بإمكانه الانتظار أكثر لفعل ذلك، ولكن الموت جاءه في أحد المساءات وهو ينتظر أمام باب محطة القطار “شيبويا”، فتمدد مطلقًا روحه للسماء، حيث سيلتحق بصديقه ويجتمعان مرةً أخرى.

قبل عامٍ من موت هاتشيكو، بالتحديد عام 1933م، قام أحد الفنانين اليابانيين، الذين تأثروا بقصته، بنحت تمثالٍ له وقامت بلدية المدينة مع حضور هاتشيكو نفسه بتدشينه أمام بوابة محطة شيبويا الذي انتظر أمامه هذا الصديق لسنوات. وفي عام 1948 قام فنانٌ آخر بإبداله بتمثالٍ جديدٍ من البرونز، وأصبح مسمّى البوابة “هاتشيكو گوتشي” والذي يعني “مخرج هاتشيكو” وهي إحدى البوابات الخمسة للمحطة. ومُذّاك، أصبح المكان معلمًا تاريخيًا قبل أن يكون مزارًا للسياح، مكانًا للقاء العشاق والأصدقاء المنتظرين.

خلال السنوات التي تلت موته، كُتبت الكتب، وتحدثت الإذاعات، وانسابت قصة هاتشيكو من أفواه الجدّات، وفي الكتب المدرسية كمثالٍ على الوفاء. وتمّ تمثيلها في فيلم ياباني عام 1987م تحت مسمّى “هاتشيكو مونوگاتاري” وكلمة مونوگاتاري تُطلق في اليابانية على الأعمال القصصية وخصوصًا تلك التي تمت كتابتها بين حقبتي الـ”هيان” والـ”موروماتشي” (794م – 1573م) رغم أن حياة هاتشيكو كانت من عام 1923 إلى عام 1934 إلاّ أنّ كاتب الفيلم استخدم كلمة مونوگاتاري لإعطاء النص قيمة أسطورية لعظمة قصته.

وفي شهر يونيو من عام 2009 تمت أمركة الفيلم على يد المخرج “لاس هولستورم” وبطولة “ريتشارد گير”، غير أن المكان بالطبع عوضًا عن اليابان كان في أمريكا، وعوضًا عن البروفسور هتسابورو أوينو أصبح اسمه البروفسور “باركر ويلسون”. ورغم أن الفيلم يحكي القصّة ويعرضها بالزِّيّ الهوليودي الربحي المبالغ في لمعانه، والذي عادة ما يبتعد عن عمق الطرح، إلاّ أن الفيلم أوصل هذا الدرس في الوفاء بطريقة مؤثرة وجميلة. حاول المخرج خلالها أن يعرض القصة من خلال حياتين، بالألوان واللغة كما كان يعيشها البروفسور وبتواتر الأبيض والأسود كما كان يراها هاتشيكو. أتى الفيلم تحت مسمّى “هاتشيكو: قصّة كلب”. صحيح، لقد فاتني أن أخبركم، هاتشيكو كان كلبًا، وكم أتقنت الكلاب فنّ الصداقة وأدبيات الوفاء.

خالد الصامطي
16 فبراير 2010 – شيكاگو.

euhh7.jpg

hachiko200505-4.jpg

7hrnr.jpg

ستاربكس- دي ﭘول سنتر- بارنز آند نوبل.
الثلاثاء 30 مارس 2010 – 2:45 عصرًا.

مرحبًا يا دكتور، ها أنا أجدني اليومَ أوجه إليكَ حبقًا عسى أن يصلكَ وأنت تمارس الحياة بسعادة، وبحبك للغّة والأرقام، رغم أنهما علمان من النادر أن يجتمع حبهما لدى الشخص نفسه، ولكنك تفعل ذلك بإتقان، فتبدأ يومك بمتابعة مؤشر الأسهم، دراسة السوق، والكتابة عن اقتصادٍ مرتبك يمتطي صهوة أسد، وتنهيه بقراءة كتابٍ للصادق النيهوم.

أتمنى أنكَ أيضًا لا تزال تتنبأ بالوقائع، تسخر من الناس والواقع بضحكتك المألوفة. وفي مغربيات الصيف الحارة، تُدير مكيفك الصحراوي وتقرأ في الخيمة الصغيرة بحوش بيتك، أو تستقبل زائريك كرئيس قبيلة، وتحكي لهم بصوتك الإذاعيّ الجهور حياةً جرّبتها بكافة مقاساتها، وفي لحظة صمت يتخللها صبّ شاي أو إشعال سيجارة، تتنهد وترسل للصدى وانتباه السامعين -بلكنةٍ عراقية تُتقنها- مقطعًا لمظفر النوّاب:

مو حزن.. لكن حزين
مثل ما تنقطع، جُوّا المطر
شدّة ياسمين.
مو حزن.. لكن حزين
مثل صندوق العرس
ينباع خردة عشق من تمضي السنين!
مو حزن.. لكن حزين
مثل بلبل قعد متأخر
لقى البستان كلها بلاي تين
مو حزن..
لا مو حزن!

أتمنى يا دكتور أيضًا، أنكَ لا تزال تشرب الشايَ الأسود الذي لا يخطئ أبدًا في تعديل جلسة المزاج، وتدخن سجائرك التي لا أذكر أسمها، أتذكرُ علبتها البيضاء والزرقاء جيّدًا، ولكن يبدو أنه فات على ذاكرتي الصورية الاحتفاظ بنسخة من الاسم في سجل أحداث لقاءاتنا، رغم أن ذاكرة كلّ كاتبٍ تهتم بتلك المشاهدات والتفاصيل الصغيرة التي تمرّ بشكلٍ يومي! ذاكرتي معذورة عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل التي تحيط بكَ أنتَ يا دكتور. كثيرة هي تلك التفاصيل، ثمةُ ما يجعل من كل جزئية تحيط بك تفصيلاً مهمًا ويجب ملاحظته. وهكذا، وبشكلٍ فوضويّ، تكثر التفاصيل الواجب ملاحظتها وتتعثر في بعضها عند مدخل الذاكرة ويصعب التعامل معها. ثم أن حضورك بنزقهِ وهيبته يملأ المكان الذي تتواجد به، الأمر الذي يجعل كاتبًا صغيرًا بحجمي، يفكر بترجمتك إلى شخصية في كتاباته، وتصبح زوربا سعودي، ولهذا دائمًا ما تكون هذه الفكرة هاجسًا مقلقًا لدى تواجدي معك، وأصبح أنا كالذي يجلس في القاعة يستمع ويفهم ويكتب كلام المحاضر، وبذات الوقت يرسم القاعة بتفاصيلها والألوان. لذلك لا أتذكر اسم سجائرك. ما أسم سجائرك على أيةِ حال يا دكتور؟

بمناسبة الحديث عن الذاكرة والتفاصيل، تطرأ على بالي الآن حقيقة أنني أجلس بذات المقهى الذي كتبتُ به الحبق الأول، في الخامس من فبراير 2008، إنني أُكمل بهذا النص دزينةٌ من الحبق الحافي تمت جميعها خلال سنتين وخمسين يومًا.

إنه مقهى جيّد، بيئته تجعل من الكتابة حدثاً تلقائيًا، لا يحتاج إلى الكثير من التفكير. ولأنه يقع على تقاطع شارعي ستيت وجاكسون -منتصف الداون تاون تقريبًا- فالأرصفة في الما حَول ممتلئة بالأحداث والحركة والتدرج الصوري الذي يصنع شكلاً متمايزًا للمكان وبدوره ينقل لك تمامًا دلالة مسمّاه، أعني تلك الأماكن التي تفكر وأنت تمشي بشوارعها: “الآن عرفت لماذا تبدو المدينة مدينة!”. فخلال سيرك بين هذا التقاطع والآخر تستطيع احتواء أشياء كثيرة: بحيرة متشيگان خلف الأشجار في نهاية شارع جاكسون، متحف شيكاگو آرت إنستيتيوت، مباني ذات تصميم معماري عتيق وباذخ، جسر قطارات النقل العام يخترق البنيان ويتلوى بينها كثعبان مشكلاً حلقة وسط المدينة (The Loop) أصوات موسيقية متنوعة قادمة إما من سيارة يقودها مكسيكي سعيد، أو من مدخل محطة الصبوي، أو من عازف الساكسفون وصديقه عازف الفلات تحت مبنى الساعة، تستطيع أيضًا رؤية مجنونًا يتحدثُ بجديّة مع إصبعه الوسطى، ومسرح دُمى صغير مبني فوق عربه متحركة يتحلق حوله مسنين مع أحفادهم، وسيدة تنظر إلى كتابٍ بيدك وتسألك عن حقيقة أن اللغة العربية تُقرأ من اليمين إلى اليسار وتبتسم لها بالإيجاب، ثم تتحدث معك عن رائحة الصيف وصوت المدن عندما تغني في الليل وتذكر المغتربين أن ثمة قلوب تحتويهم وانتماءات مختلفة تزاحم غربتهم. كما بإمكانك أن ترى لصوص، سعاة بريد، وبائعو حقائب نسائية –قد يتمكنون من تدبير صفقات ماريوانا إذا ما دعت الحاجة- وشحاذون طيبون، وطالبو سجائر بخلاء، وعساكر على دراجات هوائية، وخيول تجرّ عربات ممتلئة بسياح قوقازيين أغنياء قادمين من الولايات الجنوبية وينظرون إلى هذه المدينة الحُرة الممتلئة بالملونين، وكأنها حديقة حيوان ذات بناء معماري جيّد ولا يوجد بها تدرّج للقوة كنظام الغابة، فالجميع هنا أُسُود طيبة، ومتسامحة، وذات أنوف وأشكال عيون وألوان بشرة كثيرة ومختلفة، إنه هجين ناجح، تم التخطيط له منذ أكثر من عشرين عامًا وظهرت نتائجه اليوم على ملامح جميلة تسير بابتسام وثقة متعة للناظرين. يا دكتور لو ترى هذا الجمال الذي يشبه القضايا النبيلة!.

مقعدي ووضعية الطاولة التي تشكّلُ ضلعًا طويلاً لهذا المقهى المستطيل، جعلتني أجلسُ معطيًا ظهري للرّواد، مقابلاً الحياة وواجهة المحلّ الزجاجية، أشاهد الشتاء الذي ينسحب بهدوء خلف الواجهة، ويسلّم الربيع العهدة وسجلات الربع الثاني من السنة. الربيع الذي يسمح للعابرين بارتداء ملابس قطنية خفيفة، ويحرّض الفتيات -اللاتي يشعرن بأن ملامحهن عاديّة- على ارتداء تنانير قصيرة، تظهر سيقانهنّ الطويلة، لتُلهي العابرين الآخرين عن ملاحظة الاعتياديّة في وجوههن، فمقاييس الجمال هنا أصبحت مرتفعة، ومن تُعتبر جميلةً في ديترويت قد تخسر نصف أسهمها في شيكاگو.

وعفوًا يا دكتور، سأعود إلى موضوع السيقان قليلاً، لدي رأي مخالف في المسألة. بالنسبة لي، لا أهتم بها كثيرًا، ولا أفهم فكرة الإغراء في ساق؟ في النهاية التعامل بين البشر جميعًا ينتهي عند الركبة. وأقصد بالتعامل المعنوي والمحسوس، لا أفهم الشخص الذي تُثيره السيقان أو الأقدام! قد أتقبل هذا الشيء من مندوب نادي يبحث عن عدّاء أو عداءة مسافات طويلة، أو حتى معلّم كوارع يبحث عن خروف جيّد! ثم أن الساق هي من أبعد الأعضاء عن الرأس، مطبخ قرارات الجسد وبرج المراقبة، والساق ذات شكل خالي من أي لمحة جمالية. قسوة وعمودية هيئته جعلته مستهلكًا ومكرورًا بشكلٍ مبالغ به في الحياة. كما أن مكان الساق منخفض ومعرض بشكلٍ دائم لمخلفات الناس وأوساخ الممرات المنزوية. وحتى فقدها لا يؤثر كثيرًا على بقاء الإنسان وطبيعة حياته منذ عصور قديمة، فهي في النهاية عصا معلقة في الركبة، باستطاعتك أن تصنع واحدة من الخشب وتواصل العبور على الأرصفة كبقية العابرين. شاهدتُ يومًا في برنامج (60Minutes) رجلاً أصيب بحالة اختُصر اسمها بـ(DIID) وهو شعور باختلال في تكامل حالة الجسد– هوس بتر عضو من أعضاء الجسم. ذلك الرجل، شعر أن ساقه شيء فائض عن جسمه، نتوء وزيادة تخرب اكتمال الشكل المصادق عليه في رأسه، لذلك أقدم صاحبنا بإعدادٍ وإشراف ذاتي على بتر ساقه، كان يتحدث مع المذيع وبسعادة عارمة وهو متكئ على عكازه، ويعبر عن ارتياحه النفسي بعد زوال ذلك الهمّ المعلّق في ركبته. لو قابلته في الشارع لأخبرته:

كم أنت محظوظ أن مخك المضروب لم يصر على أن يدك فائضة عن حاجتك هي الأخرى. تستطيع أن تستخدم ساقاً اصطناعية إذا ما أصلحوا رأسك وعادت مقاييس الاكتمال إلى نصابها الطبيعي، لكنك إذا خسرت اليد، أبدًا لن تتمكن من حكّ أنفك، أو التأشير لسيارة أجرة، لن تتمكن من معرفة شعور أن تمسك يدٌ أخرى بيدك وأنت تمشي إلى البحيرة، لن تنتشي راحة كفّك بدفء ورطوبة، لن تعرف معنى أن تُرمم الفراغات بين أصابعك بأصابع يدٍ أخرى.
باختصار لتذهب السيقان إلى الجحيم.

وكلّ حبق وأنتَ بخير يا دكتور.

lighting_from_the_window.jpg

استيقظتُ في تلك الليلة للمرة الأولى.

لا أذكر الحلم، ولكني أذكرُ أنني كنتُ خائفًا عندما استيقظت، بل فزعت، من غفوةٍ لا من نوم إن صحّ تحليلي لأحداث تلك الليلة. كنت متكئًا على طرف سرير، ممسكًا بسيجارة بين وسطى وسبابة يدي اليسرى، أنظرُ إلى حائط حجرةٍ مظلمة تتسرب إليها إضاءة الشارع بشكلٍ خافت من وراء ستارةٍ صفراء تحجب أكثر مما يفترض بها أن تفعل، تتكئ صوفا غامقة اللون على ركبة النافذة، تحبس آخر الستارة خلفها فبدت كمؤخرة امرأة مختبئة. بمخادعة بصرية كدتُ أنساق لتصديقها بدت لي أكياس بلاستيكية وأقراص ديفيدي وكأنها رسمٌ على السجاد.

أطفأتُ السيجارة ثم دخلت في نوبةٍ سعالٍ قوية جدًا، جرجرتني مترنحًا إلى الحمام. لا أذكر أنني قد رأيتني قبل تلك المرة. أخذتُ أسعل بقوّة، وأختلس النظر إلى وجهي في المرآة خلال ثواني الهُدن بين نوبات السعال. بدوت رجلاً في العقد الرابع من عمري، نحيلاً بشكلٍ يبرز طول أنفي، ولولا أنني أيقنتُ أنه أنا، لقلت أنه لصّ مريض، وبالتأكيد سأُشفق عليه. ثم تمكّنَتْ مني قسوة السعال مرةً أخيرةً وطويلة، وبعد الكثير من الحشرجة أخرجت كلّ ما بحلقي ولحقه ما ببطني دفعةً واحدة في تلك المغسلة التي كنتُ أفكر، وأنا أستفرغ، أنها مرتفعة بشكلٍ مبالغ فيه.

أخذتُ أتأمل وجهي كثيرًا، أنظر إلى ذلك الشخص في المرآة، ثم أنظر إلى ما خلفي وحولي ثم إليه مرةً أخرى. تمكنتُ بصعوبة من ردع ضحكة كانت تهتزّ في صدري. غسلت وجهي وخرجت. لاحظتُ وأنا أغادر الحمّام أنّني أمشي كالمتعثر في خطوِهِ، نسيتُ مشيتي، وكنتُ أحاول أن أختلق مشيةً جديدة، أخذتُ أمشي من المطبخ إلى الصالة إلى المطبخ مرةً أخرى، وهكذا حتّى رسوتُ على مشيةٍ مريحة. ثم التقطتُ علبة عصير أناناس وأعجبني مذاقه، ولم أتوقف عند فكرة إعجابي بالمذاق أبدًا، ربما كان الأناناس عصيري المفضل.

لا أعلم كم من الوقت جلست على تلك الصوفا أشرب العصير، أتأمل الحجرة، وأفركُ ذاكرتي ببرود. كنتُ ولازلت، ولأسباب لا يمكن فهمها، متصالحًا مع حالتي بشكلٍ أو بآخر.

في الصباح قمت بترتيب الشقة، تآلفتُ بشكلٍ ممتاز مع الحجرتين، الأدراج، خزانة الملابس، الصالة والمطبخ. كنتُ أتمتم بأغنية “اليوم يمكن تقولي.. يا نفس إنك سعيدة.” أستوعبُ حقيقةَ أنها لطلال مدّاح، وأذكر حدث سماعها مراتٍ كثيرة خالية من أيّ تصوّر للزمان أو للمكان. وخلال تنظيفي لملفاتٍ وأوراق جمعت فوقها طبقة من الغبار من النوع الذي يمنحك عطستين متتاليتين، وجدتُ شهاداتٍ تحمل ذات الاسم، بالطبع كان اسمي الذي لم أمنح اكتشافه فرصةً للاحتفال، فقد تجاوزته وأنا أشاهد صورًا كثيرةً لي. صورتي وأنا طفل حافيَ القدمين في فريق كرة قدم ينظر كلّ واحد منّا بأزيائنا المتباينة إلى زاويةٍ مختلفة باتجاه المُصوّر. صورة أخرى وأنا اجلس في حضن امرأةٍ تصلح هيئتها أن تكون أمي. أعجبتني فكرة أن تكون هي أمي. وبابتسامة واثقة احتفلت: إنها أمي. لقد تعرفتُ عليّ صغيًرا بشكلٍ سريع ومباشر، كان أمرًا منطقيًا جدًا ويمكن حدسه والتأكيد عليه بسهولة: إن ذلك الرجل الذي رأيته في مرآة الحمام لا يصلح أن يكون طفلاً إلا بهذا الشكل، بذات العينين الغائرتين، وزاوية حاجبٍ أيمنٍ مرتفعة، وأنف طويلة.

كنتُ مستمتعًا بتقليب صوري وقراءة رسائل موجهة إليّ حين علا صوت نغمة رنين مُتعَبة، كانت قادمة من الهاتف الجوال الذي وجدته في جيب ثوبٍ على الشماعة: “المتصل: المكتب الرئيسي”، أجبت. فحياني باسمي المكتوب في الشهادات والرسائل، من الحديث معه -عندما أقول الحديث فأنا أعني الاستدراج والإنصات في غالب الأمر- عرفت أني أعمل لدى شركة إعلامية ما، وهو يتحدث باسمها، أملى عليّ رقم تذكرة طيران الكترونية ذهاب وعودة. أخبرني أنهم متشوقون لرؤيتي في حفلة عيد ميلادي التاسع والعشرين، فشكرته بسعادة مريبة، من الصعب أن تثق في سعادة يتم الشعور بها في حالة مشابهة. طويتُ فضولي في حقيبةٍ صغيرةٍ وجدتها تحت السرير، وفي اليوم الثاني كنت هناك.

الشيء الوحيد الذي حرصتُ على ممارسته وأنا هناك كان الابتسام والناس يتحدثون حولي معي وعنّي، ثم وقف من قدموه على أنه رئيس تحرير الجريدة، وقال كلامًا كثيرًا عن صداقتنا وكيف أنه أعطاني الضوء الأخضر للسفر ولجمع ومطاردة الأخبار وكتابة الريبورتاجات، وعن مساهمتنا كفريق في رفع عوائد الإعلانات ومبيعات الجريدة، لم أكن أشعر بالرضا وأنا أستمع إليه. بعد أن أكلنا العشاء ووضع أناس يعرفونني جيدًا هداياهم على طاولتي، أغلقت الجوّال واستأذنتُ للذهاب إلى الحمام، امتدّ طريق الحمّام وقادني إلى المطار. وفي وقتٍ متأخرٍ من الليل دخلتُ شقتي بسعادة، تلك السعادة التي أعتقد أنه من الجنون استبدالها أو التفكير في مقايضتها بسعادةٍ أخرى. جلست على السرير وبي رغبة بتدليك رقبتي والكتفين. ومنذ ذلك اليوم وأنا أبتسم كلما استيقظتُ في حجرةٍ مظلمة تتسرب إليها إضاءة الشارع بشكلٍ خافت من وراء ستارةٍ صفراء تحجب أكثر مما يفترض بها أن تفعل، وعلى ركبة نافذتها تتكئ صوفا غامقة اللون، تحبس آخر الستارة خلفها لتبدو كمؤخرة امرأة مختبئة.

خالد الصامطي.
24 فبراير 2010– شيكاگو.

مجلة سين

إهداء إلى مطاعن.

اسمه عبده، وفي صبيحة يومٍ من أيام أبريل عام 1988 ونحن نجلس في حصّة تعبير الصف الأول المتوسط صرخ الأستاذ طه:

– أنت يا عبده أنجلو، قلنا أكتب عن أسبوع الشجرة، مش ترسمه!.

ليعلق اللقب في مخيلة كلّ من عرفه أو شاهدَ طلال مدّاح في “البَرَحَة”، ويُخلّد كرمزٍ لحارتنا التي لا يزال سكانها يتساءلون -وهم ينشرون الغسيل فوق سطوح منازلهم أو يطيرّون الحمام- عن سبب اختفاء عبده أنجلو.

لست متأكدًا إذا ما كان ذلك باتفاقٍ جرى بين آبائنا، أم إنها إحدى الصدف التي تجد نفسك تتأملها بتمعّن إذا ما كنت تهتمّ بفنّ الصُدفة ثم تهمس “صدفة تمّ الترتيب لها بشكلٍ جيّد!” فقد خرجنا، أنا وعبده، إلى الحياة سوية، أو لنقل بالتحديد أنه وُلد في الثالث من مارس من عام 1975 وجئت أنا متأخرًا يومين اثنين فقط، وكبرنا في الحارة ذاتها، الشميسي- شارع شلهوب. لم يكن يفصل بين بيتينا سوى سور سطوحٍ ذي علو سمحَ لنا بامتطائه خلال ظُهريات الطفولة، إما بدواعي اللعب وقطف حبّات “العبري”، أو بدواعي الطبخ واستعارة بصلة لأمهاتنا من وإلى البيتين.

عبده يعشق النحت والرّسم تمامًا كما كان يعشق تقرير ثم تنفيذ أحلامه التي دائمًا ما أتت مُفرطةً في الاختلاف. ذات ليلة خميس باردة، بعد أن شوينا وأكلنا ودخنّا الحشيش، كنّا نرسم على جدار سطوحنا ونكتب أبيات شعر أو اقتباسات من القصص والروايات التي كنّا نحصل على ثلاثة ريالات من والدي عند إنهاء قراءة إحداها خلال سنيّ طفولتنا، قال لي عبده، وأنا أنظر إلى بلورةِ فخرٍ تلمع في منتصفِ عينه القريبة، أنه بدأ الرسم وهو ينتظر في بطن أمه، وعندما تمتّ ولادته تخلّقت لها شامة على شكل ريحانة فوق سرّتها. تلك الليلة، رأيت فيها والدته عاريةً على جدار السطح.

أكاد أجزم أحيانًا، حينما أشاهده يعمل على لوحةٍ ما، ويصل إلى مرحلة الرضا عن تشكيله لفكرته، تنبتُ للريشةِ مفاصل فيحركها ويثنيها كإصبع سادس. إنه يرسم بخشوع، وينحتُ بلاهوتية مهيبة. ففي صباح أحد الأيام غادرت حجرتي فوق السطح، مارًا جوار الزاوية التي تحولت إلى مطبخ فني، بقطعٍ من الصفائح الزنكية والأحجار ولطخات الاسمنت بنيناها بأيدينا ورشةً للكتابة والرسم، للكتب والأخشاب والطين والأشياء التي تتحول على يد عبده إلى أصدقاء جدد وبأسماء نبتكرها في وقتها بحسب درجة انتشائنا ومزاجية الليل، وهناك سرقتْ انتباهي منحوتةٌ على هيئة طفل أقرع، كان قد أنهاها عبده في الليلة السابقة، متأكدٌ بأن الطفل انتظرني حتّى اتجه نظري إليه ثم رفع يده بحماس طالبٍ يعرف إجابة السؤال، ولكن بالنسبةِ لي فإن التفريق بين الخيال والواقع مسألةٌ غائبةُ الجدوى. ومن فكرةِ هذه الحادثة كتبتُ “التمثال الذي ربَّت على كتف نحّاته” القصة التي وصلت إلى بريد هذه المجلة في مظروفٍ أرسله عبده موقَعًا باسمي لتصبح أول ما نُشر لي، وخطوة البدء في مشوار عملٍ لم أكن قد أجدتُ بعد كيفية الحلم به لولا أنْ قررهُ عبده لي ثم نفّذه.

قبل أن ننهي الثانوية كنا قد تحدثنا كثيرًا عن خياراتنا بعدها، وكوّنّا فكرة عما يمكن فعله بشهاداتنا. لا شيء يُحرج فضولك غير أن تجهل أمرًا بشكلٍ كلّي، ولا عِلم يُخلّفُ جهلَهُ هذا الفراغَ غير علمِ اللغة، لذلك درس عبده في كلية اللغات والترجمة قسم اللغة الإيطالية وجاورتُه في كليّة الآداب قسم الأدب الإنجليزي.

ملأت سنوات الجامعة فراغًا كبيرًا، واستطعنا أن نسافر في رحلات إلى دول مجاورة ممثلين الجامعة في المهرجانات الشبابية. وعندما تخرجنا أصبحنا نقضي معظم أوقاتنا في الشميسي مجددًا، كانت أيامًا جميلة في البداية، ولكن الروتين صبغها بالملل. في إحدى الليالي صارحني عبده بشعوره أن الشميسي لم يعد كما كان، فقد بدأ يستجوب أحلامنا، بعد أن تساهل كثيرًا في احتواء الأحداث المثيرة، تلك التي كان عبده أنجلو يصنعها ويعلبها ثم يرتبها على رفوف سنواتنا. ومثلما أنني لا أرى الجدوى في التفريق بين الحلم والواقع، فعبده يؤمن، بما لا يقبل الشّك، أن ما يسمى واقعًا ليس سوى حلم يحاول الهرب من حقيقته. ولذلك كانت أحلام عبده تقفز إلى الشارع على مرأى سكّان الحارة، والحارات المجاورة، إلى أن عمّت أنباؤها أرجاء الرياض، وأصبح المسنون الجالسون على باب دكان حسن مرزوق يتمتمون: “وش باقي ما سويت يا عبده!” ونظراتهم معلقة بالسماء حيث يحلّق في الفضاء بالون هيليوم بقطر مترين وقد رُسمت عليه عينٌ كبيرة بحجم بالون.

قبل حادثة البالون بأربعة أعوام، بالتحديد في الحادي عشر من أغسطس من عام 2000 بادلته مشاعر الأسى والحزن، وأخبرني عبده بنبرة الحِداد أنه لن ينام في حجرته فوق سطوح بيتهم حتّى ينهي مشروعًا قرر بدءه. اعتزل الناس في (قلاّب) والده الواقف في البرحة القريبة من دوّار أم سليّم، قبل أن تبني فيها البلديّة صالات مكشوفة لألعاب الكرة. يجيء في الليل ملطخًا بالتراب والطين يشرب الشاي معي ويستمع إلى أغنية “أغراب” أو “الله يرد خطاك”، ثم يعود إلى القلاّب. وفي اليوم الثالث، استيقظت الحارة على دهشة تمثالٍ يقف بأعلى نقطةٍ من البرحة، بطول إنسان طبيعي، يُجسّد الراحل طلال مداح ممسكًا العودَ بيد، ورافعًا الأخرى سلامًا للعابرين.

انتشر خبر التمثال بسرعة الإلكترون داخل أسلاك الهاتف، واحتشد الناس حوله طوال اليوم، حتى أن حسن مرزوق أغلق دكانه في منتصف النهار لأول مرةٍ مذ عرَفته الحارة، وحضر الحشد مع أصدقائه المسنين. ثم جاء شبابٌ لا نعرفهم من حارات بعيدة بكاميرات ذات شاشات صغيرة، واكتفى شباب حارتنا بكاميرات التحميض. جاء بائعو أشرطة الأغاني المنسوخة بالتناوب، وعمال محلات الفيديو، والحلاقون الذين يتحولون إلى ختَّانين إذا ما دعت الحاجة، وبائعو القورة، وآباء يحملون أطفالهم على أكتافهم، التفوا للمرة الأخيرة حول “صوت الأرض” الذي تشكل مجددًا من طين البرحة. ولم تكد شمس ذلك اليوم تُقنع الليلَ بغروبها حتى تصاعدت سيارة من أسفل البرحة، كانت أسرع من التنبؤ بنية قائدها، ليس من الضروري معرفة من بها، ولا شكلها، ولا يُهم كونها بختمٍ حكومي أو شعار شركة مقاولات، كانت سيارة وحسب، انطلقت صوبَ التمثال، وحطمته كجدار قديم، مثل حِلمٍ تعثر في حقيقته.

اتفقنا ضمنيًا ألاّ نتكلم عن أحداث تلك الليلة، ولا أية أحداث مشابهة رغم كثرتها. وخلال بضع الأعوام التي تلت رسم عبده عشرات البورتريهات على جدران أزقة الحارة وصنع أربعة تماثيل في البرحة بعد تمثال طلال. وأمسى يتعرض إلى التهديد والمضايقات بشكلٍ متكرر الأمر الذي اضطره في النهاية إلى التوقف. كنت أراقب خفوت تلك اللمعة التي تشع من عينه منذ فتحها أول مرة، وقبل أن تختفي كلّيًا أسرّ لي أنه سيجرب مشروعًا جديدًا!.

لقد قرر عبده أن يذهب إلى المحكمة الكبرى بالرياض ويحضر إحدى المحاكمات ليرسم قاعتها وقاضيها وأطراف القضية. لم أحاول مناقشته في الأمر أو ثنيه عن تنفيذه، ولستُ نادمًا على أيةِ حال، ولكني شعرت تلك الليلة أنني حريص على تأمل صورته وحفظِها وهو يتحدث عن فكرته بحماسة، وأنني ولمرةٍ أولى استطعت التفريق بين الخيال والحقيقة.

ربما تمكّن من التسلل إلى قاعة المحكمة والجلوس في منتصفها، وربما كان مستمتعًا بالرسم عندما سأله القاضي عن سبب وجوده وأخبره بكلّ بساطة أنه رسام القضية، بالتأكيد لن يتمكن القاضي من فهم ما يقصده عبده بقوله أن الكاميرات ممنوعة في قاعات القضاء ولذلك نشأ فنّ رسم المحاكمات. ربما تمنى عبده من أعماق روحه المعتّقة بالحلم أن يسمح له القاضي بالجلوس بهدوء حتى ينهي لوحته. كثيرة هي “الربمات” التي لا يمكن لنا أن نؤكد احتمالية حدوث أيّة واحدة منها، ولا يهمنا ذلك الآن، الأهم هو أن عبده لم يعد بعدها مجددًا.

خلال الأسبوع الأول من غيابه، سمعتُ أن أحدهم رآه يُجلد في ساحة المحكمة، ورغم عدم ثقتي بأخبار مصدرها دكان الحارة، إلا أنني لم أتوقف عن البحث والسؤال عنه، ولم أجد إجابة واضحة من كتّاب العدل، فقد اتفقوا أنَّ اسمه غير موجود في قضايا الأسبوع، أما حرّاس قاعات القضاء فقد تجنبوا الحديث معي. توقفتُ عن البحث، عندما عدتُ إلى البيت إحدى الليالي بعد شهرٍ من اختفائه، ووجدتُ رسالة مغروسة في علبة عداد الكهرباء، كتب فيها عبده الكثير من الأسباب والقليل من الوصايا، وأفهمني أنه ذاهبٌ للبحثِ مكانٍ صالحٍ لتربية أحلامه.

اختفى عبده في العاشر من مارس عام 2004. غادر وترك حياته لأفراد الحارة يصبونها مع القهوة للسكان الجدد والزائرين من الحارات الأخرى، يسترجعونها وهم يشاهدون مباراة كرة قدم بملعب البرحة في ليالي رمضان، أو يتذكرونه ويبتسمون وهم يقطعون البرحة إلى الحارة المجاورة. يرِد طيفه كجملة “الله يذكرك بالخير يا عبده أنجلو”، يهمس بها بعضهم وعيونهم تبحث عن شيء قد ينبت من سطح البيت أو يحلّق في السماء.

ذات يوم، قال لي زميل لبناني في المجلة، عندما سردتُ له قصة صديقي عبده، أن زوجته الإيطالية التي جاءت تزوره، أخبرته عن شاب سعودي مهووس بالفنّ عمل لفترة قصيرة في ميناء جنوا. ومؤخرًا أقسم صالح بن حسن مرزوق أنه شاهده في مقطع على اليوتيوب يساعد بعض الغرقى خلال سيول جدّة، بحثت عن المقطع ولم أجده. ولا يهم، فالحقيقة الوحيدة التي يمكن قولها بإيمان مطلق أن عبده أنجلو كما أتقن الظهور، يتقن الاختباء حتى عن مكان وجوده، إنه الفكرة التي يصعب تخيّلها، الحلم الذي لا تمسك به حقيقته.

خالد الصامطي
26 فبراير 2010 – شيكاگو.

عامٌ مجيد يا شاهين. فكرتُ بأنه من الصحي أن أكتب لكَ حبقًا جديدًا في بداية العام، على الأقل لأخبرك بمّا أريد من هذا العام. ما أريد هذا العام يا صديقي هو القليل من الحزن. لقد قلّ مخزون الحزن لديّ. أحتاج ذلك الحزن الذي يُوازن منسوب الليالي. لقد أفرطتُ في السعادة مؤخرًا، استخدمتها في كلّ شيء، حتّى في ربط أكياس الزبالة. تخيّل أن تربط كيس الزبالة وتحمله على ظهرك إلى البرميل خلف العمارة بسعادة عارمة. استخدمتها في تنظيف قعر قدر الضغط، وفي مسح الغبار وشباك العنكبوت عن فتحات التهوية، في الانحناء لالتقاط قلمي الذي كثيرًا ما يسقط خلال المحاضرة، في انتظار القطار وحتّى في دفع فاتورة الغاز. لقد أكتشف الآن وأنا أكتب ذلك، أنني استخدمت السعادة تقريباً في كلّ ما أقوم به. لذلك أحتاج إلى القليل من الحزن. أرسم به الفواصل بين جُمل الوقت. لا أريد أن أكون “الرجل الذي تحوّل إلى نكته لكثرة سعادته” –بالمناسبة، يمكن أن يكون هذا اسمًا لفردٍ ساذج في قبيلةٍ من الهنود الحمر- أحتاج لبعض الحزن، أحتاج لأن أكون متوازنًا هذا العام.

كما أنني أيضاً أحتاج من هذا العام أن يأتي ممتلئاً بالأفكار، مصابًا بتخمة أفكار. فتفيض، وتستغني أنت بدوركَ عن الكثير منها لوفرتها، تحيط بكَ الأفكار من كلّ جانب. منها ما يقوم بمساج قدميك. ومنها ما يفرقع لك أصابع يديك. هذا ما أحتاج أليه فقط، قليلاً من الحزن وكثيرًا من الأفكار.

العام الفائت احتجتٌ إلى الإنصات. المزيد من السماع. لذلك تضاعفت قدرة السمع لديّ منذ أن قدمتُ إلى هذه الشقة بداية العام. أصبحتُ أسمع صوت الوقت، أسمع صوت الأسياخ المعدنية بجدران العمارة تتقلّص، وصوتَ الريح خارج النافذة. أسمع صوتَ محرّك الثلاجة، وصوت تجشؤ زمزمية الشاي. أسمع صوت النور، صوت معدتي، وصوتَ جريان الماء بداخل مواسير حمام جاري العلويّ. أسمع كلّ ما يحكيه الليل خلال الأشياء، ويسمع الليل شهيق ذاكرتي. فكرتُ كثيرًا، وأنا أستمع إلى الأشياء، في كيفية أنّك لا تحتاج إلى العزم على القيام بالسماع. أنتَ لا تقوم بترتيب مسبق عندما تكونُ في علاقة مع الأصوات. الأصوات هي التي تبدأ العلاقة معك. أنت لا تفعل السماع، الصوتُ يفعلك. طوال تاريخك السمعي، تقوم بدور الممسك بالكوب الورقي في الجهة الأخرى مثبتاً إياه على أُذنك. الأصوات تأتيكَ دون مشاورة. لا سُلطةَ لكَ على الصوت. وصوت هذه الليلة بارد ومتذبذب، الصوت الأقرب إلى الصمت، الصوت الذي يتفشى لحظات ما قبل نزول الثلج. إنه يؤذي الفراغ. الفراغ يحتاج إلى امتلاء، وهذا الصوت البارد يضاعف خواء الليل.

لم تعد البومة موجودةً لتتحدّث مع العابرين وتوزّع صوتَ المساءات على نوافذ بيوت شارعنا، وتخلق موضوعات يتحدث عنها السكّان فلا يتهمهم شركاؤهم بالرتابة. ولم يعد البطّ يهاجر في جماعاتٍ مع الغروب، انتهت رحلاتهم، غادروا جميعاً إلى الجنوب. حتى المتأخرين منهم، يحلقون بصمت، دون صياح، يتسللون في طيرانهم كالهاربين من عار تأخرهم.

وأنا يا صديقي، داخل هذا الصمت، أبحث عن حزن! حزنٌ لا يأتي كثيرًا. يلمع في أحيان قليلة، ثم يتملّص، يتلوى كثعبانٍ حكيم، حزن ذات دهشة طويلة بحيث تستطيع أن تحتضن ذاتها كصديقين في صالة المغادرين. كلّ ما أحصل عليه هو ذلك الحزن الصغير الذي لم يتعلم الحديث بعد. يختبئ في الحيّز الفارغ من الوقت. ذلك النوع الذي يمكن أن تشعر به في أكثر اللحظات غير المتوقعة، كأن يظهر كومضة من ذاكرة قديمة في لحظة شروعك بربط حذائك، أو يداهمك في اللحظة التي تتلو النظر إلى كلا الاتجاهين وعدم مشاهدة سيارات قادمة. يباغتك بسرعة ذبابة، فتتوقف أنت لوهلة، تحاول استعادته، ترغب بالإمساك به، تفتيشه ومعرفة هويته، فيراوغ ويهرب بسرعة ذبابة أيضًا. أريد أن أقبض على حزنٍ في هذه الليلة الصامتة جدًا.

في المرة القادمة سأطلب من والدتي أن ترسل لي مع الحبق قليلاً من الحزن إن أمكن.
مرةً أخرى: عامكَ مجيدٌ يا شاهين، وصّل سلامي إلى الشباب.

The painting: Silence
(Date: 1799)
By John Henry Fusel

When you run after a train to go back to your old life. When you talk briefly about all the details. When everyone knows everything about each one. When others choose for you exactly what you want. When you learn the language of life from people whose language you don’t know. When resolving outstanding issues could be done by silent staring. When you create a religion and believe in it. When events are carriages and life is a train and destiny is a railway. When you run after the train to escape the old life

عندما تجري خلف القطار لتعود إلى حياةٍ قديمة. عندما تتحدّث باختصارٍ عن كلّ التفاصيل. عندما يعرف الجميع كلّ شيء عن كلّ واحد. عندما يختار لك الآخرون ما تريدهُ تماماً. عندما تتعلم لغة الحياة من أناسٍ لا تعرفُ لغتهم. عندما يتمّ حلّ القضايا المعلّقة بالتحديق الصامت. عندما تخلقُ ديناً وتؤمن به. عندما تكون الأحداث عربات والحياة قطار والقدر سكة حديد. عندما تجري خلف القطار لتهرب من حياةٍ قديمة.

رسالة جوّال:
“رغم دهان التعب على أسوار المدينة، ورائحة الجوع المنبعثة من الأجساد، لازالت القاهرة قادرة على تقديم قرابين الفرح للعابرين.”
الشاهين.

مدخل:
قد لا تجدُ فيما سأقوله علاقة بالمسج أعلاه، لكن ذلك لا يعني أنه لم يكن محرّضًا جيّدًا على كتابة ما سيرد أدناه.

الحبق:
إنني أشاهد جدتي في كلّ مكانٍ بهذه المدينة يا شاهين. إنها في كلّ وجوه النساء المسنّات. تتشكل ملامحها في المطاعم، في محطات القطار، وفي التفاتات العابرين. على دراجتي متجهٌ إلى منزل الأصدقاء، شاهدت سوقاً مؤقتاً مقاماً في موقف سياراتٍ مفتوح، كسوق الجمعة في الرياض، أو سوق الاثنين في صامطة، كان سوقاً ممتلئاً بالبائعين المسنين الذين –على ما يبدو- يعرف بعضهم الآخر بشكلٍ جيّد، وكأنهم يمارسون التنقل بين المدن سوياً لبيع سلعهم كما كان يفعل الغجر، دخلت بدراجتي متجولاً بين مباسطهم التي تكثر فيها الخردة والاسطوانات القديمة، وتُباع فيها الحكايات أكثر من بيع السلع. هناكَ رأيتها اليوم، تبيع أشجار الكرسميس، بالتحديد على رصيف المواقف قبالة ملعب البيسبول “رينغلي فيلد” حيث تقام مباريات فريق “الكبز”. كانت أشجارها صغيرة ونضرة، كريحاناتها المدللة المصطفّة إلى جانب جرارها الطينية في بيت القرية. فكرتُ أن أشتري منها شجرة، فقط لأتحدث معها، لأذكّرها بي، بعد أن أكل الدهر ذاكرتها.

خلال الصيف الفائت زرت القرية، وقفت على حقيقةِ تضارُبِ أفكارها، واختلاط الشخصيات والأزمنة في ذاكرتها، حيث قضت جدتي ليلةً كاملةً محاوِلةً إعطائي درسًا في الصبر على النساء، وإقناعي بأنني يجب ألاّ أطلّق نسائي الثلاث، إن لم يكن لأجلها فليكن ذلك لأجل أطفالي. لقد جاريتها تلك الليلة حتى أقنعتها بأنني لن أقوم بتطليق نسائي المتخيلات، وقبل أن أقبّل رأسها وأتمنى لها ليلة سعيدة، أشارت عليّ بأنها مستعدةً للبحث عن رابعة إذا ما رغبتُ بذلك.

لم أشترِ شجرة كرسميس من جدتي، اكتفيت بالخروج والوقوف أمام الإشارة الحمراء على درّاجتي، ومشاهدتها وهي ترمم رسغيها بأكمامها، تخبئ يدها عن الشتاء المستجدّ، الشتاء في بدايته، حيث لم يتعلم بعد لغة الثلج، لازال يهمس بجزيئات الندف متلعثماً، ولكنه ينجح في أن يجبرها على لبس قفازاتها. خلال البخار المنبعث مع أنفاسها، رأيتُ وجهها وهي تنظر إلى الفراغ باتجاهي، ذلك الوجه الذي جعدته السنين ومنحته براءة الكبار.

ذلك الوجه الذي كنت أشاهده دائمًا بعد عبور صحراء الربع الخالي جنوبًا في سيارة والدي، وبعد أن يسرد والدي حكاياته الكثيرة خلال النهار، وتحرس والدتي بصمتٍ الطريق الممتدّ كالعمر أمامنا خلال الليل، ساعات الاستماع إلى طلال مدّاح، عبدالله محمد وغازي علي، دقائق الجدل بيني وبين أخوتي، التعليق واللعب بالكلمات والأسئلة الساذجة، ولحظات الفجر حيث التصاق خدّي بزجاج نافذة السيارة أنظر إلى الجِمال العابرة وأترقب لوحات الطرق التي تعبر بسرعة إلى الخلف وتتركني أعدّ تدرّج أرقام المسافة المتبقيّة على جيزان، وبعد أن يطوي والدي جبال العقبة منزلقاً إلى حيث تتحوّل الجبال السوداء إلى مساحات سَبَخٍ رطبة، والصحراء إلى مزارع مترامية على أطراف الطُرق والأودية، والجِمال العابرة إلى أبقار بُنيّة، خراف بيضاء، حمير رمادية، وكلاب بمختلف الألوان ممتلئة بالبهجة والنزق وهي تجري خلف سيارات العابرين، بعد تلك المسافة يفتحُ خالي بوابة بيتها المتواضع، بسوره المصنوع من الزرب والأثل، ويتنهد والدي تعبَ الطريق وهو يلج بالسيارة إلى الداخل، تبرز صورتها، تقف هناك بذلك الوجه الكثير وجوده مؤخرًا، جوار عشّتها، تنظر إلى الفراغ باتجاهنا مبتسمةً، وتصطف خلفها بانتظام ريحاناتها المدللة، والجِرار التي تقبع تحت حراسة خالي وشمس الصباح الباردة.

إنها في كلّ مكانٍ يا شاهين. وكأن الأماكن تتحدث، تنقل أسرار عابريها، وكأن صامطة قد أسرّت خبر جدتي إلى شيكاگو، وكعادة هذه المدينة المفرطة في تعبيرها، فقد عبّرت بكرمٍ عن جدّتي، تماماً ككرمها في التعبير عن الحياة. لقد كانت موجودةً أيضًا الخميس الفائت في عيد الشكر، حيث دُعيت إلى منزل بيانكا، كانت جدتي تجلس على الطاولة الرئيسية التي يشغلها كبار العائلة، تتحدّث بالإنجليزية ولكنتها اليونانية عن الطبق الذي أعدّته عمّة بيانكا، وكنت أنا على الطاولة الأخرى مع بيانكا وأخيها نيثان، وابن خالها ديفيد وابن خالٍ آخرٍ لا أذكر اسمه. بعد وهلة، انسحبت جدّتي من جوّ الأحاديث الرتيبة هناك وجلست معنا، قبالة مكاني. يناديها الجميع ياياه – تعني جدّتي باليونانية-. أخذت تسألني عن عدد إخوتي. أجبتها بأن لديّ أربع أخواتٍ وأربع أخوة، وأنا الثاني في العائلة، ردت بتعليق مرح حول كوني أصلح أن أكون يونانيًا.

– لا تستحِ يا ابني، لتأكل قدر ما تشاء.
– قد أستحي من أي شيء “ياياه”، سوى الرغبة في الأكل.
– جيّد، أعطني صحنك كي أعبئه لك مرة أخرى، هاتِه..

بعد محاولة التملص منها، نجحت جدّتي بالحصول على صحني وتعبئته بقطع من صدر ديك رومي، بازلاّء، سلطة، وشوربة بامية- بالمناسبة البامية باليونانية: بامياس، وبعد التفكير في ذلك اكتشفت أن ثمة الكثير من أسماء الفواكه والخضروات العربية تعود إلى أصول يونانية كـ بطاطس، طماطس، أناناس- عادت وهي تردد كيف أن جيل اليوم لا يأكل ويتبع موضة الرجيم، الرجيم مرض، قالت وهي تضع الطبق أمامي وتطلب من حفيدتها بيانكا أن تسكب لي مشروباً.

في الطريق إلى البيت، طلبت جدّتي من بيانكا إيصالها إلى بيت أختها، كنت في المقعد الخلفي مع نيثان، وكانت بيانكا تقود السيارة، أما جدّتي فكانت تحاوِل إعطاء حفيدتها درسًا في الصبر على نزق خالها، بعد مضايقته لها خلال وجودنا في بيتهم. بعد دقائق أخرجت بيانكا الغليون، واستأذنت من جدّتي بأن تسمح لها بتدخين الماريونا. كانت قد أخبرتني بيانكا من قبل أن جدتها تحب الأعشاب، ولا تمانع الماريونا لأنها خالية من المواد الكيميائية وغير ضارة صحياً، أشارت إليها بالموافقة.

بعد دقائق، كنت أضع خدّي على نافذة السيارة، أنظر إلى لوحات الطرق، البط حول النهر، والسناجب تحت أشجار الصنوبر، أسبح بسيل من الأفكار المتسارعة، في جوّ ضبابي مليء بالانتشاء، أنظر بداخلي إلى وجه جدّتي خمسة أعوامٍ مضت، في مجلس ابن خالتي، حيث للتوّ وصلت إلى القرية قادماً من الرياض، وهي تعاتب ابن خالتي، تتهمه بالبخل، وتأمره بأن يزيد نصيبي من القات، كنت أحاول التملص من إصرارها، ولكنها نجحت بأن أقنعتني بالجلوس والاستمتاع، لأشعر بذات الانتشاء، وصدى حكاياتها ينساب في الفراغ، كما كان ينساب في بداخل تلك السيارة، جوار النافذة حيث أترقب صوراً من ذاكرتي تعبر بسرعة إلى الخلف وتتركني أعدّ الوقتَ المتبقي على كتابة جدتي.

شيكاگو
3 ديسمبر 2009
The painting “Old Woman” by: R.B.Lindsay

 

البومة، التي كان صوتها يرتطم بجدران البنايات ويتلوى ليلاً على أسماعنا، تم حبسها. إنها المرأة ذات الصوت الساخر. الصارخة وهي تتحدثُ حديثاً عابرًا مع المرأة الأخرى التي تسكنُ في زاوية شارعنا، أو مع المُسن الذي يدخن أعقاب السجائر ويسكن بنفس العمارة التي تسكنها، أو ضحكاتها الرنانة مع موصل البيتزا بدراجته، أو حتى نقاشاتها الساخنة مع نفسها. كان صوتها يرافقنا ونحن نتابع التلفاز ليلاً منذ أن انتقلتُ أنا وصديقي إلى هذا الحيّ الذي يبعد عن وسط المدينة مسافةَ خمس صفحاتٍ من روايةٍ ما وأنت تستقل القطار.

كنّا نتأففُ. نتضايقُ نوعًا ما. كان صوتها مزعجاً إلى حدٍّ منطقي. ولكن، وبلا أي تدرّج، بلا أيّ تحرّكٍ تنازلي في نوعيّة ما يشكلهُ صوتها حينما نسمعه، وبسرعة التأقلم، تحوّل صوتها إلى عادة سمعيّة، خلفيّة صوتيّة تبدأ الساعة التاسعة مساءً وتنتهي في وقتٍ مجهول ونحنُ نيام. أصبحَ صوتًا لا يلفتُ الانتباه. كتلك الأصوات التي تُروّض نفسها، وتصبح جزءًا من الروتين السمعي غير المُلاحظ. كطقطقة قطرات الماء المتتالية من ماسورة القرية بجوار منزل جبران عندما ترتطم بقعر علبة حليب نيدو أكلها الصدأ. كأنين مُكيّف حجرتي بالرياض، المكيّف الذي لا يعني لي صوتهُ شيئًا عندما يعمل، ولكنهُ يعني النقص عندما لا يعمل. إنها الأصوات التي تتبدّل دلالاتها لتحلّ محلّ دلالة الصمت، السكون، الأصوات التي تعني السكون.

نتحدث، نحتسي شايًا بالحبق، نعمل على مشروع دراسي، نشاهدُ فيلمًا محرّضًا على الاندماج معه، تختلف وتستمرّ نشاطاتنا بداخل الشقة بشكلها الطبيعي، وبالخارج يستمرُّ ولا يختلفُ صوتها المتذبذب في الما حول، المقتحم نوافذ الشقّة بخفّةِ الحريص، المشكّل للهدوء الذي نفهم، المترنح في زوايا الحيّ والمقبرة القريبة، الصانعُ دوره كما يجب، طبقًا لسيناريو هذا الحيّ وربما الحيّ المجاور.

اليوم توقفت سيارتا شرطة بجوار العمارة التي تسكنها، نزل أربعة أفراد من الشرطة ثلاثة رجال وامرأة، بقي اثنان بالخارج يتحدث كلّ منهما من خلال راديو الشرطة، ودخلت المرأة والرجل الثالث. تلاشيا بالداخل لدقائق، ثم خرجا يقودان البومة وهي تصرخ وتولول، زجَّا بها على المقعد الخلفي، وأغلقا بابه، فتلاشى صوتها مع لحظة ارتطام الباب بكتف السيارة.

بالنسبة لي في العمارة المقابلة، خلف نافذتي، لم يكن الصوت دقيقًا في تعبيره عن فكرته. أعني أنه لم يوصل لي ما أرادتْ هي إيصاله خلال عملية الصراخ. ببساطة، كان مجرد صوتها الذي أسمعُ كلّ ليلة.

نظرتُ إلى مؤخرة رأسها وهي تجلس في سيارة الشرطة المغادرة، حتى اختفت بعد أن تجاوزوا المقبرة، وتعلق نظري هناك.

للمقابر حياتها، أشكالها. المقابر هنا خضراء، تحوي أشجارًا طويلة، وأحجارًا رخاميّةً نُحتت عليها أسماء أصحابها وتواريخ قدومهم للحياة وخروجهم منها، عدد السنين التي قضوها يمارسون دورهم طبقاً للسيناريو الأكبر، سيناريو الكون. المقبرة القريبة من شقتي الجديدة لها جاذبيّتها الخاصة، تتفرد بترك انطباعٍ حميمٍ جدًا. تختلف كليًّا عن مقبرة القرية، والتي تبعد مسافة اختباء وأنا طفلٌ ألعب “الساري” بجوار عشّة جبران. المقبرة التي دُفن فيها جدّي الذي لا أعرفه، الذي مات قبل أن تولد فكرة الزواج لدى والدي.

أذكرُ أول مرةٍ دخلتها. كنتُ في العاشرة ربما. أذكرُ أننا قضينا أجازة صيف ذلك العام كاملة في القرية كالعادة. وخلال ذلك الصيف كنتُ محظوظًا بحصولي على فرصة دخول المقبرة ثلاث مرات خلال ثلاثة أسابيع. كان أوّلها عندما قادني الفضول ومشيتُ خلفهم من المسجد حاملين جثّة رزّاع أمقحم. أُطلق عليه ذلك للتفريق بينه وبين ابنه رزّاع الابن. لقد عرفتُ أنني سأدخلها منذ عصر ذلك اليوم، فقد شاهدت بوابتها مشرعة. وخلال ما جمعته من ذاكرةٍ بصريةٍ للقرية إلى ذلك الوقت، لم أكن قد رأيتُ سور المقبرة الطويل ببوابةٍ مشرعة، بذلك الفراغ في منتصفه والمساحة الجرداء الممتدّة عمقًا بالداخل. وحينما سألتُ ابن خالتي أجابني وهو يركل الكرة باتجاهي أنهم يحفرون قبرًا لرزّاع أمقحم، وواصل يجري صوب المرمى متوقعًا تمريرةً مني ومتأهبًا لهدف.

كانت أرضاً جرداء إلاّ من حشائش متفرقة هنا وهناك، ونتوءات بنفس لونِ الأرض تغطي ثلثي مساحة المقبرة. لا أحجار رخامية، لا أخشاب، لا أسماء، ولا دلائل تشير لهوية الكائنين أسفلها ولا تواريخَ تشهدُ بعبورهم.

خالد الصامطي
شيكاگو
أبريل 27، 2009

النص في مجلة سين

 

قبل ذلك بيوم، كانَ يشغرُ السّريرَ شخصٌ آخر. عندما ينام “يشخر” كثيراً بشكلٍ مُخيف، بصوتٍ مرتفع، لدرجة أنّه بالإمكان أن يتحوّل إلى “أسد” أو ربما “دَبّاب سِباق” في أيّة لحظة يمكن أن يتخلّق من جديد، وينبت لهُ شعرٌ كثيف حول عنقه ورأسه، أو أطرافٌ من الـ”جنوط” والـ”تواير” -ككلمةٍ مُعرَّبة-. عندما ينام تجتمع الممرضات أمام الحجرة المكوّنة من سريرين، ويضحكن بالـ “تاگالوگ”. ضحكة لغة التاگالوگ غريبة، هي بشكلٍ ما تشبهُ الحديث العادي في لغة الدجاج.

هو شخصٌ سمينٌ جداً، ويعمل كـ”قائِل نكات” لدى أحد الأمراء. لا أدري هل فعلاً مُسمّى وظيفته “قائل نكات”، أو “خويّ” أو “بودي قارد” –فعلاً لا أدري بالضبط- المُهمّ أنهُ رجلٌ في نهايةِ الخمسينات من عمره، ويعملُ لدى أحد الأمراء. ولن نختلف على مسمّى الوظيفة، حتّى لو كانت “مصلّح ساعات” أو “تمرجي”. هذا الرجل الذي كانَ يشغل السّرير قبل ذلك بيوم –كما قلت في بداية النص- لهجته بدويّة قحّة. كانَ يشتكي من ألمٍ ما في “كليته” المزروعة، وبعد أن ظلّ ثلاثة ليالٍ في “الطوارئ” إلى أن فَرَغ هذا السَّرير، جاؤوا به، والمشكلة أنه عندما وصل، لم ينم سوى يومٍ واحد. في اليوم التالي، جئتُ صباحاً وقبّلتُ رأسَ جارهِ في السَّرير، الرجل الكبير الذي يعنيني أمره. المهم أنني اكتشفت أنَّ “قائل النكات” غادر، من الطبيعي أن أكتشف ذلك، لأنه ليس بطلنا على كلّ حال، ولأنّ “أبوفهد” كان نائماً على ذاتِ السرير، كـ حلٍ بديل، وشاغلٍ جديد للسرير ذلك اليوم.

“أبوفهد” بطلنا، رجلٌ في نهايةِ الخمسينات أيضاً. كانَ يعمل “وكيل رقيب” في الجيش. يقول أنّ الرئيس الأمريكي “كتينتون” منحهُ شهادة عندما زار الخفجي بعد حربِ الخليج الثانية. وكما يقول أنّه عندما دخل “الجهرا” شاهدَ فتاةً عمرها ثلاثة أعوام، كانت مذبوحة، حملها وبكى. هو لا يقرأ ولا يكتب، ومُتقاعدٌ حالياً. زرع كليته قبل عام. يقول أنّهُ عندما ركب الطائرة لأوّلِ مرّةٍ قادماً إلى الرياض قبل ثلاثين عام “كنتُ شاباً قوياً” هكذا يتنهّد، قام بوضع الفلفل والملح في الشاي الذي قدّمته المضيفة، لذعه الطعم واندلق الشاي على ثوبه. خلعه في حمّام الطائرة وشطفهُ.

“أبوفهد” لا يُحبّ الصّخب. لذلك هو لم يهتم بسخرية الآخرين في الطائرة عندما عاد إلى مقعده بسروال قصير وفنيلة “علاّقي”، بعد أن نشرَ الغسيل في ممرّ الطائرة لبعض الوقت. ولذلك أيضاً لا يهتمّ بتفسيرات الآخرين. هو يُحبّ أن يرى الحياة بعدستهِ الخاصّة. عدسته المُتخلّية عن قيود المثاليات ووجهات النظر المُخالفة. يصمت كثيراً، وعندما يتحدّث يحكي مواقفَ كثيرة. طبعاً ستكون كثيرة، لأنهُ عاشَ عمرهُ بتفاصيله، منذُ زمن وهو يعيشُ في هذهِ الدنيا، منذُ أن كان هناك شارعٌ في الرياض يُدعى “شارع البرسيم”.

ولنفسِ السّبب -أعني كونهُ لا يُحبّ الصّخب- يُشاهدُ التلفاز بلا صوت. يتأمّل الصور، المشاهد، الأفلام، البرامج الوثائقيّة، والمقاطع الأخباريّة، ويُفسّر كلّ ما يُشاهدُه بمزاجيّة طريفة. بطريقتهِ الخاصّة جداً. ذاتَ يوم كنتُ أشاهد معه التلفاز على طريقته، أشار إليه وقال لي [هذا زعلان عشان الحريري مات] كان مقطعاً إخبارياً يعرضُ أحد المسؤولين العراقيين يتحدّث بغضب وبيده صور وأوراق وأفلام فيديو، وفي الشريط أسفل الشاشة مكتوب [ظهور أدلّة جديدة تُدين القوات الأمريكيّة في جريمة تعذيب سجناء أبوغريب], هززتُ رأسي موافقاً، وسرحتُ بعيداً.

بشرتهُ سمراء داكنة، ووجهه ممتلئ بمرح وسماحة، ولأنهُ لم يحلق ذقنهُ منذُ أن دخل المستشفى. فقد بزغت شعراتهُ البيضاء مغطّيةً ذقنهُ وخدّيه، أعطتهُ هيبةً أخرى، أمسى وجههُ لوحة هوليوديّة. يليقُ بهِ أن يُمثّل دورَ الجدّ في عائلة سوداء. الجدّ الحكيم الذي فهم الحياة جيّداً وعاشَ فترةَ ما قبل النقلة الاجتماعيّة الجذريّة هناك وعاصر مارتن لوثر كينغ، ويتسلى عادةً بشذبِ العشبِ في الحديقة، والكلامِ العميق الممتلئ بالحكمة مع أحفادهِ المتهوّرين. ويبتسم للعابرين.
هو لا يهتمّ بالتسميات الصحيحة للأشياء. ببساطة يُكوّنُ جملةً تُفهم بعدّة اتجاهات. ربما لو كانَ كاتباً لمنح القارئ جميع حقوقه في الخيال، وفي فهم النّص المفتوح كما يشاء. لذلك عندما هبطت تلك الطائرة، قبل ثلاثين عام، كانَ الجوّ بارداً، ولازال ثوبهُ مُبتلاً، هبطتْ في المطار القديم، أوقفَ سيارة أجرة، وطلب منهُ أن يوصلهُ إلى “شارع الحشيش”. ولذلك أيضاً أخذتهُ فرقة من [المباحث] بعد أن أصرّ على أكثر من تاكسي بأن يذهب إلى الشارع الذي يبيعون فيه الحشيش في “برحة” كبيرة، دون أن تُدرك تلك الفرقة -سوى متأخراً- أنّ البرسيم أيضاً من حشائش الأرض. ودونَ أن يُدرك أبو فهد أنّ أهل المُدن يختلفون عن أهل القرى، لم تكن “موضة” النصّوص المفتوحة لأكثر من احتمال قد وصلت المُدن بعد.

في أحد الأيام، كنتُ نائماً على “الصوفا” بجوار سرير الشخص الذي يعنيني أمرهُ كثيراً، أكثر من أيّ شيء, أيقظني “أبوفهد” قال لي أنَّه لم يفهم ما تقوله الممرضة “برتقالة” –لقد منح كلّ موظفٍ في المستشفى مسمىً خاصاً، وبالمجّان أيضاً- بعد أن توجهت إليَّ بالحديث، وغادرتْ، ترجمتُ لهُ أنّها تريدُ منهُ ألاّ يأكل إلى الغدّ حيثُ سيأخذون من كليته عيّنة. والحقّ أنني لم استمتع بالنرجسيّة التي يشعر بها الشخص عادةً عندما يشرحُ للآخر شيئاً لا يفهمه، وهذا الشعور يكونُ مُضاعفاً عندما يتعلّق الأمر بالترجمة، لم استمتع لسببٍ بسيط وهو أنّني لم أُكمل ترجمتي، فقد سمعتُ صوتَ شخير، قادمٍ من خلفِ ستارة “أبوفهد”. عدتُ إلى وضعي على “الصوفا”، ونمتُ على صوتِ سمفونيّةٍ كانَ يؤدّيها جوقةُ موسيقيّين، مكوّنةٌ من حكيمين، قادمين من قرىً جنوبيةٍ متجاورة، قد يختلفان عن بعضهما ويتفقان، ينامانِ على سريرين متجاورين، ويهمّني أمرهما كثيراً.

من مقولات أبو فهد التي التصقت بالذاكرة: [الكلية حيوان ضعيف في جسم الإنسان، والإنسان كـ الآدمي, ما يصيبه إلاّ المكتوب].

منذُ أن قدم “أبوفهد” تحسّنت صحّة جارهِ السّريري الذي يُهمّني أمرهُ كثيراً، أصبح يبتسم، ويتحدث، ويحكي لي قصص طفولتي ويضحك. نفسيتهُ السعيدة أثّرت إيجاباً على وظائف جسدهِ العضويّة، غادر المستشفى بعد أكثر من شهر. ودّعنا “أبوفهد”، وهو بدورهِ وعدنا أنهُ سيخرجُ قريباً، وكأنهُ يحرصُ على رسمِ التفاؤلِ في الطُرقِ بعبثيّتهِ وقراراتهِ ومزاجيّتهِ الطريفة، يحرصُ على ذلك حتّى في الدقيقة الأخيرة. وعدتهُ بالزيارة، وخرجتُ بصحبةِ “والدي”، خرجتُ وبقي “أبوفهد” يُشاهد التلفاز بلا صوت.
إلى أبوفهد, الرجل الأُمّي, الذي باستطاعتهِ أن يقلب مفاهيم وناموس الحياة, دونَ أن يمسّ النظام الكونيّ, كأن يجعل من المستشفى روايةً لم تُكتب بعد, ومن الصوت مادةً غير ضروريّة لاستمرار السّماع. الآن عدتُ مُجدداً, أكتب, وأسمعُ جيداً.
_________________________
كتبتُ هذا النص بتاريخ 28.11.2005
وعلمتُ مؤخرًا، أن أبا فهد، قد تركَ الحياة بصخبها، ودّعها دون أن يمنحها متعة إزعاجه، ودعها مبتسماً، بعد أن أعطى لكلّ شيءٍ فيها اسماً من مخيلته، ولكلّ حدثٍ فيها معنى يفهمه ويعجبه.. رحل، وتركَ غبارهُ النقي في قلبِ الرجل الذي يهمني أمرهُ كثيرًا..

ليس بسبب البعد عن اللغة والانقطاع، ولا الأحداث الكثيرة والتفاصيل المُلحّة التي تتراكم كلّ يومٍ هنا، ولا السعادة المنتشرة بإفراط، ولا العودة إلى المنزلِ وحيدًا الليلة. ليس بسبب الأحزان القليلة جدًا والطارئة، ولا بسبب الانتشاء المعقول، ولا الأمطار المتتالية بكثافة، ولا تحوّل أوراق الشجرة -الطويلة بجوار البيتِ- إلى الأصفر خلال يومٍ واحد، ولا استمرار تساقطها منذ اليوم التالي. وليس بسبب قراءة “في مديح النساء الأكبر سنًّا”، ولا إصلاح سلسلة الدراجة ظُهر الأمس، ولا بسبب شكل زيت سلسلة الدراجة على أطراف أصابعي الذي يُذكّر بشكل أصابع صغيرة وقديمة. وليس بسبب جورج السحلية، ولا رائحة الهيل في المطبخ، ولا بسبب الأفكار العظيمة أو الأفكار الأعظم. وليس بسبب ضغط الدراسة، ولا السنجاب الذي يحاول التغريد، ولا الخمسة عشر دولارًا التي جلبتها رياح الكارما، ولا الفتاة التي أقابلها في باص 81، ولا بسبب باص 81، أو سائقة باص 81. إنما هي مجرد رغبة في الكتابة، الكتابة عن الأسباب االمختصرة ذات التوابع الشاسعة، الكتابة عن البعد عن اللغة والانقطاع الذي طال، وعن الأحداث الكثيرة والتفاصيل المُلحّة التي تتراكم كلّ يومٍ هنا. عن السعادة، الوحدة، الحزن الطارئ والانتشاء، عن أوراق الشجر الصفراء، والنساء الأكبر سنًّا. عن السحالي والهيل. عن الأفكار، الدراسة، السناجب وقلة المال. عن الفتاة التي أقابلها في باص، وعن الباص وسائقة الباص.

400 x 600

أَنَا أوّلُ الآخَريْن..

أَنَا آخَرٌ فِي الفَضَاءِ البَعِيدْ..
أَنَا أَشْعثٌ، متعبٌ.. غوَايَةُ سَفَرٍ وسَهَر الطَرِيقْ..
بغَضِّ النَظَر عَن قَمِيصِ الجَليدْ..
أَو عَن صِفَاتْ..

فَحَتّى السُبَاتْ.. السِّرْمَدي الأَكِيدْ..
حَتَّى المَمَاتْ…
حَتَّى إذَا مَا اَسْتَمَالَ الهَدَبْ..
وَ لَمْ يَتَشَهَّدْ لِرَفْعِ الصَلَاةْ..

أَنَا فِي الَليَالِيَ لَنْ أَسْتَوي…
لَنْ أَسْتَقِيمْ..
كَـ غُصْنٍ يَتِيمْ..
كـَ سِرّ الحَيَاةْ..
سَأَبْقَى أَنَا.. كَمَا لَمْ أَشَأْ..
جَوَادٌ يَلُوكُ الصَهِيلَ.. وَحِيْدْ
29/06/2004

248 x 225 pixels

جاردي. بصدق، أنا أحاول أن أكتب، لكن كلما فتحت صفحة وورد أبدأ بسطر ثم أتوقف، لا أجدُ ما يمكن قوله رغم حشود الحكايات في رأسي، رغم حشود الأحداث التي أجري خلالها كلّ يوم. أقول “أجري” وأنا أعني ذلك حتماً. الأحداث هنا لا تجري حولنا يا جاردي. الأحداث تكون حولنا وفيما بيننا، ونحن نجري خلالها، أو هي تتخللنا. أو ربما كلانا نجري ونتخلل بعضنا البعض. الأحداث هنا متداخلة بشكل يصعب معه على مركز الترجمة في رأسي وصفها، أو ربما قد أقضي محاولاً وصفها وقتاً لا أطيق معه صبراً، فأتوقف عن الوصف وأخرج لمواصلة الجري خلال الأحداث. لا أعرف كيف أقول ذلك، ولكنها حقيقة!

أشعر أنني بدأت فكرةً أعلاه، ثم لم أنهها. نعم، تذكرت.. كلما فتحت صفحة وورد أبدأ بكتابة سطر ثم أتوقف، وأغلق صفحة الوورد. الغريب في الأمر أنني عندما أبدأ بالكتابة لأيّ أحد أجد أن الأحداث تبدأ بالتحوّل تلقائياً إلى كلام مكتوب، وأواصل الاسترسال كما أفعل الآن، الأمر غريب يا جاردي!

وعندما أفكر بالأمر، (أكتشف) أن الحبق الحافي بأعداده جميعاً، كان موجهاً إلى شخصٍ ما، الشاهين، رياض، مشعل، هاشم.. إلخ! هكذا إذن! ليكن هذا حبقي الحافي رقم تسعة.

إذن يا جاردي، بعد إجازتي في السعودية، عدتُ إلى هنا لأجد “فيليبي” قد ربّى لحية وشارب وبدا وكأنه قادم من الستينات، كأنه أحد الهيبيز الذين كانوا يعيشون للفن، الموسيقى، التنقل برّاً، التخييم، ممارسة الحبّ والحياااة ببساطتها. ولكي أكون أكثر صدقاً، لطالما أعجبت بثقافة الهيبيز وكم تمنيت أنني وُجدتُ في تلك الفترة هنا في آميركا، أعني من بداية الستينيات إلى منتصف السبعينيات، ولكنني لم أكن سوى مجرد فكرة في مخيّلة والدي وهو يجلس على مكتبه كمحاسب مستجدّ في شركة مبتدئة وسط البلد، البطحاء. في تلك الفترة، فترة الهيبيز، تفجّرت الموسيقى، ليس في آميركا وحسب، بل في كلّ العالم الغربي أجمع.

في الوقت الذي كان “جيمي هاندركس” على المسرح يغني “هيي جوو” في منتصف مكان مكشوف، وحشود المتفرجين حوله يدخنون الماريوانا ويبتسمون ويتمايلون مع كلّ نوتةٍ يتفنن بها هاندركس، بأصابعة، بلسانة، وبكل أطرافه، في ذات الوقت كان “بوب مارلي” يحيي حفلةً في إنجلترا أو في جامايكا، ويصدح ” نوو ومن نوو كراي”.

– فيليبي، تبدو كـ”هيبي”؟
– أحاول ألاّ كون كذلك، ولكن منظري يوحي بأنني واحدًا منهم.
– وما الذي يمنعك من حلاقة وجهك؟
– لا أحد يستطيع أن يتلاعب معك بالحديث! الحقّ؛ أنا أعيش جوّ هيبي منذ أن انتقلتُ إلى السكن مع لويس.

“لويس” لا أعرف لماذا لم أقم بذكره من قبل! رغم أنه شخصية مهمة جداً منذ وصولي إلى شيكاغو. “لويس” شاب في العشرينات من عمره. ذو شعرٍ طويل متدلٍ إلى عشرات الجدائل، تماماً كـ “بوب مارلي”.
جسده مغطىً بالتاتوهات، عندما أراه أتذكر مسلسل “برزنت بريك”. أتى من البرازيل، من أمّ برازيلية وأبٍ نيجيري مسلم. يقول أنه نصف مسلم نصف مسيحي، ويشعر أنه لا ينتم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. في منزله، بمنتصف غرفة المعيشة، يعلق خارطة الشرق الأوسط، ومقالات متفرقة عن الأحداث في العالم العربي، جمعها من صحف متعددة منذ وصوله إلى الولايات المتحدة منذ ما يزيد عن سبع سنوات. على أية حال، بما أنه انتقل من شيكاغو للسكن في “مينيابلس” الأسبوع الماضي، أعتقد أنه لا حاجة للحديث عنه، ولا يعني ذلك نفي احتمال وروده في حبقٍ ما.

– مجلة القافلة الصادرة عن شركة أرامكو- عدد يوليو/ أغسطس 2008م.
– نسخة PDF للقسم الثقافي بالعدد، المقال صفحة 17-22

«احتمال وارد» مجموعة قصصية هي الأولى للقاص السعودي الشاب خالد الصامطي.
ولأن القراءة المتأنية لهذه المجموعة التي تتضمَّن خمس عشرة قصة قصيرة، وبعضها قصير جداً، تؤكد موهبة تستحق التوقف أمامها، الأمر الذي لم يحصل بشكل منصف في الإعلام المطبوع، تعرض لنا فاطمة الجفري قراءتها لهذا العمل، وتختار لنا اثنتين من قصص المجموعة التي تجعلنا ننتظر الثانية.

فاطمة الجفري:
إن كانت مجموعة خالد الصامطي الجديدة «احتمال وارد» أمامك على رفوف المكتبة، فثق أن عينيك لن تغفل عنها وتتجاوزها لتتصفح غيرها.

ربما كان لهذا علاقة بالغلاف المبتهج بألوانه، المفعم بروح فتية تحذرنا ضمن ما تحذرنا منه على الغلاف، بملصق «قابل للكسر»، إلا أنه تحذير لا يقوم على إيمان حقيقي بأن محتوى الكتاب هش فعلاً ويمكن أن يتعرَّض للكسر بسهولة، بقدر ما هو آتٍ من أن القاص نفسه يبدو وكأنما لا يأخذ تجربته في عالم الكتابة والنشر بجدية المكافح الآمل في مساحةٍٍ ما وسط الزحام. فهو -كما يبدو من حديث له في أحد منتديات الإنترنت- مقدمٌ عليها بنوع من المزاجية المترفعة التي تأتي وتذهب كما يروق له.

ولكن القارئ لقصص الصامطي يدرك بسهولة أن هذه المزاجية والاستغناء عن مطاردة حلم الانتشار تتوقف بشكل مفاجئ وقاطع أمام حدود ما يكتبه قلمه. نرى الجدية والإحكام، والعمل الدؤوب المتأني في كل قصة من القصص الخمس عشرة التي تحتويها المجموعة، والتي تبدأ بقصص متوسطة الطول تحتل صفحتين أو ثلاث من القطع المتوسط، وتمر بقصص قصيرة جداً لا تتجاوز مساحتها صفحة، وتختم بقصة طويلة نسبةً لبقية قصص المجموعة وإن لم تتجاوز صفحاتها العشر. وعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي قوبلت به المجموعة المقتصر على احتفاء متابعي الكاتب ومعجبيه بها وفرحتهم بصدورها على صفحات الإنترنت، إلا أن المجموعة تستحق الالتفات والدراسة بجدية كنموذج ناجح للمجموعات القصصية السعودية الصادرة مؤخراً.

عالم قصصي وارد
تبدأ المجموعة بمقدمة كتبها القاص الشاب منصور العتيق. والمقدمة استثنائية في توائمها مع لغة المجموعة وروحها، دون ذكر إحساس الصداقة الذي يتسلل إليك من المقدمة فيصيبك بالعدوى وتشعر بأنك إلى جانب صديقين طالما كنت ثالثهما.

يصف العتيق أبطال المجموعة القصصية بأنهم ثائرون مهمشون، ويقدمون على أفعال غير متوقعة دائماً، وإن كانت محدودة في نطاق ضيق هادئ. وبالفعل، فإن المحور الأولي المباشر الذي يجمع بين غالبية أبطال القصص هو أنهم لم يحوزوا شرف «العادية». ليس منهم من هو عائل أسرة يكد ويسعى ليحصل على قوته وقوت أولاده، وليس منهم من هي فتاة تقف بين أن تتزوج الفقير الذي تحب أو الغني الذي تحبه عائلتها، وليس منهم العجوز الذي تركته أسرته يقاسي برد الوحدة في آخر عمره. حياة أبطال الصامطي قصص في حد ذاتها، قبل أن يقرر كاتبها أن يحكي خيطاً واحداً من عشرات الحكايات المنسوجة في عالمهم. وربما لا يخرج الكاتب في هذا عن بقية القصَّاصين الذين رفعوا راية المهمشين في الأرض، وكرَّسوا مساحات واسعة من إنتاجهم للتعبير عنهم، إلا أن المجموعة تتميز بجملة سمات تتزاوج فيما بينها لتقدم خلطة متقنة ومتفردة قد يتعود القارئ على نكهتها، وسريعاً ما يعرفها باسم كاتبها، خاصةً إذا تتابع إنتاج الكاتب على الوتيرة نفسها.

فعلى سبيل المثال، للافتتان بحالة «الدروشة» -إذا جاز لنا أن نختصرها بهذا التعبير- مكان واضح في قصص خالد الصامطي. إذ من بين خمس عشرة قصة، نجد أربعة متفوقة منها تستكشف هذه التيمة: الدرويش في «حالة استطراد طويلة»، البله في «أشعث أغبر»، المهووس في «مجرد قارئ جيد»، المتشرد في «ترقُّبْ»، وكلها تنويعات على وتر يعرفه القارئ. الرجل الذي غوته فكرة ما فأفقدته عقله، أو جزءاً منه.. أو على الأقل هذا ما يراه الناس فيه، بينما يجرؤ الصامطي بكل بساطة أن يتعايش مع ما وراء الدروشة، فيقدم تبريرات أو شروح -أيهما تفضل- لهذه الحالة.

هذه القصص الأربع من القصص المهمة في المجموعة، إلا أننا نتناول هنا قصة «أشعث أغبر»، التي يطلب فيها الكاتب من قارئه تجميعاً لقطع مختلفة من لعبة «بزل» حول بلاهة القرية، وتراوح هذه القطع بين تلخيص لما يراه أناس مختلفون في مواقع مختلفة في هذا الرجل المتطاول الذي يقف على الأرض العطشى مخاطباً السماء ومطالباً بالمطر، وما يستخلصه القارئ مما يقوله هؤلاء أنفسهم، فهم في نهاية الأمر تطوعوا أو اضطروا إلى أخذ موقف ما من تطاوله في نظرهم. وقد يكون اختيار الكاتب لهذا الأسلوب تحديداً مغامرةً غير محسوبة جيداً إن استخدمه في قصة أخرى، أما في هذه القصة بالذات فيصعب أن نعود ونتخيل كيف يمكن له أن يُبدع تأثيراً أجمل من هذا التأثير، بحذفه بعضاً مما يمكن أن يُقال كي يوصل إلى القارئ كل ما لا يمكن أن يُقال.

من جهة ثانية، تقدِّم هذه القصة، مع بقية القصص الأخرى، سمة أخرى من سمات عمل خالد الصامطي. فهو لا يستجدي عطفاً من أي نوع على أبطاله. على الرغم من هامشيتهم وأحوالهم البائسة. فأنت لا تشفق على هؤلاء الأبطال، بل تجلهم كما ينبغي أن يُجل البطل، وقد تدرك أن من تقرأ عنه يستحق عطفك، ولكنك لكبرياء قلم الصامطي لا تستطيع أن تشعر بهذا من الكلمات. فقصة مثل «يرحلان» الحافلة بتفاصيل ذكية حزينة، تنجح في أن تفلت من قبضة إشفاقك مع أن كل شيء فيها يدعوك إلى الوقوع في الأسر، بدءاً من الوصف الدقيق للأخ الأكبر القابض بيد متعرقة على ريالين بشكل عبثي، والأصغر الذي يختار نوعاً جديداً من الحلوى في كل مرة يدخل فيها الدكان، مررواً بالجمل القصيرة المفاجئة بعد مجموعة من الجمل الطويلة، وانتهاءً بالحدث المكثف في مقابل الوصف المطول.

بين صوت الكاتب وحضور مدينته
يُدرك القارئ الحضور الدائم للصامطي في خلفية المجموعة. وإن لم يكن هذا الحضور مستفزاً، إلا أنه في أحيان يطغى على صوت القصص.

ثقافته المتنوعة، على سبيل المثال، تفرض نفسها ضمن مفردات سرده، فهو يشير إلى رواية موريسون ولقاء الماغوط في «منتصف الليل والوطن والأشياء الأخرى»، ورواية العطر ومعزوفة فانغليز في «هنا»، كما يشير إلى بيكاسو وباخ وإبراهيم الكوني وأعماله عن الصحراء وسط حديثه عن الجدة صفية الأمية في «في جيدها عقدٌ من بلد». وإن كانت هذه الإشارات مقبولة أو متوقعة في القصتين الأوليين، إلا أنها أيضاً مقبولة وجميلة وغير مقتحمة في معرض الحديث عن صفية، تلك التي في جيدها حبلٌ من بلد، والتي أعتبرها من أجمل قصص المجموعة.

وهناك حضور آخر بقامة مهيبة هذه المرة نراه في حضور الرياض في قصصه، حتى في تلك التي لا تذكرها صراحة. الرياض كانت البطل المهيمن في «خط البلدة لا ينتهي»، والرياض كانت الإطار الأكبر الذي يعلو على حدود المكان الضيقة في «هنا».. وكلما أتى ذكر الرياض، اكتسبت كلماته ثقلاً يشي بما تعنيه المدينة له.

قصص المجموعة القصيرة جداً، تلك التي لم تتعد كلماتها نصف الصفحة، كقصتي «سقوط» و«أعمى» اختلفت في نوعيتها عن بقية القصص، وقد يرى البعض فيها بساطة جميلة تروق له أكثر من إحكام قصصه الأطول، إلا أن الثقل في كفة الميزان الأدبي يميل لصالح الأخيرة، ويعود جزء من هذا إلى ظهور أسلوب الكاتب وتميز بنائه القصصي فيها. أما «هنا»، القصة الأطول بين قصص المجموعة والتي اختار الصامطي أن يختم بها مجموعته، فقد كانت تغريداً خارج السرب، حيث أطلق الكاتب لقلمه العنان في استطراد لم يتفق مع بقية قصص المجموعة، ولم يضف حقيقةً لبناء القصة ذاتها.

مجموعة «خالد الصامطي» الجديدة لا تُشترى فحسب، بل تُقتنى. وليس من الضروري أن يفتنك غلافها، أو تعجب بحرفية رسومها الموزعة على قصصها المختلفة، بل وليس من الضروري أن يضاف اسم كاتبها إلى قائمة كتَّابك المفضلين. هناك سبب آخر يمكنك أن تتعلق به إن فاتتك الأسباب البديهية التي قد تدفعك إلى اقتناء كتاب. وذلك أن المجموعة من بدايتها وحتى نهايتها تموج بنضارة التجارب الأولى. يبدأ هذا من دار النشر الشابة «رحلة حياة» بقيادة أحمد عثمان، ويمر بمصممة الغلاف أروى العمر والرسامة نورة العفالق، وينتهي بالكاتب خالد الصامطي في تجربته الأولى التي وضعتنا في حالة انتظار للثانية.

خالد علي الصامطي
• قاص سعودي من مواليد الرياض في الخامس من مارس عام 1981م.
• حصل على بكالوريوس الترجمة في اللغة العبرية من جامعة الملك سعود في الرياض.
• حصل على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة بمهرجان الشباب العربي العاشر بالخرطوم عام 2005م، وكذلك مسابقة جمعية الثقافة والفنون في الأحساء للقصة القصيرة في العام نفسه.
• رسام كاريكاتوري نشرت رسومه في الملحق الثقافي الأسبوعي لجريدة الاقتصادية.
• يدرس حالياً الماجستير في تخصص نظم المعلومات في جامعة ديبول في شيكاغو الأمريكية.

مقتطفات

في جيدها عقدٌ من بلد

إنها جدتي.. ولقد ماتت..

صفيّة، التي لولا أنها وجدت نفسها -على سبيل القدر- امرأةً قرويّةً، ترعى الغنم، تطرحُ القصب لبقرتها، وتذهب كل صباح للسقايّة، ولولا أنها أيضاً كانت تحصد «الخَضير» وتصدحُ بأهازيج المزارعين، لكانت شيئاً آخر لا يختلفُ كثيراً عنها، مثلاً: سيّدةً إنجليزيةً نبيلة، تجمع أسطواناتٍ موسيقيةٍ لباخ، وتحب لوحات بيكاسو وموديلياني النادرة، تكتب مذكراتها اليومية وتجاربها القديمة بكل جرأة، أو لكانت في بيئةٍ مقاربةٍ لبيئتها، مثلاً: كعجوز أسكتلندية تجلس على كرسي هزاز، تستظل بمدخل منزلٍ ريفي، تغزل شالات صوفية وهي تنتظر عودة جدي من المزرعة، الذي بالتأكيد لن يكون مختلفاً عن «سراج» النائم في غيبوبة تامة منذ وفاتها، مثلاً سيكون «وليام» المحارب القديم الذي يروي دائماً حكاية قتله لخمسة جنود إنجليز، بثلاث رصاصات فقط!

لكنها -ببساطة ودون الحاجة إلى أي تبرير- جدتي صفيّة التي ماتت.

أعني أنها هي كما عاشت حقيقةً، لذا كانت تضحك راضيةً، وعندما تفعل ذلك، تظهر أسنانها مكتملةً بيضاء، كعقدِ لؤلؤ. أكدت لي يوماً أنها ليست نادمةً على شيء، أو بالضبط؛ خلال ثمانين سنة لم ترغب بعيشةٍ أخرى، وكما قلت: كانت تضحك، رغم أنها تحزن عندما تحكي قصة «الأغراب»، أولئك الذين قالت عنهم: (كلامهم يابس، أتوا من الصحراء، لا فيها مطرٌ يرطب أصواتهم، ولا هم يحصدون).

متأكد من أنها كانت تستمتعُ باسترجاع الماضي، عدا تلك الفترة الناتئة على سطح ذاكرتها الصلبة، الفترة التي جاء فيها «مطرف» ورجاله، تتذكر اسمه جيداً كما يفعل أهل القرى المحيطة جميعهم، وعلى كلٍ، فإن نسيانها لهذا الاسم يُعد أمراً غير واردٍ على الإطلاق، إنه الشخص الذي أطلق عليها في الحقل لقباً رافقها حتى ماتت.

أذكر أنني كنت جالساً جوار قدميها حينما تنهدت: (قديماً يا إدريس، كنا ورجال القرية نرعى سوياً، نزرع ونسقي سعداء، كما فُطرنا عشنا، لكنهم جاءوا ومنعونا، قالوا بأن ما نفعله من عمل الشيطان، بعض النساء امتثلن لأمرهم، فذهبتُ إلى كبيرهم «مطرف»، رجوته بألا يمنعنا مما جُبلنا عليه من الحق، لكنه تجاهلني، واستمر يردد الكلام الجديد والوعيد. وذات يوم لحق بي رجال رجموني حتى تفطَّرت قدماي).

ولأن جدتي أُميَّة، فمن المنطقي أنها لم تقرأ ما يكتبه «الكوني» عن الصحراء. وتنفي بكلامها -من حيث
لا تدري- فلسفته. ولكيلا تُتهم بتبني مبادئ متطرفة، يجب أن أقول إذا أتينا للحق، إن جدتي ماتت وهي لم تسمع مسبقاً بالصحراء الكبرى ولا «الطوارق» وتظن أن «تركيا» امرأة، وأن اليهود من الجن!

في إحدى المرات، وكمحاولةٍ لممازحتها ومشاكستها، كنت أتحدثُ بما لا تفهمه عن العولمة، إنفلونزا الطيور، والإنترنت، فقاطعتني وكأنها تكملُ حديثاً سابقاً: ( لم أترك الزراعة أبداً، ولم يجبرني جدك على بتر جذوري الضاربة عُمقاً في الأرض، بل لم يكترث مثلي بما لقبوني به، وكان يمازحني باللقب أحياناً، حتى أنني أحببته عندما يقوله هو، وذلك عندما «أنغزه» في خاصرته، الأمر الذي يجعله يقفز بشكلٍ مضحك ويحاول أن يستفزَّني. إن جدك يا إدريس إنسان رائع، لم يتخل عني أبداً، ولم يتخلَّ عن مزرعته إلا بعد أن قطعها الإسفلت، كنا نعمل بها غير مبالين بكلام الأغراب، ولا الذين تبعوهم من أهل القرية، أجزم بأنهم لم يقتنعوا، لكن الحديث الذي انتشر حينئذ.. أرهبهم).

كنت أستغل شرودها وتأملها، أتأكد من أنها ليست منشغلةً بتلاوة ما تحفظ من سور، أحرِّضها على الحديث، ليس لرغبتي وحرصي على حكم ووصايا الجدات، بل لأنها تملك مشاعر دافئة، وحساً كوميدياً بريئاً، يشرحُ صدري ويركنُ كلَّ تعبٍ خلَّفهُ الترحال. الآن، لم تعد الجنوبُ «صفيّة» لأزورها، ماتت، كشجرةِ زيتونٍ اجتثت من مكانها. ماتت وهي تصلي، تماماً كما قررت وجهرت في أدعيةٍ مضت. ثمة الكثير مما أريد قوله كتأبين متأخر لروحها بطريقتي، ولكني لا أريد أن أبدو كمن يحاول أن يجعل من جدته رمزاً لثورةٍ ما. كل ما في الأمر، أن ثمة عجوز أسنانها مكتملة بيضاء كعقدِ لؤلؤ، عجوز اسمها صفيّة.. ماتت.

في زيارتي الأخيرة، أذكر أنها قامت لتتوضأ، اتجهت إلى جدّي الذي بالكاد يسمع، جدّي الذي طرحتهُ الأمراض وغاب وعيهُ بعد وفاتها، عندما مرت جوارهُ أفزعته وهي «تنغز» خاصرته وتقول: (قم صلّ يا سراج).
نظر إليها وهو يعتدل جالساً، ابتسم، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ وساخر: (من؟! حمّالة الحطب!).
ضحكتْ جدتي، فبانت أسنانها مكتملةً بيضاء كعقد لؤلؤ.

13 نوفمبر 2005

يرحلان

يخرجان. يفعلان ذلك كل يوم، وفي أوقات غير محددة. يذهبان إلى الدكان في آخر الحارة، الأكبر هو الذي يطوي في يده اليسرى بشكل عبثي ومتعرق «ريالين»، يمسك بيده الأخرى الأصغر الذي أحياناً لا يرتدي حذاءه، الأصغر ذا القميص البني، وطاقية بيضاء كالسحب. الكبير ينتعل حذاءً أبيض ومتسخاً ماركة (أديداس) مقلَّدة، قميصه رمادي وطاقيته مخرمة. يسيران في أزقة الحارة بمعرفة، يرحلان بصمت إلى أحلام بعيدة وهما ينظران إلى القطط على حافة برميل الزبالة الكبير، إلى النوافذ، يركل الأكبر الحصى في الطريق، يسأله الأصغر:
هل يؤلمك ذلك؟
فيجيب بالنفي، ثم يتحدثان عن الأشياء في الطريق، ويضحكان.

في الدكان، يقف الكبير على رؤوس أصابعه أمام الثلاجة، يتناول عصير برتقال، في الوقت الذي يكون الصغير قد اختار نوعاً جديداً من الحلوى، وإذا ما صرَّح برغبته في شرب «عصير» في طريق العودة، فإن الكبير يمنحه نصف عبوة من عصير برتقال. أحياناً، في منتصف الطريق يتسابقان إلى البيت، في كل مرة يصل الصغير أولاً، الكبير يخشى الفوز، لكيلا يلتفت عند خط النهاية فلا يجد أخاه الأصغر.
لأسباب لا يتقنان فهمها؛ لا يستطيعان اللعب مع غيرهما، ولأسباب يجهلها الآخرون، يرحلان.

منذ سنة، لم تشاهدهما القطط على حافة برميل الزبالة الكبير، ولا النوافذ. الحصى على الطريق يفتقد ركلة حذاء أبيض متسخ، ثلاجة العصير تأن، تمعن في التساؤل عن طفل بقميص رمادي كان يأتي في كل يوم ويقف على رؤوس أصابعه، يتناول عصير برتقال، وبجواره طفل آخر بقميص بني يمسك بنوعٍ جديد من الحلوى.
5 يوليو 2006

أنا لا أتابع الأخبار، لا أحب السياسة، ولم أرتكب يومًا حماقة الكتابة حولها.

رغم أني أجد متعة في القراءة والتعرّف على ثقافات ومعتقدات مختلفة، إلا أنني أيضًا أفضّل عدم الكتابة عنها هنا لتجنّب الجدل.
أنا لم أُصنّف نفسي أيدلوجيًا، ولم أكتبُ عن معتقداتي أو أي معتقدٍ كان.
أنا أكتبُ بكلّ تصالحٍ عن الحياة، الفنّ، الأفلام، أكتب قصّة مفتعلة، أو أصف ما يحصل في الما حول. أكتبني ببساطة.
رصيف، ليس إلاّ مساحة لكتابات على هامش حياة.

(رابط رصيف سابقًا: www.samti.ws )

وفقًا لما سبق، أنا لم أرتكب جُرمًا يستحقّ سرقة الرابط!
لا شي يبرر هذا الاختلاس، وجعل الرابط يقود إلى صفحة فارغة معنونة بـ(السنه). إن كان المقصود بها (السُّنّة)، فهذا الرصيف خالٍ من أيّ حديثٍ عن أيّ مذهب، خالٍ من أي صراعٍ طائفي، لم أتعرّض يومًا لسنةٍ أو شيعة ولا عَبدت الشيطان حتّى! وإذا كان المقصود بها (السَّنَة) فأنا أحب السنوات والشهور والأوقات جميعها، ولم أتعرض لوقتٍ ما بسوء يذكر، ودائمًا ما أكون ممتنًا عن أيّ وقتٍ قضيته أينما كان!
مهما كان القصد من اختراق حساب النطاق، اختلاس الروابط وتحويلها إلى صفحات فارغة معنونة بأي شيء، مهما كان تبرير ذلك العمل الدنيء، ومهما كان غرض وفكر القائم به، يبقى الأمر سرِقة لا يمارسها سوى مُنحطّ لا يملك للفت الأنظار سوى العبث بما لا يستطيع استيعابه، أو بلوغ مثله..
إلى هنا، سأكف عن الحديث بخصوص الأمر. هي لعبة غير نظيفة، ولا تستحق مساحةً أكبر للحديث عنها.

الغرض من كتابة ما ورد أعلاه، هو التوضيح، والاعتذار منكم أيها الأصدقاء على هذا الانقطاع، أعتذر من الجميع من شارك ومن تابع، على أيّ تقصير بدر أو قد يبدر في الرد على تعقيباتكم، وأتمنى أن يصل رابط المدوّنة الجديد لكلّ الأصدقاء الذين حجزوا بمتابعتهم مساحاتٍ لهم على رصيف، أتمنى أن يصل إلى كلّ مهتم.

أرجو إبدال الرابط القديم بالجديد، والذي لا يختلف عنه سوى في الامتداد:

http://samti.me

شكرًا للجميع.

 

كنتُ أدخن في الكابينة المخصصة للمدخنين بصالة الإنتظار، الساعة التاسعة صباحًا. درجة الحرارة خارج المطار 17 درجةً مئوية.

وبعد ثلاث ساعاتٍ من التسكع الفضولي بأروقة مطار فرانكفورت، تحركت الطائرة. تحركت إلى الخلف. كانت تسير إلى الوراء بشكلٍ بطيء في البداية، ثم أخذت تزداد سرعتها شيئًا فشيئًا.. شعرتُ أن الجميع غير مبال. أو ربما لم يلاحظ الأمرَ أحدٌ سواي! لا أعرف.. ولكن ما حدث؛ هو أن الطائرة كانت تسير للخلف بشكلٍ سريع، ثم ارتفعت مؤخرتها أولاً، مال رأسي على المقعد المقابل بشكلٍ بطيء، أخذت الطائرة بالارتفاع.. وأقلعتْ!
 

أخذتُ ألتفتُ يمنةً ويسرة، علَّ أحدًا من الركاب يوافقني بملامح ذعر، أو حتى إيماءة استغراب. نظرت في جميع الاتجاهات. الهدوء السائد بداخل الطائرة جعلني أزداد حيرة، ربما كان الأمر عاديًا بالنسبة لهم. ربما أن التكنولوجيا تقدمت خلال العام الذي قضيته في شيكاغو دون أن ألاحظ ذلك، ربما لأنني لم أكن أشاهد التلفاز كثيرًا، أو بالأصح لأنني لم أملك واحدًا هناك. ربما أن طريقة الإقلاع الخلفي تستهلكُ وقودًا أقل، وبذلك تسترشد شركات الطيران استخدامها للوقود خصوصًا مع الأسعار الخيالية له مؤخرًا. كان أمرًا عجيبًا. وكنتُ المستيقظ الوحيد في الطائرة.

عندما انطفأت إشارة ربط الأحزمة، قمت لأستطلع الأمر، مشيت في الممر المظلم الضيّق، عندما وصلت إلى قسم الدرجة الأولى ورجال الأعمال، رأيت باب كابينة القيادة مفتوحاً، كابتن الطائرة يضع يده اليمنى على مؤخرة المقعد المجاور وينظر للخلف بتركيز. كان ينظر باتجاهي. نظرتُ إلى الخلف عله يشاهد شيئاً في نهاية الممر، ولكن لا شيء غير الهدوء المظلم، والركاب النيام. صرخ: ابتعد دعني أرى.

فانسللتُ عائدًا إلى مقعدي وأنا أفكر: لماذا لا يتسخدم المرايا الجانبية!

بعد ست ساعاتٍ من التحليق الخلفي، أعلن الكابتن عن وصولنا إلى مطار الملك خالد، درجة الحرارة الخارجية 46 درجة مئوية. وبمجرد أن خرجنا من باب الطائرة، ومشينا بداخل الخرطوم الذي يقود إلى إحدى بوابات المطار، أشعل الرجل السائر أمامي سيجارة.

– وبعد فترة من سكنكَ في شقتك الجديدة، وجدتَ فليبي على الرصيف مقابل مبنى الـ YMCA حيثُ كان يسكنُ مجانًا كأحد مشرّدي المدينة، أليس كذلك؟
أجبتُ؛ نعم، بابتسامةٍ خبيثة وأنا أنظرُ إليها وهي تنظرُ إلى “فيليبي” الذي وافقها بضحكةٍ مساندة، فضحكت هي أيضًا. وقبل أن تنهي ضحكتها، بادرها:

– ولكنكِ لم تقولي يا زينب، كيف هي المدرسة بعد انتقالي إلى المدرسة الجديدة؟

ضحكات وأحاديث عابرة، في حفلة ميلاد. الأمر المضحك والمثير والساخر أيضًا، أنّه أول عيد ميلادٍ لي. وقد أوردتُ الجملة السابقة في رسالة الدعوة التي أرسلتها للأصدقاء. كان ذلك في الخامس من مارس 2008، كما جرت ولادتي بنفس اليوم من عام 1981. كانت حفلة متواضعة، صغيرة، وجميلة بجمال من حضر. وقبل أن أجيء إلى هنا، لم أحظَ بحفلةِ ميلاد قطْ.

أو لأكن أكثرُ تحديدًا وصدقًا. أذكرُ أنني حظيتُ بحفلةِ ميلادٍ من قبل، بمدينة “العين” بالإمارات، قبل ثلاثة أعوام، كان ذلك عام 2005. كانت حفلةً مكونةً من شخصين، عزيز البحريني وأنا، في أحد المقاهي بسوق العين. عزمني عزيز حينها على قطعة “كروسان” وكوب من القهوة عندما علم عن طريق المصادفة أنه عيد ميلادي. هذا كل ما في الأمر. وبعد ثلاثة أعوام، حصل أن كنتُ في الولايات المتحدة الأمريكية، وأقمتُ هذه الحفلة.

أقمتها في شقة الصديقين “أحمد” الذي يعزف على “العود” بشكلٍ جيد، وأسامة الذي يُفضل أن يناديه الأصدقاء بـ “سام” لأسباب معروفة ومنطقيّة نوعًا ما. هذين الصديقين أقمتُ في شقتهما لمدة أسبوع، كان ذلك العام الفائت عندما قدمتُ إلى شيكاغو لأول مرة. وما جعلني أختار شقتهما لإقامة الحفلة ثلاثة أسباب:
الأول أنها في الدور السابع والعشرين، والحفلة كانت لميلادي “السابع والعشرين” وهذا سبب منطقي جدًا ويستحق أن يردَ كسببٍ أول. الثاني لأنها أكبر من شقتي وفي مبنىً أحدث وأرقى، لذلك ستستوعب عددًا أكبر من الأصدقاء. الثالث لأنني منذ أن عرفتُ أن ثمة شيء يدعى “حفلة ميلاد”، تخيّلتُ حينها أني سأقيم أول حفلة عيد ميلادٍ لي في مكانٍ مناسب. ومنطقيًا كانت الشقة هناك أكثر مناسبةً للحفلةِ من شقتي. لذا جرى الأمر كما جرى.
– لم يتغير شيء. انتقالك، انتقالُ طالبٍ واحد من بين أكثر من ألفي طالب لا يحدثُ تغييرًا يُذكر!

أجابت زينب بضحكة.
زينب الفتاة التركية، التي شاركت “فيليبي” دراسة أحدى المواد التيرم الفائت، والتي تشاركني هذا التيرم دراسة أحدى المواد. حضرت الحفلة رغم أنها اعتذرت مسبقًا عن الحضور. هي لا تتحدثُ العربية ولكنها تتمنى ذلك. سألتني:

– هل تعتقد أنه من السهولة لمن يتحدث التركية أن يتعلم العربية؟

أجبتها بـ نعم. رغم أنني لستُ متأكدًا. ولكي أدعم إجابتي أضفتُ أن اللغة العربية تحتوي على عدّةِ كلمات من التركية كما هو حال اللغة التركية التي تحتوي على عدة كلماتٍ عربية، وأضفتُ أن ذلك بسبب الحكم العثماني الذي استمر لأجيال. أخرجت سيجارة وقلتُ “تتن”، ابتسمت زينب. ثم مشيتُ إلى الزاوية التي تقف فيها “بيانكا” و”فانيسا” لكي لا تحرجني زينب بأسئلتها المتوالية والتي لا أعرف لها إجابة، ولا أريد أن أعرف، أنا هنا في عيد أول حفلةِ عيد ميلادٍ لي، ولست في اختبار مقارنة للحضارات.

جاء أغلب من أعرف، منهم: يزيد، ديفيد، ووينغ، سلطان، غابرييل، و”إليوت” البريطاني الذي كلما أشاهده أبتسم. ليس لأنني أفرحُ بمشاهدته. ولكنني أتذكر مباشرة اليوم الذي كنا في شقته قبل شهرين نلعبُ لعبةً ليس الوقت مناسبًا لشرحها الآن، لعبة معقدة، تُعلبُ بالورق “كوتشينة”، في حال أن سحب أحد الأطراف ورقة “البنت” يلفظ كلمةً إنجليزية ذات معنى؛ وعلى جميع المشاركين بعدهُ أن يلفظوا كلمة بذات الوزن الصرفي. كان الدور على “فيليبي” وبالمصادفة سحب ورقة “البنت” فقال:

– Idiot، والتي تعني بالعربية “أبله”.

من سوء حظ “إليوت” أنه اللاعب الذي يلي “فيليبي” وعليه أن يقول كلمةً بوزن “إديوت”. لم يجد “إليوت” كلمة إنجليزيةً بنفس الوزن، وعندما إحمرّ وجهه وأوشك على البكاء، أيقنّا أنه ليس من السهولة إجاد كلمة إنجليزيةً تحمل ذات الوزن لكلمة “أبله” غير اسمه. لذلك توقفنا عن العب، لأسباب اختلقناها في لحظتها.
كان أحمد يعزف على العود، وكنتُ أضرب على الإيقاع. كنّا نُغنّي:

“بتروح لك مشوار!
إلتلاّ يا ريت.
آلت لكن إوعا تغار…
حوليّا العشاق كتار.
إلتلاّ بطلت…
خليني بالبيت.”

– يجب أن تحضر الجمعة إلى شقتي أنا و”فانيسا”، سنطبخ لك بمناسبة ميلادك.

قالت ذلك “بيانكا” قبل أن تغادر، أجبت بالموافقة.

في مساء ذات اليوم. كنتُ متمددًا على السرير. سعيدًا كما يجب على من أنهى للتوّ حفلة. تذكرت الشاهين عندما شاهدتُ حمامة خارج شباك حجرتي. قرعتُ النافذة بعنف، فطارت. وقبل أن أنام تذكرت رياض فتعوذتُ من الشيطان. ثم نمت. وبمساء يوم الجمعة، كنتُ أفكر بحذائي المغطى بالثلج عندما فتحت باب الشقة، هل أخلعه أم أنفضه جيدًا وأدخل مرتديًا حذائي؟ وخلال ذلك، كانت الشقة مظلمة، نظرت إلى اللاشيء حولي، لمحت رؤوسًا تخرج من كلّ زاوية، من خلف الصوفا، الحمام، المطبخ، ومن حجرة “بيانكا”، وآخرون من كل مكان. كانت لحظة حافلة بالرؤوس التي تخرج فجأةً من خلف الأشياء، من أماكن مختلفة في الـ ما حول.

عندما فتحت باب الشقة كنتُ أفكر بـ حذائي المغطى بالثلج، هل أخلعه أم أنفضه جيدًا وأدخل مرتديًا حذائي؟ وخلال ذلك، كانت الشقة مظلمة، نظرت إلى اللاشيء حولي، لمحت رؤوسًا تخرج من كلّ زاوية، من خلف الصوفا، الحمام، المطبخ، ومن حجرة “بيانكا”، وآخرون من حجرة “فانيسا”. كانت لحظة حافلة بالرؤوس التي تخرج فجأةً من خلف الأشياء، من أماكن مختلفة في الـ ما حول. لم أستوعب الأمر إلاّ عندما صاح الجميع:

–        Surprise

لم أتمكن من الحراك. كنت أتساءل، ما الذي يجدر بي فعله؟ لوهلة شعرتُ بما لا أستطيع وصفه حينها ولا الآن. ربما شعرتُ برغبةٍ في البكاء كطفلٍ لا يدري ما يفعل، كطفلٍ كسرَ مزهريةً في منزل أحد الجيران وكان الجميع ينظر إليه! ولوهلة أخرى شعرتُ برغبة في الهرب. لكن تراجعت عندما علا الصوت القادم من الرؤوس التي ظهرت فجأة من خلف الأشياء، من كل مكان:

–  هابي بيرث دي تووو يووو.. ها بي بيرث دي فور يووو… هابي بيرث دي دير خالد.. هابي بيرث دي توو يوو..

أحضان من بيانكا وفانيسا، ثم مصافحة من جاك وهو يبتسم: عيد ميلاد سعيد يا رجل. ثم “مات” ثم نيكول التي ستسافر إلى اليمن لشهرين وتريدني أن أرافقها، ثم الشاب الأبله الذي لا أعرفه. صافحني وسألني عن اسمي، أجبته، فقال: نايس. ثم جلس على الصوفا ويبدو أنه جلس ليكمل قطعة الكيك التي كان يأكلها عندما كنت أفكر بحذائي المغطى بالثلج وأنا أفتح الباب.

يتبع.

ستاربكس- ستيت آند بيرسون.
الأحد- 3 مارس 2008

– عندما أذهب إلى السعودية، سيقطعون يدي، أليس كذلك؟
– لماذا؟
– لا لا .. سيقطعون الشيء. أنت تعرف ماذا أعني!
– لماذا، يقطعونه!؟
– لأنني سأنظر إلى النساء وسأتحدث معهم!

فليبي يقول أنه يتمنى أن يذهب إلى السعودية، هو يعرف لحد الآن قدرًا لا بأس به من الجمل والكلمات العربية، وقبل فترة علمته أيضًا الأبجدية. وفي صباح اليوم الثاني، استيقظت ووجدته نائمًا وإلى جواره ورقة معبأة بكلمة عربية واحدة، اسمٌ لجزء في جسد المرأة! تخيّل يا شاهين، عوضًا عن “زرع” و”حصد” وجدتُ ورقةً شبيهة بها، ولكن تحتوي على الكلمة إيهاها، بخطّ طفولي كبير ومتعرج.
كل يوم يدخل اليوتيوب ويبحث عن أي مقطع يحتوي على فتيات عربيات. يقول أنه لم يشاهد مثل هذا الجمال من قبل. يحب نانسي عجرم وهيفاء وهبي. اليوم استيقظت على صوته وهو يغني في الحمام: بوس الواوا.

– البرازيل ليس مكانًا مناسبًا للعيش.

قال لي ذلك وهو يتذكر كيف قضى حياته في الشوارع، مشردًا، يجري هاربًا من مكان إلى آخر. خرج إلى الحياة كمكالمة هاتفية خاطئة، لكن هذه المكالمة ليست كبقية المكالمات التي تنتهي بقول الطرف الآخر أن الرقم الذي طلبته خاطئ، ومن ثم يقفل السماعة. لا، هذه المكالمة معقدة جدًا. لذا قرر والداه أن يتزوجا، وعندما بلغ الرابعة، تطلقا. ومذّاك، أعني منذ تسعة عشر عامًا، وهو يجري، وعندما يتعب، يتوقف في أحد الأندية الليلية، يتجرّع البيرة بسرعة من يشرب ماءً، ثم يبحث عن فتاة. وقبل شهر كان الجوّ باردًا جدًا وكنا نمشي في الهايد بارك -أحد أحياء شيكاغو- فقررنا أن نجري، جريت معه، لكنه جرى هاربًا. لم أتمكن من اللحاق به، وخيّل إليّ أنني لن أتمكن من اللحاق به أبدًا.

ستاربكس- ميشغان أفينيو.
الخميس 28 فبراير 2008 – 05:11 مساءً.

عندما أنهيت سيجارتي وعدتُ إلى داخل المقهى، وجلستُ هنا، أمام شاشة جهازي مرّةً أخرى، قال:

– You’re smoking too?

ابتسمت وأجبت “بالطبع أدخن”، لم أستغرب عندما رفع إبهامه مبتسماً: “Good for you” ، لأنني شاهدته يدخن في الخارج أيضاً قبل أن يدخل ويضع جهازه المحمول بجوار جهازي وحقيبته اليدوية على المقعد المجاور، ويطلب مني أن أراقب أغراضه إلى أن يعود من دورة المياه. اعتدتُ أن أجلس على البار عندما أذهب إلى أي مطعمٍ أو مقهى أو بار، خاصةً عندما أكون وحيدًا، وحيدًا عن قصد، وحيدًا مع سبق الإصرار.

سألني وهو يعمل على كتابة نوتة موسيقية على شاشته:

– Where are you from?

قبل أن أصل إلى الولايات المتحدة أخبرني بعض الأصدقاء أن الأمريكان يكرهون العرب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر، لكن بعد أن وصلت إلى هنا، وعشت الوضع، عرفت أن معلومات الأصدقاء مغلوطة. المرة الأولى التي سئلت فيها هذا السؤال “من أي بلدٍ أنت؟” كانت في الأسبوع الأول من وصولي إلى شيكاغو، كان السائل “توني” الرجل السبعيني الذي يعمل في الفترة المسائية في “مايكس بار”، ترددتُ قليلاً ثم أجبته “السعودية” فاجأني باعتذارٍ عاجل وصادق على ما يحدث في العراق، وأن الشعب الأمريكي متعاطفٌ جدًا مع القضية الفلسطينية، وأنه ضدّ سياسة بلده! ياللشعور، أن تخبر أحدهم باسم بلدك، ثم يعقب باعتذار مع تقديم مشروبٍ مجّاني ومصافحة حميمة، أن تعيش هذه اللحظة، فأنت مقدمٌ على تجربةِ شعورٍ غريب، يشبه ذلك الشعور الذي يأتي بعد عدّة توقعات، بعد فترة من التساؤلات، الذي يأتي بعد ترقُّب، يشبه لحظة قراءة اسمك في الجريدة يوم نتائج المرحلة الثانوية.

– Saudi Arabia
أجبته مع ابتسامة محايدة.

– Woow far away from home? Huh
ابتسمت بالإيجاب، ثم واصلت الكتابة، وواصل هو العزف على لوحة المفاتيح، واصل كتابة النوتة.

واجهة المحل أمامي، البار على واجهة المقهى، وخلف الزجاج، شارع ميشغان، نعم يا مشعل أنت على حقّ، لا زال الشارع موجودًا، ولا زال الناس والسيارات يسيرون على مشيغان أفنيو، الشارع الأشهر في شيكاغو، الشارع الذي يبعد عن منزلي مسافة دقيقتين. الشارع المليء بالمحلات التجارية، المطاعم، المتاحف، المليء بالحياة. ليس عليك سوى السير على الرصيف، ستجد خلف المسنّ الذي يعزف موسيقى جاز على الساكسفون؛ ستجد فناناً تشكيليًا يجلس على الرصيف أيضاً، ويرسم بورتريهات للمارّة بعشرة دولارات، خلفه على بعد دقيقة ستجد رجلاً يدخل في صندوق صغير ويمارس عروض السيرك وهو يرتدي زيّ نمر. بين كلّ فنان وفنان ستجد فنانًا آخر، وكلّ خمس دقائق وأنت تسير ستستمتع بخلفيةٍ موسيقيةٍ جديدة. وخلال ذلك، ستظل مبتسمًا طوال الطريق. وعندما تدخل ستاربكس، سيجلسُ إلى جواركَ شابٌ مهووس بعزف البيانو والموسيقى، سيظل يكتب نوتةً وستلمح أصابعه تتحرك في الفراغ أمام الشاشة وهو يستمع إلى شيءٍ ما بواسطة سماعات الأذن. تتبادل أنت وهو الأدوار، مرّةً أنت تطلب منه مراقبة أغراضك وتخرج للتدخين، ومرةً يخرج هو. ستكتب، وتكتب، وتشعرُ بالحياة تتخلل جسدك كرعشةٍ كهربائيةٍ خفيفة، كمشروبٍ بارد بعد سباق ماراثون، كخبرٍ سعيدٍ جدًا ومفاجئ.

رياض، يبدو أنه لا مجال للتخلص من الذاكرة المعبأة بالأصدقاء الجميلين. الأصدقاء الذين تشاركت معهم السير في شوارع البلد، الأسواق القديمة، شواطئ جدّة، صحراء الرياض، حجرتي المنزوية فوق سطوح منزلٍ عتيق في “دخلٍ محدود” ما. والليالي التي رفعتنا كثيرًا للسماء.

أنا لا أحاول التخلّص من الأصدقاء! من قال ذلك؟ أنا أعني أنني أتذكر الأصدقاء كثيرًا.

كنّا نسير، أنت ومنصور وأحمد وستيفان وأنا في الساوث سايد من شيكاغو! لا أعرف كيف تجمّع هذا الحلم وزارني الأسبوع الفائت في نومةٍ عميقة. الساوث سايد من شيكاغو خطير. مكان تجمّع عصابات السود. لكننا كنا نسير باطمئنان. ستيفان السويسري يسير في المقدمة، ثم أحمد، ثم منصور، وكنا نسير أنا وأنت في المؤخرة. لا أعرف بالتحديد مالذي جلب ذلك الحيّ الباكستاني في الحلم، ولا أسمع قبلاً بأن ثمة حيّ باكستاني هنا، ولكننا دخلنا الحيّ الباكستاني. من زقاقٍ ضيّق ثمة مسيرةٍ قادمة، جموع من الباكستانيين يسيرون في تظاهرةٍ غريبة. يحيط بهم من الجانبين أشخاص لوّنوا وجوههم بالأبيض. وجوه بيضاء بلا ملامح. مهرجون لا يهرّجون. بل بملامح جامدة. يحيطون بالمسيرة. ستيفان اخترق الجمع أولاً، ثم تبعه أحمد ومنصور. ناديتُ أن يعودا بسرعة. عاد أحمد ومنصور، لكن ستيفان واصل اختراق الجمع وهو ينظر إلينا خلفه. ثم ابتسم. هنا ينقطع المشهد وتأتي صورة أخرى في شقة باردة مليئة بالخضروات الغريبة، جزر وفجل بحجم الإنسان، بامية طولها ذراع، وعندما أخذت واحدة ورججتها، سمعت صوت قلقلةٍ بداخلها، ثمة لبّ بداخلها وصوت يشبه ارتطام وتقلّب حبتي نرد على طاولة!

قال منصور أنها شقة والد محمد وعزيز، يجيء إليها كلّ عامٍ مرّة، يزور شيكاغو ليستمتع بالحياة ثم يعود إلى الرياض ليمارس دوره المعتاد. خرجنا إلى شقةٍ في مبنى السيريس تاور، من أطول خمس مباني في العالم. في الشقة ينتظرنا محمد وعزيز. قال منصور يجب ألاّ نخبرهما بأمر شقة والدهما، فهما لا يعلمان.

أين أحمد؟

خرج ليبحث عن برّادة كي يشرب.