ToGoTea

الأرشيف

خالد الصامطي

ابن طرّاقابن طرّاق المؤلف بدر السماري ومحمد السماري
My rating: 4 of 5 stars

لقد أمتعتني الرواية كثيرًا رغم أنني اطلت فترة قراءتها، لم يكن ذلك لصعوبةٍ فيها، بل بسبب المزاج غير المستقر. الرواية مختلفة عمّا قرأته من المطروح محلياً، أعني كأسلوب، قصة، لغة، تفاوت بيئي، وحبكة. تحكي بواقعية وبلا افتعال، فيها من صور الذاكرة الجمعية ما يبعث على الحنين، وفيها من مصطلحات الشارع والحارة والمدرسة ما وُظف بطريقة احترافية وفنية جميلة، والتصاعد الدرامي كان محبوك، أما اللعب على الحرب الباردة بين شخصيات العمل كان مكتوب بسياسة وفهم، كل فعل له ردة فعل تناسبه تمامًا، وقد لا أبالغ عندما أقول أنني لم أشعر بمجانية حدث مهما كان قصره، ربما توقفت وفكرت وتساءلت لوهلة حول ما حصل لصبحي في النهاية، ولكني سرعان ماواجهت ذاتي بسؤال: وما الذي تريده أن يحدث لصبحي غير ما حصل في الرواية!
قلت لبدر السماري بعض هذا الكلام في رسالة، وأنهيته بأنني في عام 2011 ممتن جدًا لثلاثة أشياء: الماجستير، برشلونة وابن طراق..

View all my reviews

لم أتوقع انتظاره لي خارج البقالة كما فعل يومًا أمام الخياط وأنا في البطحاء أفصل ثيابًا للعيد، تلك الفكرة الغائبة عن ذهني جعلته يتمكن من مباغتتي وركل خصيتيّ بسهولة وأنا على عتبة المحل، تقوّستُ فضرب مؤخرة رأسي بكوعه وسقطت. كهرباء قارصة تصاعدت من عانتي إلى عِرق أسفل أذني. استمرّ يركلُ ظهري وأنا أحاصر بيديّ الألم في حضني، ركلاته في الخلف لم تكن بذات أهمية حينها. خرج صاحب البقالة وأمسكه محاولاً التفريق بيننا، الأمر الذي أعطاني فرصة تسريب ألمي إلى باطن الأرض والنقمة إلى بقية أعضائي. التقطتُ قارورةَ بيرةٍ مكسورة من كيس الحاجيات التي اشتريتها، وأنا أستعيدُ توازني واقفًا سددتها نحو وجهه فتصداها بكفه وجُرح، ثم غرستُ حدّها في كتفه الملعونة. بعبثية المتألم تمكن من زحلقة القارورة من يدي لتتهشم بعيدًا، وأخذ يلكمني على وجهي وبطني وخاصرتي، أمسكتُ بيده السليمة ولففتها حول ظهره، وجريًا دفعته ليرتطم وجهه بجدار البقالة، وأخذتُ أركله على إليتيه بركبتي، ثم بباطن قدمي جررتُ أسفله تجاهي ودفعت نصفه الأعلى ليزحف صدره ووجهه للأسفل محتكًا بالجدار، امتدّ بطوله على الرصيف، وأطلقتُ قدمَيَّ ركلاً على رأسه وكليتيه وكتفه المجروحة.

تركتُ ابن الشرموطة يتأوّه على الرصيف ومن فمه يتطاير اللعاب المختلط بالدم والتهديد والشتائم، ثم ركبت سيارتي متجهًا إلى البيت.

أستيقظ الساعة السادسة صباحًا، أشرب قهوة وآكل موزة وأعبئ كوبًا آخر من القهوة للطريق، وأخرج إلى زحام يلعنُ حظّ الوقت حتى أصل إلى العمل. ينقضي نصف يومي في المكتب، ونصفه الآخر في مشوارين يستنزفان آخر رشفة صبر في كأسي، أرفعه وأقلبه فوق فمي المشرع، ولا شيء يقطر، أشتم قائد السيارة المجاورة ويشتمني في المقابل ولا يصلني صوته، زجاج سيارته مغلق، يبدو أن مكيفه يعمل بشكلٍ جيد، الغشيم يملك سيارة جديدة.

أنت حتمًا متأخر عندما يكون وقع السيارات الواقفة على المسار الأيمن والإشارة حمراء على نفسك أسوأ مما يُشعرك به شخصٌ يرفع إصبعه الوسطى ردًا على التحية ثم يبصق في وجهك. أنتظر، أفكر بالتملص والدخول إلى الحواري، ألوي ساعد ذاكرتي علها تعترف وتشير إلى الطريق الفارغ، ولكن لم يعد ذلك مجديًا، لقد فضح أمر كل الطرق المختصرة هنا، الكل يعرف عنها، والكل يسلكها. وأنا لا زلت أجهل كيف أصل إلى البيت خلال أقل من ساعة في كل ظهرية ساخطة.

يحل المساء، أعبئ كوب القهوة وأخرج، أحاول أن أكون إنسانًا طبيعيًا يخرج مع أصدقائه للعب البلياردو عندما يحل المساء. ثم إنه، في مدينة كهذه، يحتاج المرء لأن يكون مهووسًا بأمر يلهيه عن المآسي التي تعبث به حسب مزاجية القدر، والبلياردو هي هوسي.

السيجارة بين سبابة ووسطى يدي على المقود ترتعش، يدي ترتعش، والدخان يزحف على قعر الزجاجة الأمامية مرتفعًا كموج. نسيت كيف أستمتع بمشهد مماثل. صوت الأبواق خلفي وأمامي جعلني أنتبه إلى الإشارة الخضراء، وأنا أفكر لماذا أرتعش؟ ربما من القهوة. تحولت الإشارة إلى الأحمر مرةً أخرى ولم أقترب منها بعد.

في صالة البلياردو، أصوب المضرب فتتفرقع الطابات المرتبة على شكل مثلث وتنتشر على الطاولة، تسقط واحدة منها. يخبرني صديقي ومنافسي في اللعب عن الشاحنة التي قفزت من على جسر شعيب أوبير واحترقت. المسافة بين الجسر وقاع الوادي طويلة. أفكر: ربما، بالنسبة إلى سائقها، هي أول مرة يقطع فيها مسافة كتلك بسرعة وسلاسة دون وجود سيارات أمامه. هل توقفت لتشاهدها تحترق؟

– لم أفعل ذلك بإرادة، الشارع كله وقف لساعات يشاهد الدخان المتصاعد حتى تحركت العربات في آخر الجسر.

أنا أفهم ما يعنيه صديقي جيدًا، وأعتقد أن الشابين اللذان يلعبان البلياردو على الطاولة المجاورة يفهمان صديقي أيضًا. الوقوف أثناء السير، في حالات كثيرة، لا يكون بإرادتنا. أفرك بالطبشورة رأس المضرب، وألعب مصوبًا على التسعة، أفشل في إسقاطها. ثم أفكر كيف شعر السائق وهو يحترق. هل احترق وهو حي؟

– على الأرجح أنه مات مباشرة بعد الارتطام، ثم احترق.

سيكون الأمر مثيرًا للاهتمام لو أنه كان هندوسيًا، أعني لأخيه مثلاً بعد عام، حيث سيتذكره ثم يقول:

“لتحل الرحمة على أخي، لقد كان مراعيًا لمشاعرنا ولا يطلب الكثير حتى في موته، فقد اختصر حادثه علينا تكلفة مراسيم توديعه وإرساله إلى الجهة الأخرى.”

يغادر صديقي باكرًا كالعادة، وأبقى أنا أتمرن على ضرب الكرة بالطريقة الإنگليزية. عندما تصوب رأس العصا إلى يمين الطابة البيضاء تنطلق للأمام مبرومة حول محورها، ترتطم بحافة الطاولة وتعود متجهة إلى اليمين، وكذا عندما تضرب يسارها. الطريقة سهلة جدًا، وتجعلك تتحكم باتجاه عودتها، وبسعة الزاوية التي ترغب من الطابة البيضاء رسمها على الطاولة.

أخرج من الصالة، أركب سيارتي وأدير محركها، ومرةً أخرى يباغتني دون أن أتوقعه، يقفز على غطاء المحرك كما فعل يومًا وأنا خارج من مركز البريد، أفتح باب السيارة وأخرج لاعنًا إياه والرياض التي تجمعنا، سحبت قدمه القريبة بقوةٍ ليختل توازنه، سقط وارتطمت مؤخرته بالصدام الأمامي ثم كوعه قبل أن يثبت جالسًا على الأرض، تألم من إصابته في الكوع أكثر من مؤخرته لذلك انشغل بتدليكه متيحًا لي فرصة أن ألكمه على وجهه ثلاث مرات حتى نجح في تغيير اتجاه لكمتي الرابعة وبقدمه رفس باطن ركبتي وتمسك بي واقفًا ودافعًا إياي للأسفل اصطدم رأسي بمقدمة السيارة ليسلخ شبك التهوية الجهة اليمنى من وجهي. ثبّتَّ عنقي بين الصدام وركبته، وأخذ يلكمني بيده اليسرى، أمسكتُ ساقه ورفعتها للأعلى ثم عضضتها بقوة، حاول تخليصها فسحب وجهي معها وأعتقد أنني ابتلعت مع الريق شيئًا من دمه، أمسكت بقدمه الأخرى وساقه لا تزال بين فكيّ فتهاوى على الأرض هو الآخر، وسرعان ما قبض على يدي وشعرت بأسنانه تنغرس في ساعدي الأيمن. وبذات اليد التي يقضمها أمسكت أذنه وعصرتها للخارج، بقينا ممدين على الإسفلت، نحاول الصراخ ولا تسمح وضعية أفواهنا بإخراج أصوات أقوى من مجرد أنين، ولا أذن ستتمكن من تمييز الأنين من بين أبواق وصياح وشتائم العابرين.

20 أكتوبر 2011

المعلومة كانت بمثابة الشعرة والمؤامرة هي البعير الذي رافقه لعشرات الأعوام ثم قُصم ظهره، إذ لم يتمكن العم جابر من النوم عندما أُخبر بأنه لا يوجد “عسكري” بداخل الصراف الآلي كما كان يؤمن منذ أن تم تركيبه على جانب الطريق المسفلت القريب من قريته والذي يصلها والقرى المجاورة بالمدينة.

فكرة أن يتوقف الناس أمام الكشك ذي الصحن المعدني المثبت على سقفه، ويحصلون على أوراقٍ نقديةٍ دون وجود شخصٍ يعمل بداخله ويقوم بعملية الاستلام والتسليم وتنظيم الصرف، فكرة مجنونة! كيف للكشك أن يتعرف على الماثل أمامه ويقوم بالسحب من ماله هو بالذات دونًا عن أموال الآخرين؟ لا بد من وجود شخص، واحد على الأقل، يدير العملية من داخل الكشك، شخصٌ في زيٍّ عسكري كما تخيّله العم جابر محاولاً فهم المسألة. كانت تساؤلات مؤرقة على غير عادة الأسئلة التي اعتاد التفكير بها، لذلك لم يتمكن من النوم الليلةَ التي فاجأه حسن، شيخ القرية، بتلك الحقيقة ساخرًا وهما في طريقهما إلى بيتيهما بعد صلاة العشاء:

–       لا يا عم جابر، هذا جهاز يصرف للناس بروحه، مثل دابة ضيوف الوالد، تذكرها؟ هاهاها!

من الطبيعي أن نشعر بأن علمه بالأمر أتى متأخرًا جدًا، وأن نميل إلى الاستغراب من بدائية تفكيره في عصر الشبكات وتقنية المعلومات، وقد يتهمه البعض بمحدودية الأفق. ولكن كونه درس في الكتاتيب بوقتٍ لم تتوصل فيه العلوم لما توصلت إليه الآن، وتعلم من تأمله لمحيطه الصغير ومن أحاديث قديمة مع الرّحل الذين يتوقفون في القرية للتزود بالماء ومواصلة السير، وكونه يعيش في مكانٍ ناءٍ بعيدة عنه الخدمات، وكونه اتكل منذ أكثر من أربعين عامًا على أبنائه في تدبير أموره المالية وشراء حاجيات بيته، ولم يقم بعملية صرافة حديثة قط، ولم يراوده الطريق إلى المدينة عن طريقه اليومي إلى مزرعته سوى للسفر برًا إلى مكة ثلاث مرات كان آخرها قبل خمسة عشر عامًا، أو مرات معدودة ذهب خلالها إلى المدينة لتجديد بطاقة أو تخليص صكوك ومبايعات لأراضٍ ورثها من أقرباء مختلفين، كل ذلك يبرر لنا مفاجأته المتأخرة دون أن يتم اتهامه بالغباء. ومن المنصف ذكر أن العم جابر يفكر كثيرًا، ويتأمل ويحلل منطق أمور كثيرة تجاوزت الكون واللاهوت وتوقفت حيث تتوقف كل النظريات، حيث الحيرة تتلبس كلّ مفكر.

على عكس الليالي الأخرى التي تقطّع نومه الحاجة المستمرة للبول أو تلك الحالات من اليقظة التي بدأت تنتابه منذ عام ويفقد خلالها ارتباطه بالزمن ويعصر فيها ذاكرته محاولاً معرفة أين هو؟ ومن تكون العجوز المنكمشة التي تنام إلى جواره؟ بقي العم جابر مستيقظًا تلك الليلة على فراشه عارفًا بمكانه، وبزوجته الرابعة والمتآكلة بصمت تنتظر أن يفنيها المرض والكِبر كما فعل مع زوجاته السابقات. جلس واعيًا ومرتبطًا بواقعه كما لم يفعل من قبل، يعرفه جيدًا ويتذكر تفاصيل أعوام عمره الطويل الذي تجاوز المئة، يفكر في كل الأشياء التي تلاشت وتلك الأخرى التي شهد بداية اقتحامها الحياة لتفرض ذاتها جزءًا من محيطه، لقد أحسّ الآن، وبشكلٍ حتمي أن زمنه، الذي قضاه وهو يحاول فهم ما يجلبه إليه من ألغاز، هو مؤامرة طويلة وأنه أخيرًا سيتمكن من كشفها.

رجع بذاكرته ستين عامًا، اليوم الذي قرر فيه أن يعتزل، قدر ما يمكن، كلّ ما هو خارج القرية. لقد بدأت أحداث ذلك اليوم عندما نزل العم جابر طريق الوادي على حماره ذاهبًا إلى حقله كما كان يفعل كلّ يوم، وهو يوجه كلامه إلى حماره حول قرب موسم الأمطار، ونظرهُ إلى زبيرٍ في المدى حيث يتشكّل جسم منحدر من أعلاه عجِزَ منطِقهُ البصري عن فهمه، شيءٌ يقترب وتراب الأرض يتطاير ويتلوى خلفه، وهدير صوته يزحف قبله ممهدًا حضوره وكفيلاً بأن يغرس الرعب في نفس العم جابر ويحمله على القفز من على دابته فارًا إلى داخل أحراش الوادي، جلس هناك مرعوبًا، يستمع إلى صوت بوقٍ يقترب، كان وقعه كنفير حرب، ومع عبوره السريع استطاع العم جابر أن يشكلّ في ذاكرته صورةَ عربةٍ بلا دابة تجرّها، فكّر بذلك وقلبه يكاد يقفز خارجًا من بين أضلعه: “يجرّها الشرّ”.

بقي مختبئًا لبعض الوقت، يردد تعاويذ تارةً، ويهمس بأسماء شياطين تارةً أخرى علّها تنجده وأهل قريته من خطر ذلك الشيء، متخيلاً الدمار الذي سيحل بالقرية عندما يصلها. ظلّ مغروسًا بين شجيرات الأثل حتى أعادت الأرض ببطءٍ ذرات غبارها إليها، وخليَ الفضاء من رائحة احتراقٍ وصخبٍ جديد للتوّ تعرفت عليه أذناه.

بعد أن هدأ واستطاع أن يفكر بوضوح، مشى العم جابر قاصًا أثر ذلك الشيء، ومستعرضًا في مخيلته سيناريوهات مختلفة لما سيحدث لأهله والناس في قريته. من الصعب توضيح طريقة عمل الأفكار ومسارها بداخل رأس العمّ جابر حينها. المجتمعات التي تحدّ أفرادها إلى تعلم أساليب النجاة من الحروب ومواجهة الوحوش والسرقات والموت بشكلٍ مستمرّ تُعقد عمل المنطق وتراتبية سير أفكارهم وتحليلها، الأمر الذي يجعل من وصف وتبرير ردود أفعالهم عملاً صعبًا ومعقدًا، لأجل ذلك، من الصعب وصف السيناريوهات التي كان العمّ جابر يتخيلها ويجهزّ ذاته لمواجهتها حال حدوث أحدها.

تبع العم جابر الأثر حتى وصل إلى مشارف القرية حيث رأى “الشيء” أمام منزل الشيخ، وشباب من القرية يحيطون به. “مسكوها.. إي والله، مسكوها!” خرجت هذه الجملة على دفعتين من بين شفتيه الجافتين بصوتٍ لا يمكن وصفه كليًا بالمبتهج، إذ لم يزل ذلك الشيء موجودًا. مدّ خطواته مهرولاً ثم تسارعت ركضًا تجاههم وهو يلوّح بهراوته، عازمًا العراك.

الأمر الوحيد الذي بقي العم جابر نادمًا على عدم الاهتمام به، هو أنه عندما اقترب منهم لم يعطِ مجالاً للتوجّس أن يلفت انتباهه إلى حقيقة أنّ أحدًا لا يُظهر فزعًا من تلك العربة المتحركة بذاتها والواقفة حينها برغبتها! لم يلقِ بالاً إلى مشهدهم وهم يتلمسونها ويتحدثون بشغف حولها وعنها، كان من الممكن أن يقف بينهم ملتقطًا أنفاسه محاولاً إخفاء أية ملامح قد تبدي جلبةً في صدره، أن يتمهل ليكتشف من تخميناتهم وإجاباتهم عن أسئلةٍ قد تُطلق بعبثية، أنها عربة من صنع البشر جاءت تقل ضيوفًا من الحجاز لزيارة الشيخ! كان من الممكن أن يفعل ذلك ويضرب على مقدمة رأسه بصمت غير لائمٍ نفسه بقدر لومه زمنه ثم يعود ليبحث عن حماره ولا يتحدث عن الأمر مطلقًا.

لكنه استعجل، لأن المسألة بالنسبة إليه كانت خطيرة، مسألة شهامة ودفاعٍ ضد أمورٍ ما ورائية، مسألة هزم دخيلٍ مُسير بقوى خفية لا يمكن التنبؤ بما تخبئه، لذلك كان يقفز عاليًا مع تضاعف جرعات شجاعته أمام الجماعة، وشحنات الأدرينالين تتخلل عروقه وتدفع عزيمته، اخترق دائرتهم مصوبًا هراوته نحو العربة، ضربها مرتين وهو يصرخ بجُملِ انتصارٍ لم يتمكن أحد من فهمها ولا هو من إكمالها، حيث، بدفعةٍ اشترك في فعلها أربعة أفراد، وجد نفسه على الأرض متمرغًا بالتراب.

لقد فاجأه الأمر، وشعرَ بإهانةٍ وخيبة أمل! أقرانه الذين توقع عونهم طرحوه أرضًا، لاموه وسخروا منه حتى أطفال القرية ضحكوا عليه ومنهم حسن الذي كبر وأصبح شيخًا. وقع العم جابر ذلك اليوم على صخرةٍ شجّت رأسه، وبسبب وضعية سقوطه كُسرت إحدى أصابعه وشيءٌ آخر في نفسه لا يستطيع تحديد مكانه، ولو سُئل عنه لاكتفى بقول أنه شيء ما بداخله يمكن أن يكون في أيّة جهة.

نفض ذلك المشهد وهو يبتسم، وهو أمرٌ مستغرب، كونها ذكرى لم تجلب له سوى الشعور بالإهانة وقلة الحيلة. قام من على فراشه، فكّر أن اليوم هو الاثنين حيث تُدفع المياه من الخزان إلى ماسورة القرية، وتذكر أن ابنه الأصغر سيقوم بتعبئة الخزانات المعدنية فيما بعد، خرج إلى الفناء وتوضّأ من حنفية ماء “التحلية”. عاد إلى الحجرة وبدّل إزاره بواحدٍ جديد، التقط عكازه وخرج قبل أذان الفجر بنصف ساعة.

مشى العم جابر بسكينة وهو يتأمل النجوم والأفق، مشى ومن جدران بيوت القرية يرتد صدى قرع عكازه وخطوه الموزون مُنظمًا سيل صورٍ قديمةٍ متتالية تعرضها ذاكرته العتيقة وكله عزيمة على المضي.

سمع صوت موسيقى هادئة حذاء بيوت عمال البقالة الباكستانيين، وأخذ ينصت وتقوده أفكاره التي تتوالى بسرياليةٍ عجيبة إلى اليوم الذي أهداه ابنه الأكبر راديو. لقد كان يومًا حافلاً دون شكّ، ليس لكونه تمكن لسنوات من الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية الساعة الثامنة كلّ ليلة، فهذا أمرٌ قد يستخدم كمبرر عندما يكون الحديث عن السكينة التي تحل عليه الساعة الثامنة، لكنه كان يومًا حافلاً، بالفضول مرةً أخرى، إذ لم يتمكن ابنه حينها، ولا آخرين من أفراد القرية فيما بعد، من الإجابة بمنطقية ووضوح عن تساؤلات العم جابر حول طريقة عمل الراديو: كيف تُعزف الموسيقى في لندن وأسمعها أنا من هنا؟ كيف يتم تجديد الكلام الذي يصدر يوميًا دون تدخل أحد؟

لم يكن العم جابر ممن يستسلمون أمام الغموض، كما اعتقد الكثير ممن عرفوه، ولكنه حين يتوقف عن السؤال فهو يعلقه في جزءٍ من ذاكرته، حيث يبقي الكثير من المسائل، يسترجعها ويلوكها مع نفسه وهو يمشي بأزقة القرية، الوادي، أو بين أشجار مزرعته. لقد فكر العمّ جابر كثيرًا، وربما طال عمره لأنه لم يتوصل بعد لتلك الفكرة، الفكرة الواحدة التي تقوده إلى حيث تنتظره كل الإجابات.

وصل إلى الشارع العام المظلم بعد ربع ساعة، خطى على الإسفلت قاطعًا إياه باتجاه الصراف الآلي. لا صوت في المحيط سوى صياح الديوك وعكازه الذي يسجّل على الإسفلت ثوانٍ تفصله عن فضح المؤامرة. وقف أمام الصراف، أخذ يتلمسه بيده تارة وبعكازه تارة أخرى، يدور حوله، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة من يوشك على إيجاد الحلّ. تجاوز الصراف حتى اقترب من صخرة كبيرة مكنته من الجلوس على الأرض والاتكاء عليها. لم يمض وقتٌ طويل حتى انبعث صوت الأذان، أخذ العم جابر بالتسبيح والحوقلة، وعيناه مركزتان على منارة مسجد قريته المنكفئة خلف الصراف الآلي، انتهى الأذان وتلاه صرير وطقطقة مفتاح يدور داخل قفله، وفي مشهدٍ انتظره ليلةً بدت له عُمرا، ارتفع أحد الألواح الجانبية لجهاز الصراف الآلي وخرج من ورائه العسكري منحنيًا، أعاد إغلاق الصراف، ثم وقف متأملاً القرية مطلقًا ذراعيه للأعلى وهو يتثاءب، وخلفه العم جابر على الأرض تسند رأسه الخفيفة صخرة، في داخله التأمت كسور وأغلقت قضياه المعلقة.

سألني فيليبي في مكالمة طارئة عمّا يجدر به أن يفعل، وصوته يهتزّ بين ذاكرة طفولته التعيسة في البرازيل وحياة جديدة تتشكل بأحشاء صديقته.

– الأمر عائدٌ إليك، لا أعرف، هل تشعر أنك مستعدٌ لأن تكون أبًا؟

أجبته وصوتي يهتزّ بين دافعين متضادين: فزعة لصديق، وعدم القدرة على الإجابة في مواقف مشابهة، وقليلة هي المواقف المشابهة، ربما هو موقف مشابه واحد فقط: أن يشاورك صديق في مسألة حمل صديقته.

– لا أعرف.

أجابني وهو يستجدي حلاً آخر غير الأسئلة التي تبادلناها ككرة تنس في تلك المحادثة المربكة.

عندما تقرر البقاء في شيكاگو تعاملك بكرم، توفر لك الأصدقاء المقربين، ومفاجآت الفصول الأربعة، شوارع مخططة كما تشتهيها الذاكرة، وعمائر تفنن بنّاؤوها في تشييدها بعد أن احترقت شيكاگو في القرن التاسع عشر، خوّلتها لأن تكون عاصمة الهندسة المعمارية في العالم، حارات صغيرة يتحاور الشباب على ناصيات طرقها بالراب، وأخرى هادئة يعزف المتشردون على أرصفتها الساكسفون، مجانين في الباصات يتحدثون مع أيديهم، وشعراء يمثلون قصائدهم كمسرحية، مدينة ممتلئة بالملحميات. تباين ثقافي هائل، مطاعم مطابخها تمتلئ بأطباق من العالم أجمع، تجد كل ما ترغب في أكله، حتى اللحوح والدجرة أكلتهما في مطعمٍ أثيوبي هنا.

ثم عندما تنوي مغادرتها لمدةٍ لا تجيد عدّها ولا تستطيع التصريح بها ولو حاولت، يكفي أن تنوي ذلك، تتفهم شيكاگو رغباتك، تبدأ بسحب شرائح العرض بخفةٍ من أمامك، تفرغ المكان لك بالتدريج كي تساعدك على الرحيل، تسهّل عليك عملية نسيانها، لأن نسيانها سيسعدك في أي مكانٍ جديدٍ تختار، لأنك عندما تكون هناك ستعيش المكان في لحظته، وتبقي الماضي في درجٍ بعيد في الذاكرة، لا تحتاج أن تتذكره إلاّ عندما يهاتفك صديق، أو يجري طفل بطائرة ورقية من أمامك. شيكاگو تهتم بك وأنت بها، وتجهّزك لما بعدها.

يحادثني الأصدقاء، يخبرني بعضهم أنهم سيغادرون، ويخبرني آخرون أنهم غادروا. بيانكا سافرت إلى لندن منذ سبعة أشهر لتدرس الماجستير، ونواه في نيويورك منذ عام يدير مؤسسة إنتاج بدأها، فانيسا خُطبت وستتزوّج بعد أن تنهي دراستها العليا. أما فيليبي فيسكن مؤخرًا مع صديقته التي تعمل كخيميائية في معمل لتحليل الأدلة الجنائية. مؤخرًا لم أعد أشاهده كثيرًا، أخذته الحياة شبه الزوجية، بعد أن تركنا العزبة التي تشاركنا بها لعام عندما وصلت إلى شيكاگو.

هكذا تتفرق الصور، وتتبقى صور أخرى، تربطك بالمكان إلى اللحظة الأخيرة. كأصدقاء أيام الثلاثاء، نلعب البلياردو، وبين كل فوزٍ وهزيمة ندخن السجائر في الخارج ونتحدث عن مباريات البولز أو البلاك هوكس، عن خيول رجال الشرطة، وعن مدى مناسبة الجو لقيادة دراجة هذا الأسبوع.

ماذا تعلمت خلال الما يقارب أربع سنوات في شيكاگو؟ وهل أستطيع أن أقول أن ما تعلمته (هنا) صالح للحياة خارج (هنا)؟ على الحياة أن تقدّر أينما كانت، بأشيائها ولحظاتها التي نتجاهلها، صور المدن المهملة خلف زجاج نوافذكم أينما كنتم، تلك النوافذ التي تشكل لوحات فنية حيةً في بيوتكم، ترسم لكم الحارة لحظة الغروب، والحمام ينهي أخر دورةٍ له في سمائها، وأصوات العربات في الشارع وصياح الأطفال يأتي من بعيد، وعندما تفتحون تلك النوافذ تعلو أصوات الأطفال، وترقص الستائر مهدهدةً خدودكم، وتجتهد الحياة محاولةً لفت انتباهكم، لكنكم تبتعدون عن الشارع، عن النافذة، وتفكرون بحياةٍ أخرى، وتنسون حياتكم.

لقد تعلمتُ هنا أن أنصت إلى المكان، لأنني أكتشف الآن، وأنا أنصت لشيكاغو، أنها ليست سوى إناء آخر، كما هي العريجاء والشميسي، وكما هي جدة، وكما هي الطرشية، حواري وقرىً ومدن وأماكن وأماكن.

سأحيا تعيسًا إذا ما أسرفت الحديث في جلسات الأصدقاء عما يجري في اللامكان، في الإنترنت، عما كتبه الآخرون، أو ما قرأته مؤخرًا، أو شخصية رواية أو فيلم أعجبت بها. سأمرض حينها، سأحتاج لأن أتعالج من العيش بين الأوراق أو أمام شاشة، سأفتقد الناس الذين يسيرون في الخارج على الأرصفة، سأحتاج لأن أتمكن مجددًا من تقدير الحياة خارج الأسوار بنزقها، الناس في الجوار والمكان وما به هو الحقيقة، كل شيء آخر خيال لا يمكن أن يبعث على الرضا وإن تحقق.

أعجبتني مقولة للكاتب ضيف فهد في حوارٍ معه حيث قال أن الرواية يكتبها البلداء وأن “كاتب الرواية يحتاج لجلسات طويلة حتى ينجز رواية، كتابة الرواية أعتبرها للكهول، فأنا أستغرب من الشباب الذين يكتبون رواية ففي الحياة أشياء كثيرة أستمتع بها بدل أن أضيع الوقت في كتابة رواية.”

كيف تعطينا الحياة نصيبنا منها إذا لم نبنِ تفاصيلها، إذا لم نحدّث حالتنا معها كل خمس دقائق تمامًا كما يفعل البعض على الفيسبوك؟ كي تسعد تحتاج لأن يكون حضورك حقيقيًا، لا أن تصور نفسك وحيدًا بيدك اليمنى وتضع اليسرى على خدّك، لتعرضها على صفحة ويب، لم يفتقدك أحد هناك على فكرة! أين هم من يفتقدونك؟ قد يقصف برقٌ برج الاتصالات، يختفي ذلك العالم وتكتشف أنّك وحيد.

– أنت تتحدث ثلاث لغات، ولديك خبرة في الحسابات، لماذا لا تعود إلى البرازيل، تعمل في بلدك لفترة، وترجع إلى أمريكا عندما تتحسن أمورك؟

اقترحتُ عليه ذلك بعد يومين حيث أخبرني أنه كان حملاً كاذبًا، وأنهما يفكران بالانفصال، وأنه قلق بخصوص وضعه القانوني في البلد وعدم قدرته على تجديد الفيزا أو الحصول على بعثة في جامعة حيث يتمكن من إكمال دراسته بالمجان.

– ليس لدي شيء لأعود إليه، لا أحد يفتقدني هناك.

قال ذلك، وتركني أتساءل: ما العودة؟

العودة، فكرة خادعة. متى نستطيع أن نستخدم فعل العودة عند الحديث عن ذواتنا؟

هل البدء من النقطة (أ) والانتهاء في النقطة (ب) يمكننا من ذلك؟ أي هل تستطيع أن تقول أنك “عائد” عند السير من (ب) إلى (أ)؟ ماذا لو شعرتَ أنّ وجودك السابق في (أ) مجرّد تجهيز للوصول إلى (ب) حيث بدأت ووجدتَ نفسك. ثم عندما تذهب إلى (أ) أنت في الأساس لا تعود، بل تغادر (ب) حيث تظل طوال عمرك تفكر بالعودة.

إلى أي الاتجاهين نعود؟ ومن أخدع عندما أقول أن شيكاگو مجرّد إناء؟ أخدع نفسي قبل أن أخدعكم. عذرًا، فأنا أعدّ أيامي الأخيرة هنا، وأحاول التصالح مع الفكرة، أحسب عدد الذين أفتقدهم ويفتقدوني هنا وهناك، وإلى اللحظة لا أدري في طريقي إلى أيّ الاتجاهين أستطيع أن أقول أنني عائد؟

 

 

ترحيب متأخر بعبد العزيز

كان في مكان ذلك الباب الذي يخيفك يا عبد العزيز جدارٌ يفصل بين بيتنا وما يقارب الثلاثة عقودٍ من تاريخ منطقة وشعوب، ولأجل التاريخ يُفزعك الباب، فتاريخنا حزين يا ولد أخوي.

أذكرُ، يا سيّد عزيز، وعمري سبع سنواتٍ عندما كنت أجلس على ذلك الجدار الفاصل بين حوشي الشقتين، ويدخل حاملاً كومبرسور عاطل وكرتون طماطم مثلاً، يضع العدّة على طرف حوض الشجر جوار دينامو الماء، وأفاجئه بصوتٍ حاد: عمّ محمد نجحت، فيعطيني عشرة، أمسك بهدية النجاح، وأفكر: عندما أكبر سأعمل ميكانيكي.

العم محمد هو أبو هناء ومنى وعبد الجليل، آخر مرةٍ شاهدتُ فيها عبد الجليل كان في عمرك. والده يمني الجنسية كان يعمل في السعودية منذ بداية السبعينات وخلال عشر سنوات أصبح مالكًا لورشتين على شارع أجياد. كان يستأجر، هو وعائلته، الدور الأرضي من بيتنا منذ أن انتقلنا إليه في منتصف الثمانينات. أذكرهُ جيدًا، حملت ملامحه بعضًا من تفاصيل الممثل المصري يحيى الفخراني بعينٍ أفتحُ لونًا من الأخرى، أذكرهُ يمدُ العشرة ريال وتخرج هناء تبعًا للأصوات في الحوش، ثم يدخلان وأبقى أنا سعيدًا على الجدار، كخيّالٍ حافي القدمين على حصانٍ يفصلُ بين حوشين.

ما هي إلا بضعُ سنوات يا عزيز حتى جاءت حربُ الخليج. ووجدَ العمّ محمد نفسهُ منبوذًا، ولا تسألني لماذا، فلم أكن بعد أفهم في السياسة، ما فهمته هو أنه كان يشعر بالغربة، فغادر. لقد حاول والدي إقناعه بالبقاء جاهدًا، ولكنهم أخذوا حقائبهم وخرجوا، وحصاني جامدٌ في مكانهِ لا يتحرّك.

بدأت حرب الخليج وخليت الشقة، كنّا نجتمع في صالتنا وصافرة الإنذار تهزّ الهواء والقلوب والجدران، في مدينةٍ صامتةٍ إلا من صافرة إنذار، والتلفاز يخبرنا بأن نختبئ وأن ثم خطرٌ في الفضاء، وكمامات  تُركب فيها فلاتر بشكل عبوات جبنة كرافت، تتحلّق الكمامات على وجوهنا جبرًا، ننظر لبعضنا من خلال درابيل، ننظر إلى النوافذ المغطاة بالشرائط اللاصقة، ننتظر، ولا شيء يحصل، وفي مرةٍ أخرى قد تهتزّ العمارة، فنصمت، ثم لا شيء يحصل. وهكذا حتى اعتدنا على سماع قصص صواريخ سكود وباتريوت في الشارع، وبين الكبار، وصار الكاريكاتوريون يستخدمونها في رسومات الصحف، وأصبحنا نصعد مع عمي ووالدي، أقصد جدّك وجدّك، فوق السطح لنشاهد بطلي الحرب، يتقابلان في الفضاء وينفجران، كالألعاب النارية.

وفي صباح يومٍ من تلك الأجازة التي امتدت لأمد، قرع الباب رجلٌ أربعيني، فتحتُ الباب فأخبرني أنه أبو سعد، وأنه يرغب برؤية والدي. تخيّل يا عبد العزيز، بعد ذلك بأسبوع، كانت شقة العم محمد مسكونة من قبل عائلة أبو سعد وأبنائه. كانوا قد شردوا بسيارتهم الكابريس بعد دخول جيش صدام إلى الكويت، وعندما وصلوا إلى الرياض، سكنوا في مدرسة، ثم جاؤوا وحلّوا في الجهة الأخرى من الجدار، ولم أتجرأ بتسلقه، فلأبي سعد فتيات أحرج من مواجهتنّ، لقد كانتا غريبتا الأطوار، بالإضافة إلى فارق السنّ، كنّ أكبر، ولم أكن بعد قد تعلقت بالقراءة كي أتعرف على ستيفن فيزيتشيي و”في مديح النساء الأكبر سنًا”، كن ينادين القطط الجائعة التي تمشي على سورنا بـ “هيييه.. بوسي.. بوسي.. بوسي” ههه أذكر أنني أخبرتُ أخي سلمان، أعني والدك، بأن عيال أبو سعد يتحدثون كأفلام الكرتون!.

ثم مرت الشهور، وغادروا، عادوا إلى بلدٍ يستطيعون فيه أن يقرروا، ورغم أنه أمرٌ سياسي، وكان من الممكن ألاّ أفهمه، لكنني تعلمت فهم السياسة بعد أن غابت هناء ومنى، السياسة هي أن تقرر من يرحل ومن يبقى خلف الجدار. ربما هناء ومنى متزوجتان، ربما لدى إحداهنّ طفلٌ يجلس الآن على جدار في قريةٍ ما، يبحث عن مدرسة أو عن عمٍّ يدخل من الباب بعشرة ريالات.

وفرغت الشقة لفترة، ثم سُكنت، ثم فرغت، ثم سكنها أخيرًا والدك، وهدّ جدّك الجدار القديم، وفي مكانه نبت الملحق وخرج الباب الذي يخيفك، ومن تلك الشقة التي سكنها تاريخ خرجتَ أنت يا عبد العزيز، وجئت مع الفرح للعالم حينما علا صوت الشعوب، فمرحبًا بك.

الآن أستطيع أن أقول أن الإصلاحات والتغييرات في الموقع اكتملت. أحب أن أشكر كل من تابع وشارك برأيه، والشكر الجزيل لمعتز قطينة وكامل فريق Clover Colour على التصميم الجديد لرصيف.

شكرًا للجميع.

خالد.

طبعًا، أنا للآن لم أستقر على تصميم نهائي للمدونة. الفكرة موجودة، ولكنها تحتاج إلى وقت للتصميم والتعديل على القالب.

كما تلاحظون الدومين samti.me يقود إلى هذا الدومين الجديد، وهو أيضًا للمدونة بعد نقلها إلى هوست جديد. لا أعرف أيضًا إذا ما كنت سأستقر على هذا الدومين أم السابق..

كثيرة هي القرارات التي مازالت معلقة في الهواء ولم تحدد بعد. ولهذا فتحت هذا الموضوع إلى حين اكتمال العمل على الموقع، وإلى أن يتم ذلك، من يريد أن يشارك برأي هنا فرصيف وصاحب الرصيف سيسعدان بذلك..

خالد

لأن معرفة جنسه قبل الولادة لتغطية جسده بعدها لم يكن أمرًا مهما، كان والداه في حراج بن قاسم يبحثان عن ملابس مواليد عندما نشّز المخاض مشية والدته، وجعلها تطلب من والده أخذها إلى المستشفى في الحال. لذلك أطلقت عليه خالاته بادئ الأمر “رزق الحراج” وما إن كبر وبدأ يتجاوب مع محيطه، حتى تبدّى للجميع أنه يأخذ بالارتعاش ويفقد القدرة على التركيز بمجرد تجاوزه حدود أحياء الرياض الجنوبية، وسرعان ما أجمع الملتفون حوله من أقرباء وجيران على تسميته رزق منفوحة.

في البدء، شكّت عائلته أن للأمر علاقة بتعرضه للفحات الهواء الحار وهو يجلس مع قطيع إخوته في حوض سيارة والدهم الداتسون، ولكن الحالة تكررت كثيرًا، حتى عندما خرجوا به شمالاً في سيارة لينكون مكيّفة، استعارها والده خصيصًا لأجله من زميله في العمل.

قابلت رزق خارج أروقة مطار لاگارديا بنيويورك، حيث استقلينا، أنا وهو، إكسبرس شاتل إلى منهاتن- باص صغير يتسع لثمانية ركاب، يستقله عادة الباحثون عن أجرة توصيل رخيصة. وكما يشعر الغرباء بالراحة عندما يقابلون أشخاصًا يتحدثون لغتهم بعد نيفٍ من الحديث بلغة الآخرين، تحدثنا بسلاسة الحكايات المشتركة، الأمر الذي جعله يقرر، دون التصريح بذلك، مرافقتي إلى ذات الفندق الذي كنت أنوي السكن فيه. وعندما كنتُ أتحدث مع موظفة الاستقبال وأظهر امتعاضي من غلاء الحجرة وسعرها المختلف عن السعر المعروض في الكوبون الذي كنتُ قد طبعته مسبقًا من الإنترنت وجلبته معي من سياتل، سألها هو -دون أن يشاورني- عن سعر الجناح، وكان سعره مناسبًا جدًا إذا ما اقتسمناه، ما حدا به أن ينظر إلي وكأنه يحاول استنطاقي بنعم، ولولا تعبي ومحدودية ميزانيتي التي جمعتها من مكافآت أشهر سبقت ولا تكفي سوى لأسبوعٍ واحد في مدينةٍ تغلي بها الأسعار في عزّ الشتاء، لما كنتُ وافقت بمشاركة السكن مع شخصٍ غريب فقط لكونه يتحدث لغة عيال حارتنا، ويروّج رائحة أخي، ويشاركني ذاكرة أزقة حراج بن قاسم وسوق الحمام وفرقعات الكبريت برؤوس البواجي المذيّلة بالريش. استلمنا مفاتيح الجناح وحملنا حقائبنا، وأثناء لحظات الصمت التي تسود المصعد، ويقضيها الناس عادة وهم ينظرون إلى شاشة صغيرة تظهر فيها أرقام الأدوار، أسرّ إليّ:

– لا تفكر كثيرًا في المسألة، سأنام في حجرة المعيشة.. يعني في حالة أن تجلب معك فرخةً، ستتمكن من تناول وجبتك بهناء، وأتوقع منك أن تفعل المثل إذا ما حصلتُ أنا على دجاجة! أحب الدجاج أكثر.

قال ذلك وهو يضحك، وينظر إلى عداد الأدوار، تتحول ضحكته إلى ابتسامة، يصمت، ويفكر بأشياء أخرى أو ربما بالأشياء نفسها.

في المستشفى، أخبرَ آخرُ الأطباء والدَه أن جمود رزق الاجتماعي يدخله في حالة رهاب وتشنجات عصبية حال خروجه من محيط الراحة، الترجمة العربية للمصطلح الإنجليزي Comfort Zone، وقال بأنه في حاجة إلى جلسات وتقنيات علاجية غير معقدة ولكنها لا تتوافر لدى المستشفيات العامة. وبين مواعيد المستشفى، كان والده يعرضه على شيوخ يقرأون عليه وينفثون، ومعالجين شعبيين يكوونه بالنار، ولا تفلح جهودهم جميعًا، ويعود إلى البيت، ويكبُر.

تصالح رزق مع حالته في نفس الوقت الذي تصالحت الكرة معه، فهو يجيد ركلها باليسرى واليمنى، وعندما يستعرض مهاراته بها -كما فعل في حديقة السنترال بارك ونحن نلعب الكرة مع شباب مغاربة جمعتنا بهم الصدفة كما جمعتني به في المطار- يشعر الرائي وكأنه يرقص الهيب هوب. أخبرني أنه كان يتلقى طلبات من حارات أخرى للعب في فرقهم، وقد جاءه عرض من سمسار يمثل نادي الشباب بعد فوز فريق حارتهم بمباراة نهائية في ملعب الفريان، لكنه رفض العرض: النادي فادح الشمال، ثم أنني قد وعدتُ فريقي باللعب معهم الموسم القادم!.

كان يخرج من المدرسة ظهرًا، يمشي شرقًا إلى شارع البطحاء وعليه يتجه يسارًا ويجاهد فوقيّة الشمال إلى ميدان سميراميس، ذلك التقاطع الكبير، يقف على رصيفه يتأمل المدى الذي ينتهي بعمائر من الخرسان وجسر الوشم، يدخن سجائره الأولى حيث التقط عادة التدخين من أصدقاء الأول ثانوي وقهوة البستان، يتنفس الدخان وفكرة العبور، ومن خلفه تأتي متزاحمةً أصوات مزامير العربات وصياح سائقي الباصات ترتطم بزجاج عمارة السليمان، يرتدّ الصدى، ويستمرّ بالوقوف بين العمارة والخزّان، يستجلب الإصرار، تحت ظل ذلك المسمار الهائل الذي يُثبت جنوب المدينة، ويرسم آخر صورة في جغرافيا ذاكرته القصيرة. يحتاج لأن يقطع شارع الملك عبد العزيز إلى مبنى الأحوال المدنية كي يستخرج بطاقة، ولكن قدماه لا تحملانه، ومدير المدرسة وبوّاب القهوة لا يتفهمان حالته، يتردد.. ويعود إلى منفوحة سيرًا على ذات الطريق إلى بيته.

– من المؤسف أن تكون البطحاء أقصى شمالك لكلّ تلك الأعوام، يا رزق!
– كنت سعيدًا بذلك، تصدق!

بعد فعاليات اليوم الأول لمؤتمر التجارة الإلكترونية، والذي حرصت على جعل وقت زيارتي لنيويورك يتوافق معه، اتفقنا على الالتقاء في ميدان تايم سكوير. شاهدته يقف مع امرأة تعلّق كاميرا على عنقها، كنت أنتظره على طاولة الميعاد، وكانت هي تتحدث إليه وتكتب شيئًا في ملفٍ تحمله. التقطتْ صورته مبتسمًا وهو يشكل بوسطاه وسبابته علامة السلام، ثم صافحها وأقبل يمشي منتصرًا. جلسنا نشرب القهوة، خلفنا شاشة كبيرة وأخريات صغيرات تتوزع في المكان، وحولنا محلات القهوة والبيگل والكعك، وعلى أرصفة القرميد تشكل وجوهَ العابرين خرائطَ العالم.

– من تكون تلك المرأة؟
– هه، تلك المرأة؟ كنا نتحدث حول أمرٍ ما. أنظر إلى تلك الحمامة، تسير مع الناس، ولا تخشى أن تُدهس!

لقد تجاهلني تمامًا، وأخذ ينظر إلى الحمامة! الحقّ، أنه كان منظرًا مبهرًا، الحمامة تمشي وسط الزحام وكأنها ترافق أحدهم على الرصيف، وكأنها ستتوقف لشراء فشار، ثم تقطع الشارع من على خطّ المشاة. أخرجت علبة سجائري، أشعلت واحدة، ومددت بأخرى إليه، فشكرني وقال أنه قرر ترك التدخين.

– متى؟
– اليوم.

رغم فضولي وشخصيته المحرضة على الاستكشاف، لم أكن مُلحًا في أحاديثي معه، كلّ ما أعرفه عنه بالإضافة إلى الحكايات التي يرويها لي ونحن نمشي على أرصفة منهاتن أو نأكل الحنيذ في مطعم اليمن السعيد في بروكلين، أنه حصل على بعثة بعد الثانوية قبل ابتداء برنامج الابتعاث السعودي ببضع سنوات، من خلال واسطة دبرها له والده الذي يعمل مراسلاً في وزارة التعليم العالي. أنهى البكالريوس في الهندسة المعمارية كتخصص أولي، ودراسات المجتمع المدني كتخصص ثانوي في جامعة لندن للاقتصاد، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على الماجستير في علم الاجتماع من جامعة فلوريدا، ويعمل حاليًا في سان فرانسيسكو في مؤسسة غير ربحية تشرف على تطوير مباني الأحياء الفقيرة بأكثر من ولاية.

– الصيف الماضي، ولأول مرةٍ في حياتي، جلستُ مع والدي في مقهىً على شارع التحلية. لم يدم جلوسنا طويلاً، حيث تركنا المكان، وذهبنا إلى بوفية العمّ محمد جوار بيتنا، طلبنا شايًا بالنعناع، مثل هذا.

قد تعتقد عزيزي القارئ أن ثمة نواقص في النص، أو أنني فشلت في ربط الحكاية، ولكن رزق قال “مثل هذا” وسكت يرتشف الشاي الذي قدّمه لنا النادل اليمني، وأخذ يتأمل شارع أتلانتك خلف الزجاج. وأنا لم أحاول استنطاقه، ولا أستطيع أن أُمنطَق حكاياته وأبررها أكثر مما هي عليه في هذا النص.

في اليوم الأخير من زيارتي لنيويورك عاد إلى الفندق ظهرًا بعد أن قضى الليلة بكاملها في الخارج. أخبرني ونحن نجهز أمتعتنا أنه أنهى اجتماعاته مع بلدية المدينة، وأنه قريبًا سيذهب إلى شنگهاي، لحضور مؤتمر يعرض آلية تعمير جديدة وسريعة وقليلة التكلفة قام الصينيون بتطويرها مؤخرًا. دفعنا أجرة الفندق، وخرج هو إلى المطار عائدًا إلى سان فرانسيسكو. ولأن رحلتي إلى سياتل متأخرة، قررتُ الجلوس والقراءة على إحدى طاولات ميدان تايم سكوير، تذكرت ميدان سميراميس، واكتشفت أنني لا أعرف كيف تمكن رزق من عبوره أخيرًا، كيف تعالج من حالة الرهاب: ربما كانت فكرة والده بأن يجعل العالم بأكمله جنوبًا! لقد فاتني أن أسأل رزق. حاولت جاهدًا تجاهل التساؤلات وحاجتي بمعرفة الجواب، وأخذتُ أقرأ كتابًا لهيمنگواي حتى تعبت، راقبت وجوه العابرين وتعبت، ثم لجأتُ إلى الكتابة.

بعد ساعتين، جمعت أوراقي وحقائبي مقررًا الذهاب إلى المطار، وقبل أن أنهض، ظهر إعلان في الشاشة الكبيرة، لمنظمة صحية، حيث يتم عرض صور لأشخاص قرروا ترك التدخين عن طريق المنظمة والتي بدورها تستمرّ بالتواصل معهم ومتابعتهم. ظهرت صورة رزق مبتسمًا، وكأنه عاد ليخبرني أمرًا، وأصبعاه تشكلان علامة السلام، وتحتها مكتوب بالإنجليزية:

أنا رزق، لقد أقلعت منذ يومين، وأعد العالم بأنني لن أدخن مرةً أخرى، للأبد.

بعد الثانوية، عملت في حقل مبيعات الخضار والفواكه لسنتين، فبدأت بسنترال في ثلاجة تستورد الفواكه، وانتهى بي الحال أبيع الخضار ما بين البسطة في عتيقة وسوق الجملة في العزيزية. وكنتُ أبحث خلال تلك الفترة عن جامعة تقبلني. كنتُ أسافر لكل كلية تفتتح أبوابها للقبول في أية منطقة، وأعود خائبًا. أما والدي الذي لم يتقن، رغبةً منه، لغة الواسطة، فكان يذهب معي في بعض محاولات التقديم داخل الرياض برجاء الأب وصور شهادتي ومستقبل مجهول. بعد سنتين، أي عام ١٤٢١، دخل معي إلى مكتب عميد القبول والتسجيل في جامعة الملك سعود، كان يوم الاثنين حيث يستقبل سيادته المواطنين ويستمع إليهم كشيخ قبيلة. قام أبي، في محاولة مبتكرة ويائسة، بعرض رسوماتي على العميد وهو يقنعه: “اقبلوه في كلية الفنّ التشكيلي، الولد رسام.” حدث أمرٌ غريب وجديد حينها، حيث قام سيادة العميد بإلصاق ورقة صفراء على ملفي بعد أن وقع عليها:

“الرجاء عمل اللازم”

كانت أول مرة أقرأ فيها هذه الجملة السحرية التي جعلت من موظفي القبول والتسجيل ينهون إجراءات قبولي خلال ساعة واحدة. لم أكترث حينها بصرفهم إيايَ، كسبعة هاص مقطوعة واللعب صن، إلى كلية الزراعة، ولم أتمادى كثيرًا في تحليل العلاقة بين الرسم والشجر، فربما كان دافعهم هو التصاق بعض أوراق الفجل والخسّ بملابسي، ولكن المهم أنني قُبلت، وسأستدرك الأمر لاحقًا وأقوم بالتحويل إلى كلية اللغات والترجمة.

لم تتمكن مخيلتي اللزجة من نفض تلك الجملة التي كنت أجهل لعامين أنها حل لمشكلتي -وسأكتشف مستقبلاً أنها حلّ للسواد الأعظم من مشاكل الناس في السعودية- أمست تزورني في الليل نائمًا، أراها بسقف الحجرة، ثم تتشكل على الصدّامات الخلفية للمراكب السائرة أمامي في طريقي إلى الجامعة، وكنتُ أحلم بعالم توزع فيه تلك الأوراق الصفراء بالمجان عند الإشارات كالماء والتمر في رمضان، ثم انتهيت بكتابتها على دفاتري خلال الفراغات بين المحاضرات وأتبعها بلقب مراهق متحمس:

“الرجاء عمل اللازم.. ذكريات المشتاق ٢٠٠١”

مرّت السنوات، وشاهدتُ تلك الورقة أكثر من مرّة على معاملات الأصدقاء والأقرباء، وبدأ المنطق بفرقعة نفسه كثيرًا ودائمًا في مخيلتي، وفكرت: إذا كان الإجراء لازمًا، فلماذا يتمرمط الناس ويفرقعوا أنفسهم ويتوسلون في سبيل الحصول عليه؟

كم هو سخيف أن تُختَصر حقوقك وأحلامك في جملة على ورقة صفراء يكتبها من يصنع سعادته بتطبيل المساكين ودعواتهم. كم هو محبط أن تتحوّل أحلام الشباب السعودي من أن يكونوا مهندسين وأطباء ومحاضرين في الجامعات ومشاركين في خدمة البلد وسكانه، إلى أن يكونوا رجالاً كاملي الدسم يقضون أيامهم بتجاهل مصالح الناس ويكتفون بحل الكلمات المتقاطعة وإلصاق الأوراق الصفراء على المعاملات في أيام تتنزل عليهم الرحمة، وأنا لا أتهم هنا العميد حينها بتجاهل مصالح الناس ولكن أنا أتحدث بعمومية، فكم هو مخجل أن تتحول حقوق الناس من مطلب يجب توفيرها ومعاقبة المقصرين في تحقيق عدالتها، إلى صدقة تمنح لهم بمنّة.

وكم أنا متحمس، لأن أخبركم الآن، أن جميع سكان السعودية من مواطنين ومقيمين سيحصلون على ثلاثة كراتين ممتلئة بجميع حقوقهم “اللازمة”، إذا ما توقفوا عن طلب الواسطة والتطبيل لكاتبي تلك الأوراق البالية، فقد انتهت صلاحيتها وصلاحية أقلامهم الفاسدة، فمن الآن وصاعدًا، سنكتب ونطالب بحقنا وحق الوطن بأنفسنا.

لقراءة المقال في مدوّنة أشرف إحسان فقيه

لأننا لو نشعر بذلك، برغبتك الواضحة في عودتنا، لن يفكر أحدٌ، مجرّد التفكير، بالبقاء في الغربة. سنعود وليست الشهادة التي تدفعنا إلى العودة، فهي لا تتجاوز كونها ورقة لا تختلف عن مثيلاتها التي عُلقت لأجيال على جدران إدارات مؤسساتك يا وطني، تلك التي أنتهك بعض حامليها بنيتك التحتيّة ولعبوا المونوبولي ببيوتك الشعبية وغير الشعبية، ووزعوا بيادقهم على شطرنج مخططاتك، ثم تركوك عاجزًا أمام تهديد السحاب، الزائر الخفيف الذي يأتي مرةً في العام. سنعود وليس من المهم معرفة مسميات الدول التي درسنا بها، أو مواقعها على الخريطة، ولا مدى ارتباطها بالوثن أو اهتمامها بالقبلة، ففي النهاية هي دولٌ تعترفُ بحقّ الإنسان بها، الذي كرّمه الله عن بقية الخلق. سنعود إذا أردتنا أن نفعل، ولكننا لا نسمع صوتك يا وطن، هل ترغب في أن نعود؟

لقد تعلمنا الآن يا وطن، أليس هذا هو الغرض من خروجنا في بادئ الأمر؟ لقد تعلمنا أن نفصح عما نريد. العلاقة بين الناس لن تنجح إذا ما كانت الرغبات والشكاوى لا تُفصح، وإذا قيلت كُممت الأفواه وفتحت أبواب الزنازين لمساجين رأيٍ وتوجُّه. لقد تعلمنا في الغربة أن نعرف ما لنا وما علينا، حتّى حقّك علينا يا وطن عرفناه هنا، ذلك الحق الذي أشغلنا عنه صخب شكوانا. لقد عرفنا قيمتك عندما غادرناك، ولكننا نخسرك بمجرد أن نصل إلى جمارك مطاراتك.

أكمل قراءة المقال في مدوّنة أشرف إحسان فقيه

هي الوتر الذي يخلق فكرة أجمل في مخيلتك وأنت تقرأ، العاطفة وتر “الشرارة” لو كانت الكتابة عود، وفي هذه المعزوفة، صوت “الجواب” يحتاج إلى إعادة دوزنة.

وكأن الليل بحّار، أو هكذا أشعر، يطوي شباكه فارغة في صدري بعد يومٍ كامل من الصيد، أسمع الآن خطواته على الرصيف الخشبي يمشي بقرعِ الخائبين. يأتي النهار وأخرج إلى زحمة، الكل ينظر للأعلى وكأنهم يتوقعون سقوط شيء، ولا شيء يسقط. أقود دراجتي وأحيي ساعية البريد، تخبرني أن على الجيران الجدد كتابة أسمائهم على الصندوق، أخبرها أنني لا أكون موجودًا في النهار كي أبلغهم ذلك، أعيش النهارات بما أتظاهره من سعادة، ثم أعود وأقابل الليل عائدً من البحيرة، نصل سويًا، يَسقط مفتاحي فيلتقطه قبل أن يلمس الأرض، ندخل إلى الشقة، أخلع معطفي ويعلقه الليل على الشماعة. ثم تهزّ ساعية البريد كتفيها، وتقول، لقد تركت لهم ملحوظة على أية حال، وتغادر.

يختلط الزمنُ فيما أحكيه، وتفتقد الأحداث منطقيتها. ولا أحتاج إلى منطقٍ في هذا الليل، إنه يقرأ لي حكاية ما قبل النوم، ولا أتمكن من النوم، لستُ معتادًا على الاستماع إلى حكاية لأنام. والنوم لا يأتي على أية حال. سألتني الدكتورة أنبور: “هل لديك صعوبة في البقاء نائمًا، أم صعوبة في النوم؟” قلت الثانية. “ما اسم الحبوب التي تستخدمها؟” ميلاتونن. وتحوّلت الدكتورة إلى محقق، “هل لديك أقوال أخرى؟”. ثم يشعل سيجارة ويمدّها إلي. أجبت: أرغب في توكيل محامٍ. فيضحك، ويقول: ابني، هذا أنا. ثم يتصاعد للأعلى ويعطى السماء صفة الليل.

وتذكرتُ أنني لا أستخدم دراجتي في الشتاء، وأن ساعية البريد لم تعد تقف لتحدثني عن الجيران، تخاف أن تنكسر رئتها وهي تضحك. السيجارة والشتاء يجعلان من فمي مدخنة وأنا أقف في الخارج، أنتفض، ويتساقط الرماد على عتبة الباب ويخبر الثلج بأنه للتوّ كان سيجارة، ولا يصدقه الثلج أو أن التفكير في ذلك يتعبه، فهو أيضًا يتوقع ذوبانه في أية لحظة.

ثم أعود إلى الداخل، ويتبعني الليل، أخبره أنه أدى دور المحقق بحرفية عالية، فيتظاهر بعدم الاهتمام وكأنه معتادٌ على الإطراء، يأخذ مني شباكه الفارغة، مطويةً كما يجيء بها. أتمنى له رحلة صيد جيدة، أسمع قرع حذائه على الرصيف الخشبي. يدخل النهار وأخرج إلى زحمة، الكل ينظر للأعلى وكأنهم يتوقعون سقوط شيء، ولا شيء يسقط.

إلى شيكاگو.

أول حبقٍ أكتبه من الرياض يا شيكاگو، أوجهه إليكِ كيلا يشذّ عن رتم هذه السلسلة أو أُتّهم بالخيانة. من حجرتي فوق سطح البيت، حيث أطلقتُ اليوم بلبلين، كانا محجوزين في قفصٍ صغير بصالةِ المنزل قبل أن أصل، غُطي القفص بقطعةِ قماش ليظنّا أنه الليل ويكفان عن تغريدهما عالي الصوت. عندما شاهدتهما، شاهدتُ فيكِ طاولات مأهولة، وطيور تأكل نثرًا يتساقط من كعك الجالسين وتعود للتحليق، ثم فكرتُ في إمكانية رسم ببغاء يقرأ جريدةً على صوفا، يرتشف الكيف من غليون، وخلفه يتعلّق قفصٌ صغير، يجلسُ داخلهُ طفلان لا يكفان عن بكائهما عالي الصوت.

ذهبتُ إلى البطحاء صباح اليوم للمرة الثالثة مذ جئت، جلستُ إلى طاولةٍ بلاستيكيةٍ بيضاء بعد أن استلمتُ ثوبي من الخياط، شربت شايًا وأزقةً ملتوية عتيقة، ساحةً كبيرةً، حمامًا كان يلقط نثرًا على أرضها، باعةً يحرِّجون على بضائع بأسعار الفرص التي لا تعوّض، تحدثتُ مع صديقي مطاعن عن اللحظات التي نعبرها ونحنُ نفكر في لحظاتٍ لم تحن بعد، نعبرها دون أن ندرك أن ثمة حمامًا يلتقط نثر الحبوب في ساحة أو باعةً يلحنون بأصواتهم معزوفة “وسط المدينة”، أو لحظات حميمة لم أجدها في قائمةِ لحظاتكِ الجميلة يا شيكاگو.

أتنفسُ الرياض كما لم أفعل، يجففني هواؤها، أتحدثُ للأصدقاء القدامى ويتساقط قشر شفتي مع الكلام، فلا أفهم ما أقول ولا ما أريد. ثم تتبدّين يا شيكاگو كذاكرة الليلة الأخيرة فيك قبل أن أحلق ذقني، أغادرك، أطير لساعاتٍ ثم أصل الرياض وقد نبتت. طويلةٌ هي المسافة بينكما كطول الجدل الدائر في فكري، بقاءٌ فيكِ أجدى أم أتابع الطيور في وسطِ مدينةٍ حميميةُ لحظاتها لا تشبهك.

طار البلبلان، وأخذا يتنقلان فوق سطوح بيوت الحارة، يقف أحدهما على خزان منزل الغُمّد، ويغرد بصوتٍ لم أسمعه من قبلٍ للآخر الذي يقف على سور القحاطين، فيحلقان للأعلى ويخيطان من السماء مسافةً إلى سطح جارٍ جديدٍ لم أجد اسمه في قائمةِ الذاكرة القديمة. أبي يقول أنهما لن يتمكنا من النجاة في المدينة، لن يجدا ما يأكلان. شعرتُ بالأسف، انتظرتهما، علهما يعودان، تركتُ لهما الحبوب والماء والقفص مفتوحًا في مكانه، غابت الشمس، ولم يرجعا. انتصف الليل الآن يا شيكاگو، صمتت الرياض، وجاءت أفكارهما برفقةِ نسمة: ننفقُ في مدينة ولا نحيا في قفص.

لأنه من تلك الأصوات التي تصل، أصوات الفنانين الذين كبرنا وارتبطت ذكرياتنا وأحداثها بأغانيهم، من غاب منهم لم تغب عنّا أعمالهم، ومنهم من لا يزال يصنع الفنّ الذي يمس حياة الناس البسطاء، ويوزّع الذكريات على أسماع هذا الجيل، كما فعل مع الجيل الذي سبقه. إنها الأصوات التي تغني تفاصيل الحياة اليومية، تحكي قصص الكادحين، وتصبّ برد الاطمئنان على قلب المكبوت والمُنهك من حياته، أغانٍ تدوّن أحداث المجتمعات وتُرقّم صفحات كتبُ تاريخنا بالنوتة الموسيقيّة. تلك الأغاني التي تتجاوز ردة فعل سماعها التحرّك العاطفي لتصل إلى درجة التحرّك بفيزيائيته، كما فعلت أغنية الفنان اليمني أيوب طارش “وا مفارق” الأغنية التي نادت الغائب اليمني وهيّجت في ذاكرته صورة الأرض، الوطن، ونكأت جروحًا كان يواريها في غربته وأيوب ينادي: “الحزن بعدكم أطفأ شموع المسرّة، والندى في الحقول يبكي على كل زهرة.” سمعها المغتربون اليمنيّون وعاد الكثير منهم بسببها، مئات الآلاف كما قيل. ورغم تباين أعداد المغتربين العائدين وكثرة الأقوال حولها، وعدم وجود أي معلومة موثقة، إلاّ أنَّ مجرّد فكرة أنْ تُعيد أغنيةً ما ولو عشرة أشخاص، فإن ذلك كافٍ لأن يجبرني على رفع القبّعة احترامًا لفنانين كهؤلاء، تمامًا كما رفعتُ القُبّعة للفنان “حسين الشبيلي” الذي وجدتُ نفسي أكتبُ له هذه الرسالة وأنشرها عوضًا عن إرسالها.

عرفتُ حسين الشبيلي عام 2005 حين جمعتنا العاصمة السودانية الخرطوم، خلال المهرجان الثقافي للشباب العربي العاشر، حيث ذهبت مشاركًا ككاتب قصة، وكان الشبيلي مشاركًا ضمن طاقم فرقة الفنون الشعبية السعودية. عرفتهُ راقصًا شعبيًا مذهلاً، يبتهج بخطواته على الأرضِ مطبطبًا على كتفها، راسمًا بحركاته تفاصيل ريفها وجبالها وأوديتها وصحرائها وبحرها، مؤديًا طقوس امتنانه للحياة عليها، فالأرض لا تفهم من لغة البشر سوى خطوهم، والرقصُ كما يؤمن “زوربا” لغةٌ تفهمها كل الحضارات. وكانت الوفود العربية المشاركة تجتمع مساءات المهرجان الجميلة، خارج إطار الفعاليات، في جلسات غناء، طرب أصيل لفنانين تشترك الذاكرة العربية في حفظ أغانيهم، يؤديها عازفون من دولٍ عربية مختلفة وبآلات موسيقية متنوعة، يعزفون ويغنون بصوتِ الكل، وبصوت الفرد. لم أكن المُفاجَأ الوحيد عندما التقط حسين العود وأخذ يشارك الجمع بالعزف والغنّاء، ولكن، رغم فنية أدائه وروعته، لم يخطر في بالي حينها أبدًا أنني سأتفأجأ به مرةً أخرى عندما أستمع إليه بعد خمس سنواتٍ من وراء بحور وعلى بُعد آلاف الأميال. ذلك يجعلني أفكر: الفنانون الحقيقيون هم الذين يُجيدون صُنع المفاجأة أكثر من مرّة.

خلال ليلة باردة من ليالي شيكاغو وجدتُ الدفء في أغانيه على موقع اليوتيوب عن طريق صدفةٍ أجمل من ألفين وخمسة مواعيد، حيثُ أرفقَ الصديق مصلح جميل في أحد المواقع الاجتماعية رابط أغنية له. الأغنية عُنونت بـ”كلما جاني عريس”، على لسان امرأةٍ أربعينيةٍ تشتكي استغلال والدها الذي أغلق عليها وأخواتها أبواب الزواج كي لا يشاركه أحد في رواتبهن. ثم بدأتُ أستمع إلى أغانيه الموجودة على الموقع واحدةٍ تلو الأخرى، لأٌفاجأ بهذا الفنان الذي يكتب ويلحنّ ويغني هم الإنسان الكادح كوحدة أساسية في أي مجتمع.

لقد غنى حسين التفاصيل المألوفة من حياة مجتمعه، يجاري الشارع في مدينته، يجاري الأب الذي يجلس على همومه الصدئة في دكانه ويستمع إلى مثل هذه الأغاني، والأم التي تقف على كدرها ساعاتٍ في صباحات مليئة بالطبخ والنفخ والتنظيف، غنى الشجر، الوادي، القرية وغنّى الأصحاب. حتى الحبّ غناه ببساطته، بتفاصيله الصغيرة التي نسيناها، فبكاءات المحبين أمست مستهلكةً ولم تعد مقنعة، لقد انحدرت كما انحدر الغناء مع كثرة المغنين لا الفنانين، وطغيان الفكر التجاري والربحي على الفكر الفنّي إلى أن حوّله إلى مسخ آخر في زحام ثقافي يحتاج إلى غربلة. وبعيدًا عن ذلك الزحام، هناك في الحارات الصغيرة، والقرى المترامية، بداخل السيارات التي تسير بفجاجة مسجلات كاسيت ونوافذ تٌفتحُ بالهندل، تصدح أصوات فنانين يغنون ما يحكي تلك الحياة، ويمس أولئك الأشخاص، كلامًا يألفه السامع وصوتًا يطربه، عندما يغنون عن الشتاء والطفولة وطائرات الورق، كما يفعل علي بن محمد ويغني عن المدرسة وطابور الصباح، كما فعل أيوب، وكما يفعل حسين الشبيلي.

ربّما لأنه يرغب أن يمثل لسان مجتمعهِ وثقافته، قدّم حسين الشبيلي أغلب أغانيه بلهجته التهاميّة أو لهجة الكثير من قرى ومحافظات جيزان، وبألحان من المخزون الموسيقي لمنطقته الريفية. هذه هي الأصوات التي تبقى، والكلمات التي تمسّ شيئًا في دواخلنا. فنانون، مطربون وشعراء، يعزفون ويكتبون ذاكراتنا القديمة، وانتماءاتنا البعيدة جدًا، بُعد شيكاگو عن الطرشية. فشكرًا يا حسين الشبيلي، صوتك وصل.
خالد الصامطي

27 يناير 2010

إلى بدر السماري.

كيف هو الإدرينالين في دمك يا بدر؟ بعد المقلب العاطفي الذي قام به الهلال خلال مباراة الإياب مع الغرافة!. عمومًا، أنا لم أتمكن من مشاهدة المباراة في وقتها، كل ما شاهدته هو الأهداف على اليوتيوب.

أكتب لك الآن يا بدر والبخار جوار الشاشة يتصاعد من كوب شايٍ أحمر. نثرتُ عليه قليلاً من الحبق، النادلة راقبت المشهد ولم تستغرب، لم تسألني عن هذه العشبة، ربما لم يعد الأمر غريبًا كما كنت أعتقد. ثمة حركة هيبية جديدة تدفع الكثير من أفراد المجتمع لاستخدام الأعشاب، لو سألَتني، لربما أخبرتها أن الحبق يخفف من حساسيتي ضد القطط، وقد تعتبر هي أن إجابتي هذه أكثر منطقيّة من مجرد أن الحبق يساعدني على الكتابة!.

أجلس الآن في مقهى أرغوتي، على يميني حاجز زجاجي مطل على شارع راندولف، وأمامي قفا امرأةٍ سمينة جدًا تجلس إلى الطاولة المقابلة، نجحت في حجب كل ما يدور في الأمام، إنها مثل منديل الساحر، يغطي به ما يظهر من القبعة، المنديل كبير جدًا، القبعة باب المقهى، والأرانب ملونة وكثيرة. في الجوار مدرسة فنية، لذلك ثمة الكثير من الأرانب الغريبة بشعر وردي وأخضر وملابس لافتة للانتباه. هذه الزاوية من الداون تاون تقع بين مسرحين سنمائيين، أحدهما “راندولف ثاييتور” والآخر “جين سيسكل فيلم سنتر” وما يهم هنا هو الثاني لأنه غالبًا ما يعرض أفلامًا أجنبية، هذا الشهر، أكتوبر، هو مهرجان الأفلام الإيرانية.

أشعر بالأسى على الشاب الذي يقف على بعد عشرة أمتار تقريبًا خلف الزجاج، حاملاً ملفًا كُتب عليه “Children International” معترضًا طريق المارّة، ويلقي على أسماعهم هذه الجملة بشكلٍ رتيب ومتكرر:”هل تسمح بدقيقة من وقتك لإنقاذ أطفال العالم؟” ربما لم تلتق بأحد هؤلاء الأشخاص مسبقًا يا بدر، موظفون في الشوارع، يعملون لمنظمات ذات شعارات رنانة مختلفة على جمع التبرعات. مندوبو مبيعات إن صحّت تسميتي، ولكن سِلعهم هي القضايا الإنسانية، البيئة، حقوق الحيوان أو منظمات تروّج أيديولوجيات مختلفة. يتوزعون على أرصفة الداون تاون وما جاورها بشكلٍ منظّم. تصادف الكثير منهم وأنت تسير. تشاهدهم على نهاية الرصيف جوار محطة باص، أو علامات عبور المشاة، فتحاول التملّص والانتقال إلى الرصيف المقابل، لتجد شخصًا آخر يحمل ملفًا مختلفًا بانتظارك هناك، ويلقي على مسمعك: “هل لديك دقيقة لإنقاذ الأرض؟” فتقول له: “إنني أعمل حاليًا على إنقاذ نفسي من التأخر عن المحاضرة!” وتسير على خطٍّ متقوّس حوله مبتعدًا، وكأنك تحاول ألاّ تسقط في بركة ماء. وتشعرُ بخيبته التي يواجهها ألف مرة في كل يوم، حتى يصبح وقع الخيبة على نفسه كسماع التحيّة، لا تأثير لها، ويواصل ممارسة عمله، أفكر أحيانًا كيف ستكون حياته مستقبلاً، كيف سيتمكن من صنع ردة فعل مناسبة لدى سماع خبر سيئ!. لا أستطيع أن أتخيّل نفسي في مكان أحدهم، أحترم شعاراتهم وقضاياهم، ولكني لا أتقبل فكرة ممارسة الاستجداء، لذلك أشعر بالأسى والخيبة من مجرّد متابعتي لهذا المُلَقَن الذي يقف الآن خلف الزجاجة مباشرة، حاملاً ملفًا كُتب عليه “Children International”.

لنعد مجددًا إلى الهلال، لست متأكدًا إذا ما كان تشجيعي له جاء بقرار، أي أنني لم أستيقظ يومًا ما وأقرر أنني هلالي، لقد تشكل الهلال بي على مراحل. ربما، عندما بدأ أخي الأكبر سلمان بالكلام سألَ والدي عن حقيقتها فقال له أنها “هلال” ثم تبرع بتعليمي ذلك، أما الشيء الأكيد هو أنني وأخي سمينا الكرة “هلال” ونحن نركلها بين الحجرات وعلى سطوح بيتنا الشعبي، حتى تعلمنا الخروج إلى الشارع واللعب بها والالتقاء بأطفال جدد يسمونها “كورة”! ثم أذكر أول فوز شاهدته كاملاً بعد ذلك، وراقبت والدي يتفاعل معه بحماسة وعاطفة مثيرتين، حين فاز الهلال ببطولة الأندية الآسيوية بمنتصف الثمانينيات، حصل الشاب العشريني يوسف الثنيان على جائزة أفضل لاعب، وبدأ الهلال بالتشكل في ذاكرتي بصورته الجديدة. وعندما تعلمتُ التعليق أثناء اللعب، كنتُ أردد عبارة “ويعدي يوسف الثنيان، من الأول، من الثاني”، ورغم أنّه لا وجود لأشخاصٍ أتعداهم!! مسألة ابتكار ثالث ورابع مسألة سهلة، إلاّ أن حوش بيتنا لم يكن طويلاً لدرجة تسمح لي بأن “يعدّي يوسف الثنيان من الثالث والرابع” كما فعل كثيرًا.

إذن كان الأمر مجرد مغالطة لغوية، ومشكلة تلك المغالطات في مراحل عمرية مبكرة أنها تتركُ أثرًا بالغًا في مؤخرة الرأس أكثر مما تخلفه حجارة أولاد الجيران. تبقى كحقائق صغيرة لم يتح لها الواقع فرصة للنمو، ولكنها لا تزال هناك، وتعني الكثير. أعرف شخصًا كان يظن أن لون “الأعمال” بُني لأنه سمع حديث “إنما الأعمال بالنيات” من خطيب الجمعة، وظنّ أنّ لون الأعمال بنّي، فحرفي الألف واللام غير منطوقين، والمسكين ظنّها “الأعمال بنيّات” حتى قرأها في أحد واجبات الحديث صف الثاني متوسط!. قد تقودني الثقة إلى المقامرة على أنه، ولحد الآن، كلما سمع كلمة “أعمال” يتشكل اللون البني في مخيلته. تمامًا كما أنني أفكر في الهلال ثم سحبات أبو يعقوب، كلما شاهدت كرة.

رغم أنّ والدي قادمُ من قريةٍ فادحة الجنوب، إلاّ أنه جاءَ هلاليًا بالفطرة فلا أبواه نصّرَواه أو أهلواه، ولا تأثر بمجتمع، حيث الأهلي والنصر يسيطران على غريزة التشجيع لدى أفراده، ثم يأتي الاتفاق الذي امتلك أسهمًا أفضل من الهلال في الجنوب حينذاك. لا أعرف لماذا ارتبط الهلال، بدًا عن بقية الأندية، بالسُلطة، الأمر الذي جعل تقبله يختلف عن تقبل الفرق الأخرى التي بالتأكيد ستمثل الشعب بعمّاله وكادحيه، رغم أن النصر والأهلي أندية مُدارة من قبل شخصيات تنتمي، بشكلٍ أو بآخر، للسُلطة أيضًا. أنا لا أعرف السبب، ولكنه حتمًا سيكون سببًا من تلك التي تقوم بالتأثير الجمعي، كما حمل هؤلاء ذاكرة جمعية أيضًا، وحقيقة أن يصلهم سبب يقنعهم بأن الهلال يمثل السلطة، أمر كفيل بأن يجعل من عملية الإعجاب بهِ رضوخًا في مجتمعٍ ثائرٍ لم تكن جراحه قد برأت بعد.

رغم البعد والحياة القرويّة، هم يملكون ثقافة كرويّة هائلة، فلا زلتُ أذكر حجرة أحد أقربائي، الذي يشاهد الآن بملل بلنتيات سنوات عقده السادس، أتذكر شكلها جيدًا، فلو دخلتها الآن لقلت أنها حجرة قروي من إحدى الدول اللاتينية ربما. أذكر شكل الكؤوس –رغم أنها كؤوس بلاستيكية خفيفة مطلية بلون ذهبي يلمع بتواضع طاقية زري- والميداليات على جدران بدون دهان، ورفوف خشبية لا تزال تحكي عمر أشجارها بتلك الحلقات الظاهرة على سطوحها، وصور من مجلات للاعبين من دول لم تعبرها رحلات الشتاء والصيف، تلك الدول التي أجزم أن قريبي القروي لم يهتم بمعرفة شيء عن طقوسها عملاتها وأعداد سكانها ومدى اهتمام شعوبها باتجاه القبلة، فما يهمه هو أرقام وأسماء لاعبيها وألوان قمصانهم، وفي وسط الحجرة بوستر كبير لبيليه وإلى جواره صورة ماجد عبدالله وهو يجري رافعًا ذراعه اليمنى، وتتوزع في براويز صغيرة صورهم، هو وأفراد فريق القرية، ربما تعرف تلك الصور يا بدر، التي ظننتُ وأنا أشاهد أمثالها في مراحل مختلفة في الحياة أنها الطريقة الوحيدة المسموحة لالتقاط صورة في ملعب، وهم يترتبون في صفين بسراويلهم القصيرة جدًا وابتساماتهم المفرطة في تعبيراتها، الموجهة للرجل المحظوظ صاحب الكاميرا -فأنا أعتقد أن من يمتلك كاميرا في ذلك الوقت يعد رجلاً محظوظًا وذا حظوةٍ اجتماعيّةٍ مرموقة، إذن فهو يتفضل بالصورة عليهم، ولذلك فإن ابتسامة المتموضع أمام الكاميرا في الصور القديمة تحمل نوعًا من الامتنان إضافة إلى السعادة- يجلس صفّ في الأمام على أطراف أصابع أقدامهم، ويدٌ تتخلل الركبتين وتتكئ على الأرض والثانية على باطن كوع الأولى ما عدا الحارس، فهو يحتضن بها الكرة، صفٌ آخر يقف خلفهم، محملين أذرعتهم أكتافَ مجاوريهم، ينظرون جميعًا إلى الكاميرا بشعورهم الجعدة والطويلة كطول سلسلة أجنة أسلافهم الذين تبعثرت جدائلهم على رقابهم وفي الفضاء حول رؤوسهم وتخللتها أغصان الحبق والريحان لمئات السنوات.
ثم جاء والدي الهلالي من هناك..
وأشهرتُ هلاليتي على يده. أنا أكن لوالدي الكثير من الاحترام لأسباب كثيرة، أحدها تأثيره غير المباشر في قرار تشجيعي للهلال. ثمة أمور لا تستطيع تقريرها وأنتَ صغير، قد تخطئ، ويكون من الصعب التراجع. التشجيع أحدها. والحمدلله إني هلالي :).

أشعر بالأسى على جماهير الأهلي. لدي الكثير من الأصدقاء الأهلاويين، الحقيقة، أن رفيقي في السكن، موسى، أهلاوي حتى النخاع، ولا أعرف سببًا لتشجيعه للأهلي سوى العامل الوراثي، كما حصل معي بالإضافة إلى عاملَي لعبة اللغة وأبو يعقوب. قلت لموسى قبل يومين “أعتقد أنك لو تشجع الهلال ستحل جميع مشاكلك”. الحياة في بلدنا صعبة وقاسية، بدءًا بقساوة طقسها وانتهاءً بقساوة المجتمع، السعادة عنصر غائب في كثير من مراحلنا العمرية، والأهلي لم يحقق أي بطولة خلال سنوات طفولته ومراهقته، أعني موسى، وهذا أمرٌ محزن جدًا، لذلك لن أتوانى أو أتردد في التوقف إذا ما رأيت شخصًا على الرصيف يسأل: “هل تسمح بدقيقة من وقتك لإنقاذ جماهير الأهلي؟” حينها سأقف وأبذل قدر استطاعتي، لأنني أعرف الكثير منهم ويهمني أمرهم جدًا.

محاولة للتفكير بصوت عالٍ..

“الترجمة طريق مختلف، بشكل مثير للانتباه، يمكنني من الاهتمام بالشعر وباللغة التي وجدت نفسي أعيش بداخلها معظم الوقت، أعتقد أنهما يغذيان بعضهما البعض.” -مارلين هاكر

في أحدى جلسات جماعة السرد بأدبي الرياض قمنا بتخصيص جلسة، مع بداية انطلاقة النشاطات الأسبوعية، لقراءة قصص عبرية مترجمة، كان ذلك في شهر يونيو من عام 2005 -وأنا أكتبُ التاريخ أدهشتني حقيقة أن خمسة أعوامٍ مضت هكذا (وفرقع بإصبعيه الوسطى والإبهام)- حيث قمت بترجمة بضع نصوص قصصيّة عبرية إلى العربية. كانت المسألة تدريبًا جيّدًا على الترجمة الأدبية. ولا أخفي أنني وقعت عدّة مرات، خلال عملية الترجمة، في حيرة، وخصوصًا عندما أقف على مسألة تتعلق بترجمة جزئية من ثقافة اللغة العبرية إلى ثقافة اللغة العربية، ومصطلح ثقافة اللغة يُعنى بثقافة أهل اللغة خلال حقبة كتابة النّص ويغطي ذلك زمن أحداث النّص نفسه، وقمتُ كما يقوم أيّ مترجم بالمساومة والصلح بين الثقافتين، ذلك الصُلح الذي لا يخلو من الخيانة، الخيانة التي يقوم بها أي مُترجم. وعلى الرغم من أن الخيانة فعل سلبي صادم، إلا أنه مع الترجمة فعلٌ متلازم لأي عملية نقل، ولولا الخيانة لما تمكّن أحمد النجفي وأحمد رامي من إظهار رباعيات الخيّام بذلك الشكل الإبداعي الباذخ، لغةً وفكرةً وبناءً. عمومًا، منذ تجربتي تلك إلى تجربتي مع الإنگليزية الآن، انظم هاجسٌ جديدٌ إلى القائمة التي تنتابني حالَ الكتابة السردية، هاجس قد يشاركني فيه أيّ سارد مهتمّ بعلوم اللغة، وهو قلق الترجمة، فيغلبني أحيانًا وأغلبه أحيانًا أخرى..

أكمل قراءة المقال في مدوّنة أشرف إحسان فقيه

إهداء إلى عقيل

مبخوت تساهيل جنيور:
انتحر، وهو في العشرين من عمره.
بعد أن عانت أمه “جلبة” هشاشة العظام لسنوات ولم تستطع الحراك إلى أن ماتت جوعًا، ومات “مجربي تساهيل” محمومًا، وامتلأت طُرق الأودية بالعسكر والدبابات، وحلّ دوي الطائرات والقنابل وفرقعات الرصاص محلّ الهدوء على الحدود، لم يجد مبخوت أمامه سببًا للبقاء، فلا الهرب سيفيده، ولا الجوع سيتجنبه، ولا أحد سيشتاق إليه، لذلك اختار الموت، ونفذه بطريقة مستهلكةٍ جدًا لا تحتاج إلى الكثير من التفصيل. هكذا مات:
وقف لخمس دقائق مختبئًا وراء جرفٍ خلَّفه السيل على طريق الوادي مابين قرية “الخضراء” ومحافظة “صامطة” بأقصى الجنوب الغربي السعوديّ، ثم جرى مواجهًا شاحنة وقود تنحدر من منعطف بداية الوادي، ولولا أن مسجلة المركبة معطوبة وقدم السائق لم تكن متكئة على دوّاسة الحركة، لما سمع السائق طقطقة عظام يتهشم تحت عجلات شاحنته، ولظنّ أنه دهس حجرًا أو غصن شجرة أراك جرفها السيل. وكما أتقن وامتهن التملص من الأنظار طوال حياته، نجح مبخوت ذلك المساء، بلمح بصر، في التملّص من حياته.

نشأته:
وُلد مبخوت في إقليم أخضر تحيط به جداول الريّ من كلّ جانب. بالتحديد، في قرية ريفية تدعى الرافعي، على الضفة الجنوبية من وادي “مور” تابعة لمحافظة الحديدة اليمنيّة. هناك، خلف حقلٍ صغير اتكأت أمه على شجرة مانجو طويلة، وأخذت تزحره بألم، ومجربي صاحب الحقل يسحبه بحرص، حتى خرجَ مغطىً بالغَدَر. قطع حبله السرّي، وغمسه بشكلٍ سريع في إناءٍ كبير مليء بالماء، ثم رفعه إلى الأعلى باتجاه الشمس. نظر الأربعيني مجربي إلى المولود الجديد مبتسمًا، ثم وضعه جوار والدته، ومرر يده على رقبتها: سلامتك يا جلبة. أرضعيه، وارتاحي لك شهر.

قضى مبخوت السنوات الأُول من حياتهِ في الحقل، ينام تحت ظلّ “السهوة” مع والدته، وفي النهار عندما تخرج هي للعمل مع زوجة مجربي، يقتل الوقت بالاستكشاف جريًا تحت ظلال أشجار المزارع القريبة أو اللعب مع مجربي الذي وجد من مبخوت ونزقه منفضةً يشتت بها ملل وحدته وألم الفقد.

خلال المغربيات التي يقوم فيها مجربي بجولات تفقّد داخل الحقل وحول حجرات البيت الثلاث، كان يلاحظ أنّ هنالك من يتبعه بخفة وحرص، فيواصل السير متظاهرًا الغفلة، ثم يلتفتُ مفاجئًا مبخوت، يقفز الأخير خلف شجرة، يضحك مجربي ويشعلُ سيجارة، ويقول بالدخان الخارج من صدره: لم أخطئ عندما سميّتك مبخوت تساهيل. في حالاتٍ كهذه فقط تضيع نظرته في المسافة ما بينه وبين التراب، ويتذكرُ أشياء كثيرة بحنين.

مبخوت تساهيل الأكبر:
هو الأخ التوأم لمجربي، مات وهو يهرّب الدقيق من الأراضي السعودية قبل ثلاثة أيّام من ولادة مبخوت جنيور. نشأ الأخوان تساهيل قريبين من بعضهما كما هي عادة التوائم، عانيا في طفولتهما الفقر، وفي شبابهما استطاعا أن يوفرا لقمة عيشهما بصعوبة عن طريق تشكيلهما عصابةَ تهريب، فبذكاء مجربي وخططه المحكمة، وبخفة مبخوت وسرعة بديهته، تمكن الأخوان، بتفرّد، من التحوّل إلى شبح يتناقل أخباره سلاح الحدود السعودي دون أن يتمكنوا يومًا من الإمساك بهما.

لقد تنبأ مبخوت بموته قبلها أكثر من مرة، حيث يلتفت إلى مجربي، وهم يسلكون طرق الأودية الترابية التي يحفظون تفاصيلها كحفظهم لأسمائهم، ويقول: “نموت هاربين، خير من أن نموت جياعًا.” الأمر الذي أقلق مجربي وصار شغله الشاغل، خصوصًا عندما يخرج مبخوت وحيدًا لقضاء التزاماته الشخصية خارج القرية، لذلك كان ينتظره على مدخل الحقل، وعندما يعود يهمس مجربي وهو يمرر يده على رقبة أخيه: اشتقت لك يا شقي.

ذات ليلة تنبئ بعاصفة رعدية، كان مبخوت يقود “الشاص” بسرعةِ الهرب كما اعتاد، قاطعًا وادي “تعشر”، ومجربي فوق أكياس الدقيق في حوض السيارة يعيد ربطها بعد أن سقط أحدها على الطريق، من خلفِ أثلة اعترض طريقهما حمارٌ أبيض يجري باتجاه السيارة، حاول مبخوت تفاديه، ارتقى زبيرًا بوضعٍ مائل، قفز مجربي ناجيًا بحياته، وعصرت السيارة وهي تنقلبُ بثقلها روحَ مبخوت إلى خارج جسده.

مبخوت تساهيل جنيور مرةً أخرى:
علمه مجربي الطُرق كلها إلى ما قبل الحدود، فحفظها بسرعة كمن سبق وأن رآها في منام. ثم درّبه على سرعة الاختباء، حتى أمسى يقفز إلى داخل الأحراش عندما يرى ضوء سيارةٍ يتهادى على الزُبر من بعيد، يتفقد الطريق، يرسل أذنيه في الخلاء، تستكشفان المدى، وبعد أن يغيب الضوء يقف ويواصل السير بحذر.

حين تأكد مجربي من جاهزية مبخوت، تواصل مع صديقه وزبونه الأفضل في السعودية نايف، وبدوره عبر عن أسفه لفقدان أخيه، وكرر رجاءه بأن يعود للعمل. أخبره مجربي بأنه لا يملك سيارة، بعد أن تمت مصادرة الشاص، وهو لا يجيد القياد تحت تلك الظروف، لذلك لن يكون وصول الحملات بذات السرعة، ولكنه أكّد بأنه لا يساوم على أمان وصولها ولا على صلاحيتها، ثم طلب منه تجهيز الدقيق.

وفي اليوم التالي، ذهبا إلى سوق القات، وهناك عبأ مجربي برادعه بثلاثين قُرْفٍ من القات ربطها داخل ملاءات مبلولة، وعلقها على ظهره وظهر مبخوت، ثم سار أمامه حتى اخترق الحدود السعودية باتجاه طُرقٍ يجيدها هو، ويتعلمها مبخوت. كان يتركه للحظات وحيدًا ويراقب تصرفاته، وكان مبخوت يفاجئه بالحنكة وسرعة البديهة، حيث يسير بحرص، ويتوقف للحظات، يستمع وينظر إلى المدى، ثم يواصل. في ذلك اليوم بدأ مبخوت يعتادُ على يدٍ تُمرر فوق رقبته، وصوت يهمس: أشتقت لك يا شقي.

وصلا إلى صامطة، ودخلا السوق المُرتجلة، وهو حوش محشور بين بيوتٍ على طرفِ الوادي، يجتمع فيه باعة القات الصغار الذين لم توفر لهم الحظوظ ولا إمكانياتهم التسويقية من تكوين سمعةٍ جيّدة، ويبيعون بضاعتهم بأرخص الأسعار، سوق رخيصة إلى درجة أطلق عليه زبائنها فيما بعد: سوق الريالين. احتفل باعة القات بمجربي، وهناك التقى بنايف الذي يدرّس الإنجليزي في الصباح ويبيع القات مساءً.

– هذا حمارك؟
قال ذلك المدرّس، بعد أن احتضن مجربي وتبادلا البنوط العريضة التي طرأت على حياتيهما منذ آخر لقاء.

– هذا مبخوت تساهيل.
– آها! إذن هذا مبخوت تساهيل جونيور.

لم يعلم مجربي أن جونيور في اللغة الإنجليزية تعني الأصغر، ولم يضطر أحدهما إلى توضيح اللقب أو التكفل بمشروع نشره، وبدون ترتيبٍ لذلك، مُضغت تلك الكلمة الإنجليزية مع أوراق القات، وتم تداولها على ألسنة الباعة، وسُجلت في ذاكرة المكان بعد التعريب والتلهيج: جنيور، بفتح الجيم. وبعدها، ولسنوات، أصبح مجربي يُحمّل القات على ظهر مبخوت ويطلقه إلى القدر، وينتظره فجر اليوم الثاني على الحدود، وتصاعدت أسطورة مبخوت تساهيل جنيور بداخل مجالس القرى المحيطة بصامطة مع أدخنة الشيشة، الحمار المعجزة الذي يُهرّب القات وحيدًا، يختبئ ويجري ويتملّص، من اليمن إلى السعودية، ثم يعود محملاً بالدقيق.

ElaphArtical2010

رابط المقال المنشور في صحيفة إيلاف الإلكترونية، بتاريخ 30 أبريل 2010

“يرغب وزير التجارة والصناعة السعودي بالاجتماع والحديث مع الطلاب السعوديين المبتعثين في شيكاغو ويدعوهم للمشاركة مع اللجنة التنظيمية للمنتدى.” هذا ما قاله “موسى” صديقي وشريكي في السّكن، وهو يسألني إذا ما كنت أرغب بالذهاب معه والتطوّع بمساعدة منظميّ “منتدى فرص العمل السعودي الأميركي”، أجبته بالإيجاب، وكنتُ أفكر: هل أحضر كطالب، أم صحافيّ؟ الحقّ، أنني بمجرد سماعي لاسم وزير التجارة والصناعة عبدالله زينل، فكرتُ باقتناص الفرصة، والحديث معه في حوارٍ سريع على هامش الفعاليات رغم أنني أعرف عن حرصه الدائم على ترك مسافة طويلة بينه والصحافة، لأسباب نجهلها ولا يرغب سيادة الوزير بالتصريح بها. حزمتُ دفتري وقلمي والكاميرا في حقيبة الظهر، ولبست ابتسامةَ طالبٍ ممتن، وفي القطار كتبتُ أسئلتي وأنا متجهٌ إلى فندق شيراتون حيث تقام فعاليات المنتدى.

في اليوم الأول، الأربعاء 28 أبريل 2010، قابلت سكرتيرة وزير التجارة وأخبرتها عن رغبتي في الحصول على عشر دقائق مع الوزير لعمل حوار سريع حول المنتدى وقضايا أخرى متعلقة بعمل الوزارة. وعدتني بالرد عليّ هاتفيًا عندما يجد الوزير فرصة. فعقدتُ أملي حول ذلك الوعد، ثم اتجهت إلى القاعة حيث يجتمع الحفل.

خلال انتظار وجبة الغداء توزع الحضور على الطاولات، وعلى المنصة وقف الوزير عبد الله زينل ملقيًا كلمته الأولى إلى جموع الحاضرين. تحدث الوزير عن امتنانه وشكره للمشاركين من تجار ومسؤولين ومنظمين من الدولتين. “العلاقة بين السعوديّة وأميركا علاقة استراتيجيّة، صلبة، وسوف تستمر في التطور خلال السنوات القادمة. أنا أثق أنّ شراكتنا سوف تنجح في تجاوز الكثير من التحديات. هذه الشراكة المبنية على القيم والاحترام المشتركان والالتزام بالعمل جنبًا إلى جنب.” قال ذلك زينل بالإنجليزية وهو يقف ببدلته الرمادية موزعًا نظراته على الحضور، كمتحدثٍ محترف. “تركيزنا في هذا المنتدى، من الجانب السعودي، هو بناء ثقافة وفكر رأس مالي. إن هذا الجهد التعاوني بحاجة إلى أن يتحول إلى تعاون مؤسساتي، خصوصاً الآن، حيث يتعافى الاقتصاد العالمي، كما سمعنا من وزير ماليتنا اليوم.” ويواصل قوله ” تتوقّع السعودية بنهاية عام 2010 أن تستقبل 23% من إجمالي الصادرات الأمريكيّة للدول العربية، والذي قد تصل قيمته إلى 75 بليون دولار، وذلك يدل على أنّ السعودية هي السوق الأول في المنطقة، ويحتمل أن يصل رقم الصادرات الأمريكية إلى الضعف مع عام 2015، الأمر الذي يساعد على خلق مليوني وظيفة للشعب الأمريكي.”

“إن القطاع الخاص السعودي، الذي يمثله اليوم 250 رجل وامرأة أعمال، حضروا إلى هنا متحدين السحب والرماد البركاني في سماء العالم -وأنا فخور أنهم فعلوا ذلك- هذا القطاع سوف تتخطى مساهمته القطاع الحكومي والقطاع النفطي في الاقتصاد الكلي للسعودية.”

ثم واصل الوزير متحدثًا عن خطة السعودية لتخفيض اعتمادها على عوائد تصدير النفط، حيث أن ارتفاع الطلب على الطاقة في المملكة العربية السعودية قد يقلل إلى حد كبير من قدرتها على تصدير النفط إلى باقي دول العالم على مدار العقدين المقبلين كما صرح بذلك، قبل أيام، خالد الفالح، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية. وقد قال الوزير في هذا الخصوص: “لتعجيل التنويع، وتخفيض نسبة الاعتماد على النفط، فإن المملكة العربية السعودية تعمل على تحسين نسبة المحفزات الربحية. فإن تسلّق سلّم القيمة سيكون الموجِّه الرئيسي لنا، لِهذا، بالرغم من أنَّ قطاعنا البتروكيمياوي وصل إلى الحقيبة العالمية، إلا أننا نستهدف الصناعات التي ستطوّر سلسلة البتروكيمياويات، مثل هندسة البلاستيك ومنتجات أخرى عالية القيمة. باختصار، السعوديّة ستتحولّ من كونها مجرد محطة وقود للعالم، إلى مختبر متطوّر للإبداع والبراعة والمعرفة.”

تحدث الوزير عن العمل الجدي الذي يظهر على الواقع الآن لفتح فرص استثمار كبيرة، والتي ستضاعف عوائدها المادية خلال العقد القادم، وأن لدى السعودية الإمكانيات والقدرة الاستيعابية لتحقيق ذلك. ثم أشار إلى أهمية تحويل سمة العمل الاستثماري والخط الإنتاجي إلى ما يخدم الإنسانية ويخفض نسبة التلوث البيئي والاحتباس الحراري. ثم انتقل إلى الحديث حول التعليم، وذكر أن أهم دور تقوم به الحكومة السعودية هو التركيز على الإنسان أولاً، حيث أنها تقوم ببناء جيل جديد من الشباب والشابات ذوي معرفة عالية، من خلال برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث. وأن السعودية تصرف ربع ميزانيتها على قطاع التعليم، وقال أنه “في نهاية عام 2006 كان هنالك 8 جامعات حكومية، وفي نهاية عام 2009 قفز ذلك الرقم إلى 25 جامعة. وعدد الطلاب السعوديين الذين يدرسون في الخارج زاد إلى سبعة أضعاف، وسيكون منهم 29 ألف طالب وطالبة سعوديّة في الولايات المتحدة فقط مع نهاية عام 2010″ ثم تطرق الوزير إلى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST) وعن الدور الريادي الذي ستسعى له من خلال توفير بيئة خصبة للبحث العلمي والتطوير المعرفي، وعن نظرة الملك عبد الله في أن تكون (KAUST) ضمن قائمة أفضل الجامعات العالمية، وأن تصبح بيتًا من المعرفة ومصدرًا للتنوير.” ثم ختم زينل كلمته باقتباس للرئيس الأمريكي السادس عشر، أبرهام لينكون: “أَنا أشدّ المؤمنين بالناس. يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة أي أزمة وطنية إذا ما قيلت لهم الحقيقة. النقطة العظيمة هنا، هي أن يتم إعطاؤهم الوقائع الحقيقية.”

سعدتُ كثيرًا بسماع ذلك، فتبني سيادة الوزير لهذا الاقتباس جعلني أطمئن لحقيقة استعداده إلى مواجهة الصحافة والناس والإجابة على أسئلتهم، وتبادل الحقائق معهم.

في اليوم الثاني من فعاليات المنتدى، تلقيت اتصالاً من سكرتيرة الوزير، حيث أمليتُ عليها المحاور التي أنوي التطرق إليها خلال الحوار، ولكنها قالت أنها لا تعدني بإمكانية إجراء الحوار، فجدوله مزدحم. وبعد ظهر ذلك اليوم، كنتُ أجلس مع بقية الطلاب في اجتماعٍ مع الوزير، في إحدى قاعات فندق شيراتون، على هامش الفعاليات. تحدث الوزير عن تجربته كمبتعث سابق، وعن الحظوظ الجيدة التي تنتظر المبتعثين في الحصول على فرص وظيفية قيادية، وعن المستقبل المشرق للبلد، وأكّد على أن الحكومة السعودية تعوّل على المبتعثين كثيرًا عند إنهاء دراستهم. وقال أنه يجب الإيمان بأن التكنولوجيا لا تقود دفة الاقتصاد بل تستخدم للوصل إلى الأهداف الاقتصادية.

كما صرّح بعض الطلاب برغبتهم في اكتساب خبرة بالعمل في شركات أمريكية على الأقل لعامٍ واحد لاكتساب خبرة بالإضافة إلى ما تعلموه، بحجة أن التعليم وحده لا يكفي، وأنهم لابد أن يعيشوا بيئة عمل فهي المدرسة الحقيقية، كي يتمكنوا من تطبيق معرفتهم عند عودتهم إلى بيئات عمل الشركات السعودية مستقبلاً. ولكن المشكلة التي تواجه الطلاب هو أن الشركات الأمريكية مع الأوضاع الاقتصادية المتدنية حاليًا، لا تقوم بصرف رواتب للعاملين من خلال برامج الدورات، الأمر الذي يجعل من بقاء الطالب للعمل هنا بدون دخل أمرًا مستحيلاً، ووعد الوزير الطلاب بأنه سيقوم بالنظر في الموضوع، وربما بدء مناقشات لتوفير فرص عمل تدريبي للطلاب السعوديين في أميركا بمقابل، حتى لو اضطرت السعودية إلى توفير النصف والشركة الأمريكية النصف الآخر راتب المتدرب.

ثمة أسئلةٍ كثيرة تبحث عن إجابة، وأنا متأكد أن هذه الأسئلة والمطالبات يشاركني بها الكثير. للأسف أنه تم تجاهل رغبتي بالسؤال خلال اللقاء، وعند نهايته، سألتُ الوزير إذا ما كان بإمكانه إعطائي عشر دقائق من وقته للإجابة على المحاور التي ذكرتها لسكرتيرته، فأجاب:

أنا لا أجري حوارات مع الصحافة.

ثم جاء صحافي من جريدة سعودية معروفة، وسلم عليه، وطلب منه أن يقول انطباعه عن المهرجان ونجاحه والإنجازات الرائعة فيه وبقية الديباجة الأدبية، فوافق سيادة الوزير، وسألته عن ذلك، فقال:

أنا أعرف هذا الصحافي من زمان.

وبختُ نفسي على عدم تمكني من التعرف على سيادة الوزير من زمان. وبقيت أحمل أسئلتي عن تضخم الأسعار التي وعد بالقضاء عليها منذ تسلمه المنصب في 2008 وأسئلتي حول غياب كبير من معظم التجار عن مساعدة المتضررين في فيضانات جدّة، والنازحين في مخيمات أحد المسارحة إثر الحرب مع الحوثيين، وأسئلتي حول استغلال أغلب التجار للمصائب التي تحلّ بالناس هناك في سبيل مضاعفة تجارتهم، وأسئلتي حول دور التاجر في البرامج التطوعية والتوعية الاجتماعية. وبعد أنهى سيادة الوزير حديثه مع الصحافي الذي يعرفه من زمان، اعتذر عن عدم قدرته للحديث معي، فنثرت الأسئلة في حقيبتي وغادرت.

مجمل الكلام الذي نقلته هنا على لسان الوزير، كان كلامًا متفائلاً، وجميلاً، ويدل على عقلية واعية وإنسان ذو فكر اقتصادي متقدم. ولكن الغريب، أن الوزير رغم هذه القدرة الحوارية العالية، وحضوره الجميل، يرفض الحديث مع الصحافة، في قضايا تهم المواطن، الإنسان الذي يجب أن يعرف الحقيقة، كما قال ذلك في نهاية كلمته خلال اقتباسه مما قاله أبرهام لينكون.

أخيرًا، في القطار وأنا عائدٌ إلى شقتي، أخرجتُ ورقة الأسئلة، وكتبت في نهايتها اقتباسًا للرئيس الأميركي الثالث، توماس جيفرسون:

“إذا ما ترك لي الخيار في تقرير إما أن نحظى بحكومةٍ بدون صحافة، أو بصحافةٍ بدون حكومة، فلن أتردد للحظة في تفضيل الأخيرة.”

في رسالةٍ إلى صديق، كتبتُ بشكلٍ مختصرٍ عن اللغة والتنقيط (كترجمة للكلمة الإنجليزية Punctuation) أو الترقيم -كما يقول بها البعض- وأهميتها في النصوص الإبداعية بالنسبة للقارئ المهتمّ بها، المعتمد عليها لترتيب منطقيّة ما يقرأ، لن أقول القارئ المحترف، فثمة قرّاء نهمين لا يشكل التنقيط والنحو لديهم فارقًا كبيرًا، وباختصار، حديثي موجهٌ إلى الكاتب الذي يراعي تأثير هذه الأدوات على ذائقة القارئ المهتم بدلالة كلّ كلمة والعارف بوظائف كلّ علامة أو رمز داخل النّص، وعندما أقول “النص” فأنا أعني النّص الإبداعي المقروء. وجدتُ، بعد أن أنهيتُ الرسالة، أن هذه المعلومات –البديهية لدى البعض- تستحقّ النشر، ثمّ شدّني تعقيب على أحد النصوص يقول كاتبه بأن محاكمة اللغة والتنسيق في النصوص الإبداعية محاكمة غبية! وأن الفكرة هي الأهم. ها أنذا أضيف على الرسالة، وأنشرها لمن يرغب الفائدة.

اللغة في السّرد:

الإنسان كائن لغوي أولاً وأخيرًا. والعالم تحوّل إلى صحن مليء باللغة. حيواتنا حدث طويل نمارس فيه الحركة والشهيق والزفير واللغة. أنا لا أقلل من شأن الفكرة، بالعكس، أنا أرجح كفّة الفِكرة أكثر من اللغة، ولهذا قرأت كل ما وقعت يدي عليه من أعمال “الصادق النيهوم” الذي تحدّث عن هذين المكملين لبعضهما، اللغة والفكر، كثيرًا، ورغم أنه يقول أن اللغة قالب الفِكر، لكنه أبدًا لم يلغِ أهميتها ووجوب فهمها وتطويرها كي تجاري فِكر متحدثي اللغة. لولا إلحاح الفكرة لما ابتكر الإنسان اللغة، ولولا اللغة لما أوصلنا أفكارنا للآخر ولحيينا نشهق ونزفر ونفكر ونفكر، ثم نفكر أكثر، ثم نموت. النيهوم نفسه اهتمّ بلغته بقدر اهتمامه بفكرته، وبذلك القالب السردي الجميل استطاع أن يقود أفكاره للقارئ بكل عذوبة. واكتشفتُ أنني قرأت أعماله، وصفّقت لمقالاته، وأعجبت بأفكاره، أولاً وأخيرًا، لأنه عرف كيف يقدمها لي في طبقٍ لغويّ مشوّق جميل، متقن الصنع.

بعد عامين من البحلقة والتطلع باتجاه عمودٍ رخامي من زوايا مختلفة، نحت مايكل أنجلو تمثال ديفيد. لم يستخدم إزميلاً واحداً ولم يضرب الرخام بارتجالية، استخدم أزاميلاً متعددة، وكلّ ضربة عنت أمرًا وأوصلت جزءًا محددًا من الفكرة، وصنعت فرقًا مكّن العمل بأن يظهر بذلك الشكل البشري المذهل. وعلى شارعٍ آخر من نفس المدينة، وبعد سبع سنواتٍ -وقيل أكثر- من العمل على اللوحة، منها كما يشاع أربعُ سنواتٍ على الابتسامة فقط، أنهى ليوناردو دافنشي الموناليزا، وترك العالم لخمسمائة عام يتساءل: كم ريشة استخدم دافنشي في رسم هذه المرأة؟
هذا هو الإخلاص في العمل الإبداعي، رغم أنه فنّ مختلف ويتطلب وقتًا وجهدًا أكثر من كتابة نص، ولكن نحن نعرف جيدًا أنه كان بإمكان مايكل نحتَ رجل عريان في أسبوع، وهو ذات الوقت الذي قد يتمكن فيه دافنشي من رسم سيدة مربربة جالسة كالأهبل. ولكنهم قضوا الوقت يفكرون بالعمل، ثم قضوا وقتًا يتصورون العمل، يعملون، يختارون الأدوات، ويصححون ثم يتقوفون ويقولون للناس: شاهدوا هذا العمل الفني، للتوّ أنهيناه.

أنا أحبّ القراءة، وأحبّ الكتابة، وأفكر بقراءة ما لم يُقرأ وبكتابة ما لم يكتب في زمنٍ كُتب فيه كلّ شيء وقُرئ. وأحترم من يحترم هذا الفن من ممارسيه، واحترامه برأيي يأتي بإثبات الفنان أنه حريص على كلّ مقومات النص الإبداعي، بدءًا بالفكرة، مرورًا باللغة، وانتهاءً بعلامات الترقيم داخل النّص.

يالها من خسارة فادحة، صديقي الكاتب، أن تقدم لنا فكرتك العظيمة في لغة تخذلها وتأكل نصف حقيقتها، أو تشوّهها وتدخل عليها معنىً يقطع الحبل الأخير في أمل وصولها كما أردت. وأنا كقارئ، كيف أستطيع أن أحاكم الفكرة بحد ذاتها؟ كيف أستطيع أن أفصل الفكرة عن اللغة إذا كانت الفكرة في السرد لا يمكن أن تأتي إلاّ في لغة!

الحياة مليئة بالأفكار يا أصدقائي، ولكن السارد الناجح هو الذي يوصلها في قالب جيد يستطيع القارئ دون عناء أن يفهمه. بالنسبة لي، لم تكن الفكرة يومًا هاجسًا بقدر ما كانت الطريقة التي أستخدمها في التعامل مع الفكرة. الأفكار داجنة، قال ذلك منصور العتيق مجيبًا على سؤال بعد أمسية أقيمت له في جمعية الثقافة والفنون بالرياض في شهر أبريل من عام 2004 أي قبل ستّ سنواتٍ تمامًا، لا زلت أتصور شكله وهو يجلس على يمين الطاولة ويقولها بكلّ ثقة – وبالمناسبة، بذلك اليوم التقيت بشخصٍ مثير للفضول جوار مدخل الجمعية، كان من الأشخاص الذين تشعر عند لقائهم أنك بحاجة إلى التعرف عليهم، تبادلنا نظرات التيه، تساءلنا عن المكان، مشينا سويًا، اخترقنا تلك الحجرات والممرات الصغيرة، ونجحنا بالوصول إلى الخيمة، حيث الجميع ينتظر بدء الأمسية، وعندما انتهت، وقف ذلك الشخص وقبل أن يلقي بسؤاله عرف بنفسه: عبد الواحد الأنصاري، ابتسمت، قلتُ بصوتٍ سمعتهُ وحيدًا في رأسي: طبعًا! هذا الرجل لا يصلح أن يكون إلاّ عبد الواحد الأنصاري- أعود وأقول ما قاله منصور، الأفكار داجنة، تتربى في كل مكان. تجدها تحت كوب الشاي، في سقف الغرفة، على خطوط المشاة، أو أنت تهدهد انتظار الأصدقاء بليّ شيشة في قهوة مملة على طريق القصيم. يمكن للكاتب المتمكن، أن يصنع من اللاشيء شيئًا، من أية فكرة نصًا، وعندما أقول أية فكرة فأنا أعني ذلك تمامًا. يمكن أن تكتب نصًا عن الزر الثالث في قميصك ذو الخمسة أزرار، وتفاجئ القارئ بنص مدهش، تفلسف الأحداث، وتمسرح بيئة ومجتمع الأزرار، تعطي الزرّ الثالث دورًا مهمًا في الحياة، تجعله بطل النص، وتجعل القارئ يقتنع أنه لن ينام الليلة حتى يعرف ماذا جرى للزر الثالث في قميصك ذو الخمسة أزرار!.

أعرفُ أنّ هذا القسم مطبخٌ لتعاون الكتّاب ومحاكمة النصوص ونقدها، وتشذيب زوائدها والاستفادة من آراء الفنانين الآخرين، لذلك من الطبيعي أن نجدَ أعمالاً مبتدئة وأعمالاً متوسطة وأعمال متقدمة تحتاج إلى تعديل القيافة، وأعمال متقدمة جدًا جاهزة لأن تكون في كتاب. لكنه ليس من الطبيعي أبدًا، أن تكون محاولات نقد النصوص من خلال تركيبات جملها، اللغة بإملائها ونحوها وصرفها، الفواصل، وطريقة عرض النّص، محاولات متهمة بكونها محاكمات غبية. أخيرًا، دعونا نتوقف قليلاً، وننظر إلى نصوص عبد الواحد الأنصاري، لأنه فنان يعمل على ذاته بإخلاص، ويعامل نصوصه بإخلاص، لا يفشل أبدًا في خلق الدهشة حين قراءته. فلغته السليمة وتنسيقه الصحيح ينجحان دائمًا في صنع قالبٍ مدهش لأفكاره.

هي فقط دعوة، دعوة للمحاولة، أن نعتني باللغة كما نعتني بالفكرة. لا أتوقع أن أرى هنا نصًا كتمثال ديفيد، ولا الموناليزا، ولكني مؤمن أنه في أماكن كهذه سيظهر كتّاب يتعاملون مع الفن بإخلاص كما فعل مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي.

التنقيط في السّرد:

في بعض اللغات، الإنگليزية مثلاً، نجد أن التنقيط ضرورة، غيابها قد يفقد النّص منطقيّته أو حتى معناه بشكلٍ كامل. مثلاً:

Women, without her man, is nothing
Women: without her, man is nothing

الكلمات ذاتها، ولكن الجملة الأولى تفيد بأن: “المرأة، بدون رجلها، هي لا شيء.” والثانية: “المرأة: بدونها، لا شيء هو الرجل.” هذا يوضح أهميّة هذه الرموز -الموزعة بشكلٍ مدروس- بالنسبة للغة الإنگليزية وغيرها من اللغات.
تتميّز اللغة العربية، كما هو حال اللغة العبرية وبقيّة اللغات السامية، باحتوائها على أغلب وظائف هذه الأدوات من خلال تفريقها النحوي الصّوتي أثناء قول الجملة، وقد يشمل مصطلح “القول” القراءةَ أيضًا لأننا نقول ما نقرأهُ للمخيّلة كي تصنع وتصوّر الفكرة. فقد قام الإعراب والتشكيل باختصار الكثير من الوقت في تسهيل فهم منطقيّة اللغة المقروءة. تمّ ابتكار الحركات، كي تسهّل العملية القرائية، وتحدّ من تعدد معاني المقروء، وأيضًا يتمكّن دارس العربية من تجنّب اللّحن والحديث كالعربي في سلامةِ نطقه. وأغلبنا يعرف مثال: أكلتْ البنتُ الدجاجةَ، وأكلتْ البنتَ الدجاجةُ. في الأولى كانت الدجاجة مأكولةً، وتحوّلت إلى آكلةٍ في الثانية، رغم التناسخ الإملائي بين الجملتين. خارقةٌ هي قدرةُ تلك الرموز الصغيرة التي بإمكانها قلب دلالة جملتها رأسًا على عقب.

لكن ماذا عن متحدثيّ اللغات التي لا تملك هذه المطاطية والقدرة على التحوّل مع بقاء الشكل الإملائي على ما هو؟
التنقيط. الحلّ الأمثل، فلكي يُفهم منطق الجملة المقروءة كان لزامًا عليهم أن يقسموا مقاطع الجملة برموز تعطي القراءة منطقها. الجميل في الأمر، أنها بالإضافة إلى كونها تحدد الفاعل والمفعول به، الشرط وجوابه، والمواقع الإعرابية لكل كلمة، فهي أيضًا توضح حالة الجملة، علاقتها بالجملة التي تسبقها أو تتبعها، ودرجة الصوت عند قولها. هذه هي عملية “التنقيط”.
السارد يجري في نصوصه مغمض العينين؛ هو المبدع المُمَهِّد لطُرق نصّه. القارئ جديدٌ على تلك الشوارع، يحتاج إلى محطات وقوف، ينظر خلالها إلى الخارطة، ليفهم اتجاه الطريق. النصوص التي يتم فيها مراعاة التنقيط، تشبه الطريق من جدة إلى مكة، مليء بالمحطات وكوشكات القهوة، وعلامات فارقة “Land Marks”. النصوص غير المنقطة، تشبه الثمانية كيلو مترات ما بين صامطة وبحر الموّسّم، مساحةٌ فارغة، لا محطات ولا قهوة، وفكرة مثل: هل أنا على الطريق الصحيح؟ لا تفارق رأسك، إذا ما كنت جديدًا على تلك الطُرق.

لن أتدخل في مسألة متى تضع الفاصلة ومتى تضع النقطة في النصوص الإبداعية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتلاعبات فنية يقوم بها الكاتب ليتحكم بسرعة القراءة ونفس القارئ كي يصنع جملة موسيقية في نصه. لأنني أؤمن أنه في الكتابة الإبداعية يتحكم الكاتب بفواصله ونقاطه، ويتحكم بسرعة وكيفية قراءة القارئ لما يكتبه. أحيانًا يجد الفنان أنه من المهم أن يجعلك كقارئ تتوقف. أن تأخذ نفسًا. أو يجعل من الجملةِ نوتة، لتموسق ترتيبَ الأحداث و تخلق شعورًا مختلفًا، مركزًا، باللغة والفواصل والأرقام ووقفات التقاط الأنفاس، كالحزن والغربة هنا:

1- روما اختفت في قبعات السوّاح
وبراميل النبيذ تجرها البغال، والشوارع تختنق بالحجاج وشرطة المرور وباعة اليانصيب البُلهاء، روما –ملتقى الطرق- اختفت في قبعات السوّاح.

2- «فلا تمت من الوحدة»

تقول روزيتا بعينيها «لا تتيبّس في ركن المقهى مثل دودة عجوز، ولا تدع البابا يصيبك بالذعر من نار جهنم» وأومئ لها، وأدعوها إلى قدحٍ من القهوة. كم أتمنى يا سيدتي لو أنني أعرف اللسان الروحي لكي أفهم ما يقوله البابا.. ولكنني مجردُ دودة عجوز.
وتضوع رائحة القهوة. ويتسلق الدخان زجاج النافذة إلى فوهة التهوية عند السقف، ويسعل أحد الروّاد، ويقول لروزيتا هل هو مفلس؟
أجل.

دعيه وشأنه.
أعني إذا كان مفلسًا حقًا، دعيه وشأنه، إن المدينة مليئةٌ بالسوّاح، وتنهض السيّدة، وتترك لي ابتسامة قديمة فوق المنضدة، وأنطوي في الركن وراء جدارٍ لزج من رائحة أحذية الروّاد، وأقضم أظافري.

3- «فلا تمت من الوحدة»
لا تدع الصدأ يأكلك مثل لغمٍ ضائعٍ في الرمل، اشتر لنفسك عاهرة وعلبة تبغ وكثيرًا من الطعام المعلّب، وامش على رأسك إلى القوارب المقلوبة فوق أحجار الليدو، وهناك، أعني تحت أحد القوارب ستقتل وحدتك، وتنعم بالأكاذيب والقصص القديمة المملة إلى حدّ الموت، وتقول لك السيّدة أنك أحسن بضاعة في السوق.

مقطع من نص “المقهى” للصادق النيهوم، تمامًا كما أخرجه كاتبه.

كما قلت، أنني أؤمن أنه في الكتابة الإبداعية الكاتب يتحكم بطريقة التنقيط، ولكن بشكل مدروس يضيف معنى للنص، وليس فقط لمجرد الشكل. كما ألاحظ في بعض النصوص هنا، فليس من المنطقي استخدام علامة تعجّب في نهاية كل جملة أو براگراف فقط لأن شكلها أفضل من النقطة. البعض يستخدم نقطتين متتاليتين وعلامة تعجب كثيرًا في نصوصهم دون حاجة لذلك، ودون غرض فقط لأن ذاكرة أصابعه على الكيبورد اعتادت على ذلك. ما أعنيه أنه إذا لم تعنِ علامات الترقيم التي تأتي في غير مكانها فكرةً أراد الكاتب إيصالها للقارئ فلا حاجة لها والأفضل فنيًا في رأيي أن تستبدل بالعلامة المتعارف عليها، وفي مثالنا النقطتان المتتاليتان.. تستبدل بالفاصلة، أو النقطة، بحسب وضع الجملة السابقة. أيضاً طريقة التنقيط هكذا:

الفاصلة، والنقطة. والنقطتان: وعلامة التعجب! وعلامة الاستفهام؟ كلها علامات تلتصق بالكلمة التي تسبقها. القوسين (القوس الأول يلتصق بالكلمة التي تليه، والثاني يلتصق بالكلمة التي تسبقه) والشرطتان –اللتان تعنيان أن ما بينهما جملة تفسيرية أو عرضية- قاعدتها نفس قاعدة الأقواس، الشرطة الأولى تلتصق بما بعدها، والثانية بما قبلها، وعندما أقول تلتصق، فأنا أعني أنه لا توجد مسافة بينهما. الفاصلة العربية على الكيبورد هي زر الشفت وحرف النون، البعض يستخدم زر الشفت وحرف الواو، وهذه الفاصلة هي الفاصلة الإنگليزية وتشبه حرف واو صغير جدًا.

أخيرًا، عزيزي الكاتب، بهذه الطريقة تجعل النص يبدو متماسكًا، والقارئ الملمّ، سوف يلاحظ ذلك ويعرف أنه يقرأ لشخص ليس مبدعًا وحسب، بل كاتبًا محترفًا ودارسًا لتقنيات الكتابة. علامات التنقيط كثيرة، لكن الوقت وطبيعة هذا الموضوع لا يسمحان لي بالتفصيل أكثر، من أراد القراءة عن جميع الرموز ووظائفها، فهنالك صفحات كثيرة على الإنترنت، التفصيلات والمدارس التي تحدثت عن هذا العلم بشكلٍ موسع متوفرة في مواقع كثيرة باللغة الإنگليزية، وبالعربية بشكلٍ متواضع لكنه مفيد جدًا. أتمنى لكم كتابة موفقة.

“ليس بلدٌ أحق عليك من بلد، خير البلاد ما حَمَلك.”
“الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربةِ وطن.”
علي بن أبي طالب.

– مع السلامة، سوف أتصل بك وأدعوك إلى العشاء قريبًا!

قالتها بلكنتها اللبنانية التي أرهقتها سنين البعد عن شرق الأرض العربي وأحدثت فيها شرخًا صغيرًا، ثم طلتها لغات العالم بطبقة من هيبة. أما هي، وخلال عشرين دقيقة من الحديث، فلم تبدِ أيّ ندمٍ على أيّة شروخ ولا على سنوات العمر التي قضتها مغتربة، بدءًا بالعيش لبضعة أعوامٍ في الرياض بسبعينيات الحروب الأهليّة التي نهشت لبنان، مرورًا بهونگ كونگ وعقدين من الزمان، وانتهاءً بشيكاگو. رغم طول الترحال، لا زالت تتنفس الحياة وتبتسم كزهرة، وتوزع سعادتها كمزرعة، وتتحرك بخفة ورقة قصب خضراء، وتركب القطار في ظهريةٍ لطيفة، وتجلس إلى جواري، ثم تخبرني أنني أول عربي تتحدث معه منذ أن جاءت إلى المدينة قبل ثلاث سنوات.

نظرتُ إليها وهي تنزل في محطّة “مونرو”، بدت شابةً يافعة، تسير على رصيف المحطّة، وجسمها الرياضي الذي قيّفته مهنتها كمدربة يوگا لا يوحي أبدًا بسنها الذي لا يقل عن سن أمي بل يزيد. مع صرير المعدن القديم التقت صفيحتي باب العربة لتبتلع صورة امرأة لبنانية تسير في زحمة المحطة بشعرها العربي المجعّد، ورموشها الطويلة، بطول موجات عواصف الرمل، وتاريخ جيناتنا العربية التي شكّلتها الصحراء، كانت تسير وتتبعها هالةٌ من الوقار.
وتحرّك القطار..
وأنا أفكر بمدينة..
مدينةٍ تخلق سيناريوهاتٍ كهذه، بدقة وتسلسل أحداث مشوّق، مدينة تُشعرك أنها مصنع شخصياتِ القصص والروايات والمسرحيات الملحمية الرائعة، هنا يتم تصنيعهم وتجميعهم وكتابتهم، ثم يعيشون قليلاً في خيالات القرّاء، وبعد أن ننهي القراءة ونقول يا إلهي ما أروع هذا الكتاب، يعودون إلى شيكاگو!
ونزلتُ في المحطة التالية.

لا شيء يمكن توقعه في شيكاگو. يقولون هنا: “إذا لم يعجبك الطقس، انتظر خمس دقائق وسيتغير.” ربما أن الاحتباس الحراري مؤخرًا جعل الأرض كلها تشترك في هذه المقولة، ولكن لا شيء يمكن توقعه في شيكاگو. مدينةٌ تضمن لسكانها أحقية أن يعيشوا كأطفال، يسيرون وما حولهم يفاجئهم. حتى نتائج فريقي البيسبول “كبز” و”وايت ساكس” لا تجعل من المقامرة عليها أمرًا سهلاً، فهي دائمًا على غير العادة، لا أعتقد بأن ثمة عادة في هذه المدينة.

كثيرة هي تلك الأيّام التي عندما تستيقظ في صباحاتها تفكر: “هنالك أمرٌ مختلف سيحصل اليوم.” تشعر به. ربما كان السبب حلمًا لا تتذكره. في الحقيقة، رغم الفضول والرغبة بمعرفة أسباب وطريقة حدوث ما يحدث، إلاّ أنه عندما يتعلق الأمر بالشعور كفكرة، فلا حاجةَ لنا بمعرفة الدوافع، لأنها في النهاية فكرة، ونحن كائنات مفكرة. الشيء الذي جعلنا نتفوق على الحيوان ليس التفكير بل القدرة على تطبيق الفكرة، والسبب الذي جعل الحيوان يتفوق علينا في فهمه للطبيعة هو ثقته بالفكرة التي يشعر بها، لذلك تختبئ الطيور قبل العاصفة، وتنبح الكلاب قبل الزلزال. نحنُ أيضًا كائنات معقدة، نتنبأ بأشياء قبل حدوثها، نشعر بأمور تحدث في أماكن بعيدة، نعرف أن شخصًا ما في الكون يتحدث عنّا عندما نهرش جلد سيقاننا. نفكر بأشخاص نفتقدهم ثم تهتزّ جوّالاتنا ونشاهد أسماءهم على شاشاتها، ونجيب بكل سذاجة: أعماركم طويلة، للتوّ فكرنا بكم. ثم نسألهم عن حالهم! ولا نتوقف قليلاً عند تلك الفكرة التي خرجت من رؤوسنا كموجة أسرع من موجة اتصالٍ لا سلكي، واهتزّت في رؤوسهم، وحملتهم على الاتصال بنا، لأسباب يختلقونها في لحظتها، أسباب يفهمونها جيّدًا، ويتركون مالا يفهمون دون مساءلة، ويسألون عن أحوالنا!
كان يومًا من تلك الأيام.

– أجد صعوبة في تذكّر اسم الحيّ الذي سكنته أثناء تواجدي في الرياض.

قالت ذلك، وهي تفرقع أصابع ذاكرتها، وتغيب مع صور لا أرها، انتقلت حدقتاها إلى يسار عينيها، وأخذت تستمتع بمشاهدة مدينةٍ لا أتذكرها، فأنا لم أكن قد وُجِدتُ بعد، كنتُ في مستقبل والدي، أجلس على قارعة الطريق، أنتظر قرار نومه تلك الليلة.

– حسنًا، أنا أعرف أحياء الرياض القديمة، لم تكن كثيرة سوف أعددها، ربما أساعدك: الشميسي، العود، الخزان، منفوحة، الملزّ، العريجـ..

– الملزز، يا الله..

قالت يا ألله.. وتنفستْ معها رائحةً قديمة، وغابت.. تشاهد صورًا حميمة، بعيدة، ولا أعرفها.

ماذا يدور في خلدكِ سيدتي؟ كيف هي المدن بداخلك؟ كيف هي لبنان؟ كبيرة ومليئة بالجبال والزيتون وفيروز؟ يا لهذا السلام الذي تصنعه بداخلك المدينة التي تحملينها معك إلى كلّ المدن. أعرف ذلك الشعور، أشعرُ به أنا الصغير الذي يجلس إلى جوارك ويشاهدك تتنفسين الجبل، وتتحدثين فيروز، شكرًا على مشاركتي بعض الزيتون يا سيدتي الكريمة.

كوب شاي، جبنة وبعض الفول والخبز والزيتون، هذا كان عشائي خفيفًا في الليلة التي سبقت ذلك اليوم. ولهذا استيقظتُ خفيفًا كصفحة واحدة، وممتلئًا بالحياة ككتاب، وبي رغبة بالخروج ملحة. وجاء عزيز بعد أن قضى مساء الأمس يعمل على تضييق قميص موسى الواسع، وموسى ليس راضيًا عن المقاس الجديد، نظرتُ إليهما يتجادلان، فجأة تحوّل موسى إلى يحيى أمقاسم وتحوّل القميص إلى بروشورات معرض الكتاب بالرياض 2006، وكان عزيز يقول ليحيى: “هذا التصميم اللي طلبته أنت!” ويحيى يقول:
“استريح!”

واسترحتُ قليلاً جوار كوب ماء وبيدي أول سيجارة.
فتحت الإيميل لم أجد شيئًا جديدًا غير رسالة من الملحقية الثقافية بواشنطن عن وظائف شاغرة في جامعة تبوك. دخلت الفيسبوك، واستفتحتُ باقتباسٍ لرياض الذي لا يزال يمارس دور لقمان الحكيم وينشر حكمةً كل يوم. لقد تحوّل رياض إلى ملمح ثقافي جيّد، أشعر أن الغرض من السيناريو الذي جمعني وعرّفني عليه قبل سبع سنوات، هو توفير رياض كصديق قريب جدًا، وكفكرة جيدة وإيجابية ذات رسالة قيمة وإن اختلفت قوالبها. قراءة ما يكتبه رياض في الفيسبوك يذكرني بما كان يُكتب خلف صفحات تقويم أم القرى، اقتباسات أفلاطونية ومعلومات جيدة ولقمان وابنه الذي كان يستمع كثيرًا. بالنسبة لي كنت أستمتع بقراءة ذلك، وكنت أستعجل الوقت، كي يأتي غدًا وأقطع ورقة تقويم جديدة.

ثم قطعتني هي:

– زرت لبنان ثلاث مرات بعد أن رحلت عنها، وفي كلّ مرة أكتشف أنها تزداد تبرجًا. نحن العرب مأخوذون بغباء الغرب، تركنا تطورهم وتقدمهم واستوردنا السطحيات من ثقافتهم.

ثم تحدثنا عن المدن التي نحملها في صدورنا. تحدثت هي عن الفول والعرقسوس، وتحدثت أنا عن بهارات والدتي والحبق، تحدثت هي عن اليوگا وتحدثتُ أنا عن دراجتي. وعندما عدنا مجددًا للحديث عن الكتب والروايات، قالت أنها لم تقرأ كتباً بالعربية منذ رقمٍ من السنوات لا تحفظه. فتشتُ في حقيبتي التي كنت أضعها بين ركبتيّ، وجدته بداخلها، خفيفًا وقابلاً للكسر، كتبتُ في صفحة الإهداء: “ممتنّ أنا جدًا أن جمعتنا قطارات شيكاگو، بعد أن فرّقتنا بلداننا. خالد الصامطي”

– هذه مجموعة قصصية، نشرتها في 2007 وهي تمثل مرحلة ما قبل شيكاگو. أتمنى أن تكون بداية مناسبة لقراءات عربية أكثر.

قلَّبتْ صفحات الكتاب وهي تشكرني، وتقرأ ما كتبه منصور العتيق على غلاف الكتاب. فكرتُ: الآن أعرف كيف يتصرف الشخص، عندما يُفاجأ بقدرته على قراءة لغته الأم مجددًا.

– كيف أصبحت الحياة في بلدك؟

سألتني بصدق وباهتمام، وكأنها أم تسأل ولدها المنوم إلى جوارها بعد أن تعرضا لحادث سير: “كيف حالك يا ولدي؟” وهي جاهزة للتعاطف مع الإجابة بإخلاص، وستهزّ رأسها متفهمة تمامًا ما يقال، وتأكد بملامحها أنها تعرف بقية الكلام الذي نبدأه. كيف أختصر الجواب! كيف أخبرها أن بلدي أرسلني إلى هنا كي أتعلم وأعود لأعمل، وأنني لم أكن أعلم أنني سأتعلم الحياة إلى درجة لم أعد معها واثقًا من أنني سأتمكن من العودة كي أمارس الموت.
أصدقاء عيسى ابن صادقيّة في رواية “ساق الغراب”* رفضوا ممارسة الموت وهم أحياء، وأتوا واحدًا تلو الآخر يطلبون الإذن من الشيخ عيسى، المغلوب على أمره، أن يسمح لهم بالرحيل عن الحياة، وبغصة، أذن لهم الشيخ بالموت. الإجابة طويلة يا سيدتي، والصوت المتحدث في القطار يقول أننا في محطة “ليك”، والجامعة قريبة، والإجابة طويلة.

– أشتاق إلى بلدي كثيرًا، ولبلدي بداخلي قيمة جديدة وعظيمة لم أحملها من قبل، المشكلة أنني لا أشعر بها إلاّ عندما أكون بعيدًا عنها. جميلة هي بلدي وأنا هنا.

“راح وتراواله” صدح صوت “غريد الشاطئ” من رابط وجدته على الصفحة الرئيسية في الفيسبوك قادني إلى الأغنية على اليوتيوب.جميل ما يمكن أن تصنعه أغنية قديمة وفطيرة بالتمر وكوب قهوة عربية الساعة العاشرة والنصف صباحًا.

بعد ساعتين، وبعد أن أحكمت قفل دراجتي بداخل المحطة، كنت أنظر إلى مقدمة القطار قادم من الشمال ورأس السائق ناتئ خارج النافذة مبتسمًا. ركبت القطار، وأكملت قراءة رواية “نحو الجنوب”** التي كنتُ قد بدأتها اليوم السابق، خفيفة أتت في مئةٍ وعشر صفحات، سهلة وسلسة، تقرأها وتبتسم، لا تستدعي الكثير من التفكير، بل تجعلك تنساب مع قصتها وأحداثها البسيطة ذات العمق التراثي الجميل، تغمض عين الناقد، وتقرأ بعين المتذوّق، وتكتفي بمتعة القصة، ترشفها كبيالة شاي في بيت مستضيفك، كريمة وجيّدة المزاج:

“كان غسلاً أعظم من أيّ غسل، لم أدعك جسدي ولا شعري، وإنما غسلت أمورًا كانت بداخلي لم أصبر عليها، وضعتُ رأسي على إحدى الصخور ونمت بعمق، لم أشعر إلاّ بنباح (مروان) عندما أتى بالغنم من الجبل ليشرب، أخذ ينبح، فهو لا يريد أن يفقدني بعد أن فقد صاحبه.
خرجتُ من الماء وجلستُ على صخرةٍ لينشف جسدي.
سرتُ مع القطيع شارد الذهن، عندما وصلتُ إلى البيت جهّزتُ متاعي لكي أرحل!.”

أنهيت المقطع أعلاه، شعرتُ بجلوسها على المقعد الملتصق بمقعدي. سرعان ما أعلنت احتفالها:

– أنا أيضًا أستطيع قراءة هذه اللغة!.

– … …

– مرحبًا أنا رنا من لبنان.

_________________________________
* ساق الغراب، رواية- يحيى أمقاسم.
** نحو الجنوب، رواية- طاهر الزهراني.

هذا الليل يشعرُ بالوحدة.

ينتظر يدكِ لتمسك بيده، وتسيرُ معه على شاطئ البحيرة. هذا الليل يعطي العابرين ظهره، لا أرى سوى كتفيه تهتزان. هذا الليل يبكي، وأنتِ منشغلةٌ بلوحاتك وألوانك.
ولكنكِ لا تعنيني كثيرًا يا كورين!. أنتِ لست لـ الليل حقيقةً، وأنتِ لا تُهمّين الليل. وأنا. أنا أوجه جلّ الذاكرة والحكي والشوق، لها، أمي.

أمي، تقفين على شاطئ الذاكرة كلّ يومٍ يا أمي، تلوحين لكلّ المراكب القادمة والراحلة، تسألينهم عنيّ، وأنا على الضفة الأخرى أراكِ. ألوّح لكِ، ولا ترين!. أشتاقكِ كما تفعلين، وأشاهدكِ في عيونِ الأمهات مع أطفالهنّ في القطارات وفي قسم الخضروات في البقالات الكبيرة. أراكِ في نومي وفي سقف الحجرة. ألمحكِ تمشين في صالة البيت، تبخرين البيت برائحة الذكريات الحميمة. بذاكرة الصباح، صباح الجمعة، ويوم العيد المجيد. أراك توقدين “الميفة” في بيت خالتي. وتقفين وبيدكِ عود من شجرة لوز تحركين به الفحم المشتعل، كذاكرتي الآن، وكشوقي يتقلب في سماء هذا الليل.. الليل الذي يشعر بالوحدة.

كل الأشياء تذكرني بك. أنتِ الأشياء حولي. أنتِ الكرسي يحتضنني ويرجّح بي كـ”هندول”! أنتِ النافذة وما وراء النافذة، أنتِ القادم من شاشة الكمبيوتر، تتشكلين ككلمات وأتشكلُ كطفلٍ يتلعثم في كلّ الكلام. ثم أتذكركِ. تذاكرين لي دروسي، تدّعينَ متابعتك القرائية بما تسمعين مني، أتذكركِ تصححين لي أخطائي وأنا أتلو سورة البينة، أرتل بأخطائي ليل الواجبات السهلة. كنتِ تمسكين بالمصحف بين يديك، تنظرين إلى السطور، وتقنعيني أنكِ تجيدين القراءة، وعندما وصلتُ إلى الصف السادس ابتدائي، التحقتِ أنتِ بمدرسة محو الأمية!

أسأل الليل أين أنت؟
ولا رد يأتي سوى صوت الانتظار، والقطار.. القطار من بُعدٍ.. يتلو صوت الصافرة.