ابن طرّاقابن طرّاق المؤلف بدر السماري ومحمد السماري

My rating: 4 of 5 stars

لقد أمتعتني الرواية كثيرًا رغم أنني اطلت فترة قراءتها، لم يكن ذلك لصعوبةٍ فيها، بل بسبب المزاج غير المستقر. الرواية مختلفة عمّا قرأته من المطروح محلياً، أعني كأسلوب، قصة، لغة، تفاوت بيئي، وحبكة. تحكي بواقعية وبلا افتعال، فيها من صور الذاكرة الجمعية ما يبعث على الحنين، وفيها من مصطلحات الشارع والحارة والمدرسة ما وُظف بطريقة احترافية وفنية جميلة، والتصاعد الدرامي كان محبوك، أما اللعب على الحرب الباردة بين شخصيات العمل كان مكتوب بسياسة وفهم، كل فعل له ردة فعل تناسبه تمامًا، وقد لا أبالغ عندما أقول أنني لم أشعر بمجانية حدث مهما كان قصره، ربما توقفت وفكرت وتساءلت لوهلة حول ما حصل لصبحي في النهاية، ولكني سرعان ماواجهت ذاتي بسؤال: وما الذي تريده أن يحدث لصبحي غير ما حصل في الرواية!
قلت لبدر السماري بعض هذا الكلام في رسالة، وأنهيته بأنني في عام 2011 ممتن جدًا لثلاثة أشياء: الماجستير، برشلونة وابن طراق..



View all my reviews

المعلومة كانت بمثابة الشعرة والمؤامرة هي البعير الذي رافقه لعشرات الأعوام ثم قُصم ظهره، إذ لم يتمكن العم جابر من النوم عندما أُخبر بأنه لا يوجد عسكري داخل الصراف الآلي كما كان يؤمن منذ أن تم تركيبه على جانب الطريق المسفلت القريب من قريته والذي يصلها والقرى المجاورة بالمدينة.

فكرةُ أن يتوقف الناس أمام الكشك ذي الصحن المعدني المثبت على سقفه، ويحصلون على أوراق نقدية دون وجود شخص يعمل بداخله ويقوم بعملية الاستلام والتسليم وتنظيم الصرف، فكرة مجنونة!. كيف للكشك أن يتعرف على الماثل أمامه ويقوم بالسحب من ماله هو بالذات دونًا عن أموال الآخرين؟ لا بد من وجود شخص، واحد على الأقل، يدير العملية من داخل الكشك، شخص في زيٍّ عسكري كما تخيّله العم جابر محاولاً فهم المسألة. كانت تساؤلات مؤرقة على غير عادة الأسئلة التي اعتاد التفكير بها، لذلك لم يتمكن من النوم الليلة التي فاجأه حسن شيخ القرية بتلك الحقيقة ساخرًا وهما في طريقهما إلى بيتيهما بعد صلاة العشاء:

-        لا يا عم جابر، هذا جهاز يصرف للناس بروحه، مثل دابة ضيوف الوالد، تذكرها؟ هاهاها!

من الطبيعي أن نشعر بأن علمه بالأمر أتى متأخرًا جدًا، وأن نميل إلى الاستغراب من بدائية تفكيره في عصر الشبكات وتقنية المعلومات، وقد يتهمه البعض بمحدودية الأفق. ولكن كونه درس في الكتاتيب بوقتٍ لم تتوصل فيه العلوم لما توصلت إليه الآن، وتعلم من تأمله لمحيطه الصغير ومن أحاديث قديمة مع الرّحل الذين يتوقفون في القرية للتزود بالماء ومواصلة السير، وكونه يعيش في مكانٍ ناءٍ بعيدة عنه الخدمات، وكونه اتكل منذ أكثر من أربعين عامًا على أبنائه في تدبير أموره المالية وشراء حاجيات بيته، ولم يقم بعملية صرافة حديثة قط، ولم يراوده الطريق إلى المدينة عن طريقه اليومي إلى مزرعته سوى للسفر برًا إلى مكة ثلاثة مرات كان آخرها قبل خمسة عشر عامًا، أو مرات معدودة ذهب خلالها إلى المدينة لتجديد بطاقة أو تخليص صكوك ومبايعات لأراضٍ ورثها من أقرباء مختلفين، كل ذلك يبرر لنا مفاجأته المتأخرة دون أن يتم اتهامه بالغباء. ومن المنصف ذكر أن العم جابر يفكر كثيرًا، ويتأمل ويحلل منطق أمور كثيرة تجاوزت الكون واللاهوت وتوقفت حيث تتوقف كل النظريات، حيث الحيرة تتلبس كلّ مفكر.

على عكس الليالي الأخرى التي تقطّع نومه الحاجة المستمرة للبول أو تلك الحالات من اليقظة التي بدأت تنتابه منذ عام ويفقد خلالها ارتباطه بالزمن ويعصر فيها ذاكرته محاولاً معرفة أين هو؟ ومن تكون العجوز المنكمشة التي تنام إلى جواره؟ بقي العم جابر مستيقظًا تلك الليلة على فراشه عارفًا بمكانه، وبزوجته الرابعة والمتآكلة بصمت تنتظر أن يفنيها المرض والكِبر كما فعل مع زوجاته السابقات. جلس واعيًا ومرتبطًا بواقعه كما لم يفعل من قبل، يعرفه جيدًا ويتذكر تفاصيل أعوام عمره الطويل الذي تجاوز المائة، يفكر في كل الأشياء التي تلاشت وتلك الأخرى التي شهد بداية اقتحامها الحياة لتفرض ذاتها جزءًا من محيطه، لقد أحسّ الآن، وبشكلٍ حتمي أن زمنه، الذي قضاه وهو يحاول فهم ما يجلبه إليه من ألغاز، هو مؤامرة طويلة وأنه أخيرًا سيتمكن من كشفها.

رجع بذاكرته ستين عامًا، اليوم الذي قرر فيه أن يعتزل، قدر ما يمكن، كلّ ما هو خارج القرية. لقد بدأت أحداث ذلك اليوم عندما نزل العم جابر طريق الوادي على حماره ذاهبًا إلى حقله كما كان يفعل كلّ يوم، وهو يوجه كلامه إلى حماره حول قرب موسم الأمطار،  ونظره إلى زبيرٍ في المدى حيث يتشكّل جسم منحدر من أعلاه عجز منطقه البصري عن فهمه، شيءٌ يقترب وتراب الأرض يتطاير ويتلوى خلفه، وهدير صوته يزحف قبله ممهدًا حضوره وكفيلاً بأن يغرس الرعب في نفس العم جابر ويحمله على القفز من على دابته فارًا إلى داخل أحراش الوادي، جلس هناك مرعوبًا، يستمع إلى صوت بوقٍ يقترب كان وقعه كنفير حرب، ومع عبوره السريع استطاع العم جابر أن يشكلّ في مخيلته صورة عربةٌ بلا دابةٍ تجرّها، فكّر بذلك وقلبه يكاد يقفز خارجًا من بين أضلعه “يجرّها الشرّ”.

بقي مختبئًا لبعض الوقت، يردد تعاويذ تارةً ويهمس بأسماء شياطين تارةً أخرى علّها تنجده وأهل قريته من خطر ذلك الشيء، متخيلاً الدمار الذي سيحل بالقرية عندما يصلها. ظلّ مغروسًا بين الأثل حتى أعادت الأرض ببطءٍ ذرات غبارها إليها، وخليَ الفضاء من رائحة احتراقٍ وصخبٍ جديد للتوّ تعرفت عليه أذناه.

بعد أن هدأ واستطاع أن يفكر بوضوح، مشى العم جابر قاصًا أثر ذلك الشيء، ومستعرضًا في مخيلته سيناريوهات مختلفة لما سيحدث لأهله والناس في قريته. من الصعب توضيح طريقة عمل الأفكار ومسارها بداخل رأس العمّ جابر. المجتمعات التي تحدّ أفرادها إلى تعلم أساليب النجاة من الحروب ومواجهة الوحوش والسرقات والموت بشكلٍ مستمرّ تعقد عمل المنطق وتراتبية سير أفكارهم وتحليلها، الأمر الذي يجعل من وصف وتبرير ردود أفعالهم عملاً صعبًا ومعقدًا، لأجل ذلك من الصعب وصف السيناريوهات التي كان العمّ جابر يتخيلها ويجهزّ ذاته لمواجهتها حال حدوث أحدها.

تبع العم جابر الأثر الوحيد من نوعه حتى وصل إلى مشارف القرية حيث رأى الشيء أمام منزل الشيخ، وشباب من القرية يحيطون به. “مسكوها.. إي والله، مسكوها!” خرجت هذه الجملة على دفعتين من بين شفتيه الجافتين بصوتٍ لا يمكن وصفه كليًا بالمبتهج، إذ لم يزل ذلك الشيء موجودًا. مدّ خطواته مهرولاً، ثم أسرع ركضًا تجاههم وهو يلوّح بهراوته، عازمًا العراك.

الأمر الوحيد الذي بقي العم جابر نادمًا على عدم الاهتمام به، هو أنه عندما اقترب منهم لم يعطِ مجالاً للتوجّس أن يلفت انتباهه إلى حقيقة أنّ أحدًا لا يُظهر فزعًا من تلك العربة المتحركة بذاتها والواقفة حينها برغبتها! لم يلقِ بالاً إلى مشهدهم وهم يتلمسونها ويتحدثون بشغف حولها وعنها، كان من الممكن أن يقف بينهم ملتقطًا أنفاسه محاولاً إخفاء أية ملامح قد تبدي جلبةً في صدره، أن يتمهل ليكتشف من تخميناتهم وإجاباتهم عن أسئلةٍ قد تُطلق بعبثية، أنها عربة من صنع البشر جاءت تقل ضيوفًا من الحجاز لزيارة الشيخ! كان من الممكن أن يفعل ذلك ويضرب على مقدمة رأسه بصمت غير لائمٍ نفسه بقدر لومه زمنه ثم يعود ليبحث عن حماره ولا يتحدث عن الأمر مطلقًا.

لكنه استعجل، لأن المسألة بالنسبة إليه كانت خطيرة، مسألة شهامة ودفاعٍ ضد أمورٍ ما ورائية، مسألة هزم دخيلٍ مُسير بقوى خفية لا يمكن التنبؤ بما تخبئه، لذلك كان يقفز عاليًا مع تضاعف شجاعته أمام الجماعة، وشحنات الأدرينالين تخلل عروقه وتدفع عزيمته، اخترق دائرتهم مصوبًا هراوته نحو العربة، ضربها مرتين وهو يصرخ بجملِ انتصارٍ لم يتمكن أحد من فهمها ولا هو من إكمالها، حيث، بدفعةٍ اشترك في فعلها أربعة أفراد، وجد نفسه على الأرض متمرغًا بالتراب.

لقد فاجأه الأمر، وشعرَ بإهانةٍ وخيبة أمل! أقرانه اللذين توقع عونهم طرحوه أرضًا، لاموه وسخروا منه حتى أطفال القرية ضحكوا عليه ومنهم حسن الذي كبر وأصبح شيخًا. وقع العم جابر ذلك اليوم على صخرةٍ شجّت رأسه، وبسبب وضعية سقوطه كُسرت إحدى أصابعه وشيءٌ آخر في نفسه لا يستطيع تحديد مكانه، ولو سئل عنه لاكتفى بقول أنه شيء ما بداخله يمكن أن يكون في أيّة جهة.

نفض ذلك المشهد وهو يبتسم، وهو أمرٌ مستغرب كونها ذكرى لم تجلب له سوى الشعور بالإهانة وقلة الحيلة. قام من على فراشه، فكّر أن اليوم هو الاثنين حيث تُدفع المياه من الخزان إلى ماسورة القرية، وتذكر أن ابنه الأصغر سيقوم بتعبئة الخزانات المعدنية فيما بعد، خرج إلى الفناء وتوضّأ من حنفية ماء التحلية. عاد إلى الحجرة وبدّل إزاره بواحدٍ جديد، التقط عكازه وخرج قبل أذان الفجر بنصف ساعة.

مشى العم جابر بسكينة وهو يتأمل النجوم والأفق، مشى ومن جدران بيوت القرية يرتد صدى قرع عكازه وخطوه الموزون مُنظمًا سيل صورٍ قديمةٍ متتالية تعرضها ذاكرته العتيقة وكله عزيمة على المضي.

سمع صوت موسيقى هادئة حذاء بيوت عمال البقالة الباكستانيين، وأخذ ينصت وتقوده أفكاره التي تتوالى بسرياليةٍ عجيبة إلى اليوم الذي أهداه ابنه الأكبر راديو. لقد كان يومًا حافلاً دون شكّ، ليس لكونه تمكن لسنوات من الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية الساعة الثامنة كلّ ليلة، فهذا أمرٌ قد يستخدم كمبرر عندما يكون الحديث عن السكينة التي تحل عليه الساعة الثامنة، لكنه كان يومًا حافلاً بالفضول مرةً أخرى، إذ لم يتمكن ابنه حينها، ولا آخرين من أفراد القرية فيما بعد، من الإجابة بمنطقية ووضوح عن تساؤلات العم جابر حول طريقة عمل الراديو: كيف تُعزف الموسيقى في لندن وأسمعها أنا من هنا؟ كيف يتم تجديد الكلام الذي يصدر يوميًا دون تدخل أحد؟

لم يكن العم جابر ممن يستسلمون أمام الغموض، كما اعتقد الكثير ممن عرفوه، ولكنه حين يتوقف عن السؤال فهو يعلقه في جزءٍ من ذاكرته، حيث يبقي الكثير من المسائل، يسترجعها ويلوكها مع نفسه وهو يمشي بأزقة القرية، الوادي، أو بين أشجار مزرعته. لقد فكر العمّ جابر كثيرًا، وربما طال عمره لأنه لم يتوصل بعد لتلك الفكرة، الفكرة الواحدة التي تقوده إلى حيث تنتظره كل الإجابات.

وصل إلى الشارع العام المظلم بعد ربع ساعة، خطى على الإسفلت قاطعًا إياه باتجاه الصراف الآلي. لا صوت في المحيط سوى صياح الديوك وعكازه الذي يسجّل على الإسفلت ثوانٍ تفصله عن فضح المؤامرة. وقف أمام الصراف، أخذ يتلمسه بيده تارة وبعكازه تارة أخرى، يدور حوله، وعلى وجهه ترتسم ابتسامة من يوشك على إيجاد الحلّ. تجاوز الصراف حتى اقترب من صخرة كبيرة مكنته من الجلوس على الأرض والاتكاء عليها. لم يمض وقتٌ طويل حتى انبعث صوت الأذان، أخذ العم جابر بالتسبيح والحوقلة، وعيناه مركزتان على منارة مسجد قريته المنكفئة خلف الصراف الآلي، انتهى الأذان وتلاه صرير وطقطقة مفتاح يدور داخل قفله، وفي مشهدٍ انتظره ليلة بدت له عُمرًا، ارتفع أحد الألواح الجانبية لجهاز الصراف الآلي وخرج من ورائه العسكري منحنيًا، أعاد إغلاق الصراف، ثم وقف متأملاً القرية مطلقًا ذراعيه للأعلى وهو يتثاءب، وخلفه العم جابر على الأرض تسند رأسه الخفيفة صخرة، في داخله التأمت كسور وأغلقت قضياه المعلقة.

سألني فيليبي في مكالمة طارئة عمّا يجدر به أن يفعل، وصوته يهتزّ بين ذاكرة طفولته التعيسة في البرازيل وحياة جديدة تتشكل بأحشاء صديقته.

- الأمر عائدٌ إليك، لا أعرف، هل تشعر أنك مستعدٌ لأن تكون أبًا؟

أجبته وصوتي يهتزّ بين دافعين متضادين: فزعة لصديق، وعدم القدرة على الإجابة في مواقف مشابهة، وقليلة هي المواقف المشابهة، ربما هو موقف مشابه واحد فقط: أن يشاورك صديق في مسألة حمل صديقته.

- لا أعرف.

أجابني وهو يستجدي حلاً آخر غير الأسئلة التي تبادلناها ككرة تنس في تلك المحادثة المربكة.

عندما تقرر البقاء في شيكاگو تعاملك بكرم، توفر لك الأصدقاء المقربين، ومفاجآت الفصول الأربعة، شوارع مخططة كما تشتهيها الذاكرة، وعمائر تفنن بنّاؤوها في تشييدها بعد أن احترقت شيكاگو في القرن التاسع عشر، خوّلتها لأن تكون عاصمة الهندسة المعمارية في العالم، حارات صغيرة يتحاور الشباب على ناصيات طرقها بالراب، وأخرى هادئة يعزف المتشردون على أرصفتها الساكسفون، مجانين في الباصات يتحدثون مع أيديهم، وشعراء يمثلون قصائدهم كمسرحية، مدينة ممتلئة بالملحميات. تباين ثقافي هائل، مطاعم مطابخها تمتلئ بأطباق من العالم أجمع، تجد كل ما ترغب في أكله، حتى اللحوح والدجرة أكلتهما في مطعمٍ أثيوبي هنا.

ثم عندما تنوي مغادرتها لمدةٍ لا تجيد عدّها ولا تستطيع التصريح بها ولو حاولت، يكفي أن تنوي ذلك، تتفهم شيكاگو رغباتك، تبدأ بسحب شرائح العرض بخفةٍ من أمامك، تفرغ المكان لك بالتدريج كي تساعدك على الرحيل، تسهّل عليك عملية نسيانها، لأن نسيانها سيسعدك في أي مكانٍ جديدٍ تختار، لأنك عندما تكون هناك ستعيش المكان في لحظته، وتبقي الماضي في درجٍ بعيد في الذاكرة، لا تحتاج أن تتذكره إلاّ عندما يهاتفك صديق، أو يجري طفل بطائرة ورقية من أمامك. شيكاگو تهتم بك وأنت بها، وتجهّزك لما بعدها.

يحادثني الأصدقاء، يخبرني بعضهم أنهم سيغادرون، ويخبرني آخرون أنهم غادروا. بيانكا سافرت إلى لندن منذ سبعة أشهر لتدرس الماجستير، ونواه في نيويورك منذ عام يدير مؤسسة إنتاج بدأها، فانيسا خُطبت وستتزوّج بعد أن تنهي دراستها العليا. أما فيليبي فيسكن مؤخرًا مع صديقته التي تعمل كخيميائية في معمل لتحليل الأدلة الجنائية. مؤخرًا لم أعد أشاهده كثيرًا، أخذته الحياة شبه الزوجية، بعد أن تركنا العزبة التي تشاركنا بها لعام عندما وصلت إلى شيكاگو.

هكذا تتفرق الصور، وتتبقى صور أخرى، تربطك بالمكان إلى اللحظة الأخيرة. كأصدقاء أيام الثلاثاء، نلعب البلياردو، وبين كل فوزٍ وهزيمة ندخن السجائر في الخارج ونتحدث عن مباريات البولز أو البلاك هوكس، عن خيول رجال الشرطة، وعن مدى مناسبة الجو لقيادة دراجة هذا الأسبوع.

ماذا تعلمت خلال الما يقارب أربع سنوات في شيكاگو؟ وهل أستطيع أن أقول أن ما تعلمته (هنا) صالح للحياة خارج (هنا)؟ على الحياة أن تقدّر أينما كانت، بأشيائها ولحظاتها التي نتجاهلها، صور المدن المهملة خلف زجاج نوافذكم أينما كنتم، تلك النوافذ التي تشكل لوحات فنية حيةً في بيوتكم، ترسم لكم الحارة لحظة الغروب، والحمام ينهي أخر دورةٍ له في سمائها، وأصوات العربات في الشارع وصياح الأطفال يأتي من بعيد، وعندما تفتحون تلك النوافذ تعلو أصوات الأطفال، وترقص الستائر مهدهدةً خدودكم، وتجتهد الحياة محاولةً لفت انتباهكم، لكنكم تبتعدون عن الشارع، عن النافذة، وتفكرون بحياةٍ أخرى، وتنسون حياتكم.

لقد تعلمتُ هنا أن أنصت إلى المكان، لأنني أكتشف الآن، وأنا أنصت لشيكاغو، أنها ليست سوى إناء آخر، كما هي العريجاء والشميسي، وكما هي جدة، وكما هي الطرشية، حواري وقرىً ومدن وأماكن وأماكن.

سأحيا تعيسًا إذا ما أسرفت الحديث في جلسات الأصدقاء عما يجري في اللامكان، في الإنترنت، عما كتبه الآخرون، أو ما قرأته مؤخرًا، أو شخصية رواية أو فيلم أعجبت بها. سأمرض حينها، سأحتاج لأن أتعالج من العيش بين الأوراق أو أمام شاشة، سأفتقد الناس الذين يسيرون في الخارج على الأرصفة، سأحتاج لأن أتمكن مجددًا من تقدير الحياة خارج الأسوار بنزقها، الناس في الجوار والمكان وما به هو الحقيقة، كل شيء آخر خيال لا يمكن أن يبعث على الرضا وإن تحقق.

أعجبتني مقولة للكاتب ضيف فهد في حوارٍ معه حيث قال أن الرواية يكتبها البلداء وأن “كاتب الرواية يحتاج لجلسات طويلة حتى ينجز رواية، كتابة الرواية أعتبرها للكهول، فأنا أستغرب من الشباب الذين يكتبون رواية ففي الحياة أشياء كثيرة أستمتع بها بدل أن أضيع الوقت في كتابة رواية.”

كيف تعطينا الحياة نصيبنا منها إذا لم نبنِ تفاصيلها، إذا لم نحدّث حالتنا معها كل خمس دقائق تمامًا كما يفعل البعض على الفيسبوك؟ كي تسعد تحتاج لأن يكون حضورك حقيقيًا، لا أن تصور نفسك وحيدًا بيدك اليمنى وتضع اليسرى على خدّك، لتعرضها على صفحة ويب، لم يفتقدك أحد هناك على فكرة! أين هم من يفتقدونك؟ قد يقصف برقٌ برج الاتصالات، يختفي ذلك العالم وتكتشف أنّك وحيد.

- أنت تتحدث ثلاث لغات، ولديك خبرة في الحسابات، لماذا لا تعود إلى البرازيل، تعمل في بلدك لفترة، وترجع إلى أمريكا عندما تتحسن أمورك؟

اقترحتُ عليه ذلك بعد يومين حيث أخبرني أنه كان حملاً كاذبًا، وأنهما يفكران بالانفصال، وأنه قلق بخصوص وضعه القانوني في البلد وعدم قدرته على تجديد الفيزا أو الحصول على بعثة في جامعة حيث يتمكن من إكمال دراسته بالمجان.

- ليس لدي شيء لأعود إليه، لا أحد يفتقدني هناك.

قال ذلك، وتركني أتساءل: ما العودة؟

العودة، فكرة خادعة. متى نستطيع أن نستخدم فعل العودة عند الحديث عن ذواتنا؟

هل البدء من النقطة (أ) والانتهاء في النقطة (ب) يمكننا من ذلك؟ أي هل تستطيع أن تقول أنك “عائد” عند السير من (ب) إلى (أ)؟ ماذا لو شعرتَ أنّ وجودك السابق في (أ) مجرّد تجهيز للوصول إلى (ب) حيث بدأت ووجدتَ نفسك. ثم عندما تذهب إلى (أ) أنت في الأساس لا تعود، بل تغادر (ب) حيث تظل طوال عمرك تفكر بالعودة.

إلى أي الاتجاهين نعود؟ ومن أخدع عندما أقول أن شيكاگو مجرّد إناء؟ أخدع نفسي قبل أن أخدعكم. عذرًا، فأنا أعدّ أيامي الأخيرة هنا، وأحاول التصالح مع الفكرة، أحسب عدد الذين أفتقدهم ويفتقدوني هنا وهناك، وإلى اللحظة لا أدري في طريقي إلى أيّ الاتجاهين أستطيع أن أقول أنني عائد؟

 

 

ترحيب متأخر بعبد العزيز

كان في مكان ذلك الباب الذي يخيفك يا عبد العزيز جدارٌ يفصل بين بيتنا وما يقارب الثلاثة عقودٍ من تاريخ منطقة وشعوب، ولأجل التاريخ يُفزعك الباب، فتاريخنا حزين يا ولد أخوي.

أذكرُ، يا سيّد عزيز، وعمري سبع سنواتٍ عندما كنت أجلس على ذلك الجدار الفاصل بين حوشي الشقتين، ويدخل حاملاً كومبرسور عاطل وكرتون طماطم مثلاً، يضع العدّة على طرف حوض الشجر جوار دينامو الماء، وأفاجئه بصوتٍ حاد: عمّ محمد نجحت، فيعطيني عشرة، أمسك بهدية النجاح، وأفكر: عندما أكبر سأعمل ميكانيكي.

العم محمد هو أبو هناء ومنى وعبد الجليل، آخر مرةٍ شاهدتُ فيها عبد الجليل كان في عمرك. والده يمني الجنسية كان يعمل في السعودية منذ بداية السبعينات وخلال عشر سنوات أصبح مالكًا لورشتين على شارع أجياد. كان يستأجر، هو وعائلته، الدور الأرضي من بيتنا منذ أن انتقلنا إليه في منتصف الثمانينات. أذكرهُ جيدًا، حملت ملامحه بعضًا من تفاصيل الممثل المصري يحيى الفخراني بعينٍ أفتحُ لونًا من الأخرى، أذكرهُ يمدُ العشرة ريال وتخرج هناء تبعًا للأصوات في الحوش، ثم يدخلان وأبقى أنا سعيدًا على الجدار، كخيّالٍ حافي القدمين على حصانٍ يفصلُ بين حوشين.

ما هي إلا بضعُ سنوات يا عزيز حتى جاءت حربُ الخليج. ووجدَ العمّ محمد نفسهُ منبوذًا، ولا تسألني لماذا، فلم أكن بعد أفهم في السياسة، ما فهمته هو أنه كان يشعر بالغربة، فغادر. لقد حاول والدي إقناعه بالبقاء جاهدًا، ولكنهم أخذوا حقائبهم وخرجوا، وحصاني جامدٌ في مكانهِ لا يتحرّك.

بدأت حرب الخليج وخليت الشقة، كنّا نجتمع في صالتنا وصافرة الإنذار تهزّ الهواء والقلوب والجدران، في مدينةٍ صامتةٍ إلا من صافرة إنذار، والتلفاز يخبرنا بأن نختبئ وأن ثم خطرٌ في الفضاء، وكمامات  تُركب فيها فلاتر بشكل عبوات جبنة كرافت، تتحلّق الكمامات على وجوهنا جبرًا، ننظر لبعضنا من خلال درابيل، ننظر إلى النوافذ المغطاة بالشرائط اللاصقة، ننتظر، ولا شيء يحصل، وفي مرةٍ أخرى قد تهتزّ العمارة، فنصمت، ثم لا شيء يحصل. وهكذا حتى اعتدنا على سماع قصص صواريخ سكود وباتريوت في الشارع، وبين الكبار، وصار الكاريكاتوريون يستخدمونها في رسومات الصحف، وأصبحنا نصعد مع عمي ووالدي، أقصد جدّك وجدّك، فوق السطح لنشاهد بطلي الحرب، يتقابلان في الفضاء وينفجران، كالألعاب النارية.

وفي صباح يومٍ من تلك الأجازة التي امتدت لأمد، قرع الباب رجلٌ أربعيني، فتحتُ الباب فأخبرني أنه أبو سعد، وأنه يرغب برؤية والدي. تخيّل يا عبد العزيز، بعد ذلك بأسبوع، كانت شقة العم محمد مسكونة من قبل عائلة أبو سعد وأبنائه. كانوا قد شردوا بسيارتهم الكابريس بعد دخول جيش صدام إلى الكويت، وعندما وصلوا إلى الرياض، سكنوا في مدرسة، ثم جاؤوا وحلّوا في الجهة الأخرى من الجدار، ولم أتجرأ بتسلقه، فلأبي سعد فتيات أحرج من مواجهتنّ، لقد كانتا غريبتا الأطوار، بالإضافة إلى فارق السنّ، كنّ أكبر، ولم أكن بعد قد تعلقت بالقراءة كي أتعرف على ستيفن فيزيتشيي و”في مديح النساء الأكبر سنًا”، كن ينادين القطط الجائعة التي تمشي على سورنا بـ “هيييه.. بوسي.. بوسي.. بوسي” ههه أذكر أنني أخبرتُ أخي سلمان، أعني والدك، بأن عيال أبو سعد يتحدثون كأفلام الكرتون!.

ثم مرت الشهور، وغادروا، عادوا إلى بلدٍ يستطيعون فيه أن يقرروا، ورغم أنه أمرٌ سياسي، وكان من الممكن ألاّ أفهمه، لكنني تعلمت فهم السياسة بعد أن غابت هناء ومنى، السياسة هي أن تقرر من يرحل ومن يبقى خلف الجدار. ربما هناء ومنى متزوجتان، ربما لدى إحداهنّ طفلٌ يجلس الآن على جدار في قريةٍ ما، يبحث عن مدرسة أو عن عمٍّ يدخل من الباب بعشرة ريالات.

وفرغت الشقة لفترة، ثم سُكنت، ثم فرغت، ثم سكنها أخيرًا والدك، وهدّ جدّك الجدار القديم، وفي مكانه نبت الملحق وخرج الباب الذي يخيفك، ومن تلك الشقة التي سكنها تاريخ خرجتَ أنت يا عبد العزيز، وجئت مع الفرح للعالم حينما علا صوت الشعوب، فمرحبًا بك.

الآن أستطيع أن أقول أن الإصلاحات والتغييرات في الموقع اكتملت. أحب أن أشكر كل من تابع وشارك برأيه، والشكر الجزيل لمعتز قطينة وكامل فريق Clover Colour على التصميم الجديد لرصيف.

شكرًا للجميع.

خالد.

طبعًا، أنا للآن لم أستقر على تصميم نهائي للمدونة. الفكرة موجودة، ولكنها تحتاج إلى وقت للتصميم والتعديل على القالب.

كما تلاحظون الدومين samti.me يقود إلى هذا الدومين الجديد، وهو أيضًا للمدونة بعد نقلها إلى هوست جديد. لا أعرف أيضًا إذا ما كنت سأستقر على هذا الدومين أم السابق..

كثيرة هي القرارات التي مازالت معلقة في الهواء ولم تحدد بعد. ولهذا فتحت هذا الموضوع إلى حين اكتمال العمل على الموقع، وإلى أن يتم ذلك، من يريد أن يشارك برأي هنا فرصيف وصاحب الرصيف سيسعدان بذلك..

خالد

لأن معرفة جنسه قبل الولادة لتغطية جسده بعدها لم يكن أمرًا مهما، كان والداه في حراج بن قاسم يبحثان عن ملابس مواليد عندما نشّز المخاض مشية والدته، وجعلها تطلب من والده أخذها إلى المستشفى في الحال. لذلك أطلقت عليه خالاته بادئ الأمر “رزق الحراج” وما إن كبر وبدأ يتجاوب مع محيطه، حتى تبدّى للجميع أنه يأخذ بالارتعاش ويفقد القدرة على التركيز بمجرد تجاوزه حدود أحياء الرياض الجنوبية، وسرعان ما أجمع الملتفون حوله من أقرباء وجيران على تسميته رزق منفوحة.

في البدء، شكّت عائلته أن للأمر علاقة بتعرضه للفحات الهواء الحار وهو يجلس مع قطيع إخوته في حوض سيارة والدهم الداتسون، ولكن الحالة تكررت كثيرًا، حتى عندما خرجوا به شمالاً في سيارة لينكون مكيّفة، استعارها والده خصيصًا لأجله من زميله في العمل.

قابلت رزق خارج أروقة مطار لاگارديا بنيويورك، حيث استقلينا، أنا وهو، إكسبرس شاتل إلى منهاتن- باص صغير يتسع لثمانية ركاب، يستقله عادة الباحثون عن أجرة توصيل رخيصة. وكما يشعر الغرباء بالراحة عندما يقابلون أشخاصًا يتحدثون لغتهم بعد نيفٍ من الحديث بلغة الآخرين، تحدثنا بسلاسة الحكايات المشتركة، الأمر الذي جعله يقرر، دون التصريح بذلك، مرافقتي إلى ذات الفندق الذي كنت أنوي السكن فيه. وعندما كنتُ أتحدث مع موظفة الاستقبال وأظهر امتعاضي من غلاء الحجرة وسعرها المختلف عن السعر المعروض في الكوبون الذي كنتُ قد طبعته مسبقًا من الإنترنت وجلبته معي من سياتل، سألها هو -دون أن يشاورني- عن سعر الجناح، وكان سعره مناسبًا جدًا إذا ما اقتسمناه، ما حدا به أن ينظر إلي وكأنه يحاول استنطاقي بنعم، ولولا تعبي ومحدودية ميزانيتي التي جمعتها من مكافآت أشهر سبقت ولا تكفي سوى لأسبوعٍ واحد في مدينةٍ تغلي بها الأسعار في عزّ الشتاء، لما كنتُ وافقت بمشاركة السكن مع شخصٍ غريب فقط لكونه يتحدث لغة عيال حارتنا، ويروّج رائحة أخي، ويشاركني ذاكرة أزقة حراج بن قاسم وسوق الحمام وفرقعات الكبريت برؤوس البواجي المذيّلة بالريش. استلمنا مفاتيح الجناح وحملنا حقائبنا، وأثناء لحظات الصمت التي تسود المصعد، ويقضيها الناس عادة وهم ينظرون إلى شاشة صغيرة تظهر فيها أرقام الأدوار، أسرّ إليّ:

- لا تفكر كثيرًا في المسألة، سأنام في حجرة المعيشة.. يعني في حالة أن تجلب معك فرخةً، ستتمكن من تناول وجبتك بهناء، وأتوقع منك أن تفعل المثل إذا ما حصلتُ أنا على دجاجة! أحب الدجاج أكثر.

قال ذلك وهو يضحك، وينظر إلى عداد الأدوار، تتحول ضحكته إلى ابتسامة، يصمت، ويفكر بأشياء أخرى أو ربما بالأشياء نفسها.

في المستشفى، أخبرَ آخرُ الأطباء والدَه أن جمود رزق الاجتماعي يدخله في حالة رهاب وتشنجات عصبية حال خروجه من محيط الراحة، الترجمة العربية للمصطلح الإنجليزي Comfort Zone، وقال بأنه في حاجة إلى جلسات وتقنيات علاجية غير معقدة ولكنها لا تتوافر لدى المستشفيات العامة. وبين مواعيد المستشفى، كان والده يعرضه على شيوخ يقرأون عليه وينفثون، ومعالجين شعبيين يكوونه بالنار، ولا تفلح جهودهم جميعًا، ويعود إلى البيت، ويكبُر.

تصالح رزق مع حالته في نفس الوقت الذي تصالحت الكرة معه، فهو يجيد ركلها باليسرى واليمنى، وعندما يستعرض مهاراته بها -كما فعل في حديقة السنترال بارك ونحن نلعب الكرة مع شباب مغاربة جمعتنا بهم الصدفة كما جمعتني به في المطار- يشعر الرائي وكأنه يرقص الهيب هوب. أخبرني أنه كان يتلقى طلبات من حارات أخرى للعب في فرقهم، وقد جاءه عرض من سمسار يمثل نادي الشباب بعد فوز فريق حارتهم بمباراة نهائية في ملعب الفريان، لكنه رفض العرض: النادي فادح الشمال، ثم أنني قد وعدتُ فريقي باللعب معهم الموسم القادم!.

كان يخرج من المدرسة ظهرًا، يمشي شرقًا إلى شارع البطحاء وعليه يتجه يسارًا ويجاهد فوقيّة الشمال إلى ميدان سميراميس، ذلك التقاطع الكبير، يقف على رصيفه يتأمل المدى الذي ينتهي بعمائر من الخرسان وجسر الوشم، يدخن سجائره الأولى حيث التقط عادة التدخين من أصدقاء الأول ثانوي وقهوة البستان، يتنفس الدخان وفكرة العبور، ومن خلفه تأتي متزاحمةً أصوات مزامير العربات وصياح سائقي الباصات ترتطم بزجاج عمارة السليمان، يرتدّ الصدى، ويستمرّ بالوقوف بين العمارة والخزّان، يستجلب الإصرار، تحت ظل ذلك المسمار الهائل الذي يُثبت جنوب المدينة، ويرسم آخر صورة في جغرافيا ذاكرته القصيرة. يحتاج لأن يقطع شارع الملك عبد العزيز إلى مبنى الأحوال المدنية كي يستخرج بطاقة، ولكن قدماه لا تحملانه، ومدير المدرسة وبوّاب القهوة لا يتفهمان حالته، يتردد.. ويعود إلى منفوحة سيرًا على ذات الطريق إلى بيته.

- من المؤسف أن تكون البطحاء أقصى شمالك لكلّ تلك الأعوام، يا رزق!
- كنت سعيدًا بذلك، تصدق!

بعد فعاليات اليوم الأول لمؤتمر التجارة الإلكترونية، والذي حرصت على جعل وقت زيارتي لنيويورك يتوافق معه، اتفقنا على الالتقاء في ميدان تايم سكوير. شاهدته يقف مع امرأة تعلّق كاميرا على عنقها، كنت أنتظره على طاولة الميعاد، وكانت هي تتحدث إليه وتكتب شيئًا في ملفٍ تحمله. التقطتْ صورته مبتسمًا وهو يشكل بوسطاه وسبابته علامة السلام، ثم صافحها وأقبل يمشي منتصرًا. جلسنا نشرب القهوة، خلفنا شاشة كبيرة وأخريات صغيرات تتوزع في المكان، وحولنا محلات القهوة والبيگل والكعك، وعلى أرصفة القرميد تشكل وجوهَ العابرين خرائطَ العالم.

- من تكون تلك المرأة؟
- هه، تلك المرأة؟ كنا نتحدث حول أمرٍ ما. أنظر إلى تلك الحمامة، تسير مع الناس، ولا تخشى أن تُدهس!

لقد تجاهلني تمامًا، وأخذ ينظر إلى الحمامة! الحقّ، أنه كان منظرًا مبهرًا، الحمامة تمشي وسط الزحام وكأنها ترافق أحدهم على الرصيف، وكأنها ستتوقف لشراء فشار، ثم تقطع الشارع من على خطّ المشاة. أخرجت علبة سجائري، أشعلت واحدة، ومددت بأخرى إليه، فشكرني وقال أنه قرر ترك التدخين.

- متى؟
- اليوم.

رغم فضولي وشخصيته المحرضة على الاستكشاف، لم أكن مُلحًا في أحاديثي معه، كلّ ما أعرفه عنه بالإضافة إلى الحكايات التي يرويها لي ونحن نمشي على أرصفة منهاتن أو نأكل الحنيذ في مطعم اليمن السعيد في بروكلين، أنه حصل على بعثة بعد الثانوية قبل ابتداء برنامج الابتعاث السعودي ببضع سنوات، من خلال واسطة دبرها له والده الذي يعمل مراسلاً في وزارة التعليم العالي. أنهى البكالريوس في الهندسة المعمارية كتخصص أولي، ودراسات المجتمع المدني كتخصص ثانوي في جامعة لندن للاقتصاد، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على الماجستير في علم الاجتماع من جامعة فلوريدا، ويعمل حاليًا في سان فرانسيسكو في مؤسسة غير ربحية تشرف على تطوير مباني الأحياء الفقيرة بأكثر من ولاية.

- الصيف الماضي، ولأول مرةٍ في حياتي، جلستُ مع والدي في مقهىً على شارع التحلية. لم يدم جلوسنا طويلاً، حيث تركنا المكان، وذهبنا إلى بوفية العمّ محمد جوار بيتنا، طلبنا شايًا بالنعناع، مثل هذا.

قد تعتقد عزيزي القارئ أن ثمة نواقص في النص، أو أنني فشلت في ربط الحكاية، ولكن رزق قال “مثل هذا” وسكت يرتشف الشاي الذي قدّمه لنا النادل اليمني، وأخذ يتأمل شارع أتلانتك خلف الزجاج. وأنا لم أحاول استنطاقه، ولا أستطيع أن أُمنطَق حكاياته وأبررها أكثر مما هي عليه في هذا النص.

في اليوم الأخير من زيارتي لنيويورك عاد إلى الفندق ظهرًا بعد أن قضى الليلة بكاملها في الخارج. أخبرني ونحن نجهز أمتعتنا أنه أنهى اجتماعاته مع بلدية المدينة، وأنه قريبًا سيذهب إلى شنگهاي، لحضور مؤتمر يعرض آلية تعمير جديدة وسريعة وقليلة التكلفة قام الصينيون بتطويرها مؤخرًا. دفعنا أجرة الفندق، وخرج هو إلى المطار عائدًا إلى سان فرانسيسكو. ولأن رحلتي إلى سياتل متأخرة، قررتُ الجلوس والقراءة على إحدى طاولات ميدان تايم سكوير، تذكرت ميدان سميراميس، واكتشفت أنني لا أعرف كيف تمكن رزق من عبوره أخيرًا، كيف تعالج من حالة الرهاب: ربما كانت فكرة والده بأن يجعل العالم بأكمله جنوبًا! لقد فاتني أن أسأل رزق. حاولت جاهدًا تجاهل التساؤلات وحاجتي بمعرفة الجواب، وأخذتُ أقرأ كتابًا لهيمنگواي حتى تعبت، راقبت وجوه العابرين وتعبت، ثم لجأتُ إلى الكتابة.

بعد ساعتين، جمعت أوراقي وحقائبي مقررًا الذهاب إلى المطار، وقبل أن أنهض، ظهر إعلان في الشاشة الكبيرة، لمنظمة صحية، حيث يتم عرض صور لأشخاص قرروا ترك التدخين عن طريق المنظمة والتي بدورها تستمرّ بالتواصل معهم ومتابعتهم. ظهرت صورة رزق مبتسمًا، وكأنه عاد ليخبرني أمرًا، وأصبعاه تشكلان علامة السلام، وتحتها مكتوب بالإنجليزية:

أنا رزق، لقد أقلعت منذ يومين، وأعد العالم بأنني لن أدخن مرةً أخرى، للأبد.

بعد الثانوية، عملت في حقل مبيعات الخضار والفواكه لسنتين، فبدأت بسنترال في ثلاجة تستورد الفواكه، وانتهى بي الحال أبيع الخضار ما بين البسطة في عتيقة وسوق الجملة في العزيزية. وكنتُ أبحث خلال تلك الفترة عن جامعة تقبلني. كنتُ أسافر لكل كلية تفتتح أبوابها للقبول في أية منطقة، وأعود خائبًا. أما والدي الذي لم يتقن، رغبةً منه، لغة الواسطة، فكان يذهب معي في بعض محاولات التقديم داخل الرياض برجاء الأب وصور شهادتي ومستقبل مجهول. بعد سنتين، أي عام ١٤٢١، دخل معي إلى مكتب عميد القبول والتسجيل في جامعة الملك سعود، كان يوم الاثنين حيث يستقبل سيادته المواطنين ويستمع إليهم كشيخ قبيلة. قام أبي، في محاولة مبتكرة ويائسة، بعرض رسوماتي على العميد وهو يقنعه: “اقبلوه في كلية الفنّ التشكيلي، الولد رسام.” حدث أمرٌ غريب وجديد حينها، حيث قام سيادة العميد بإلصاق ورقة صفراء على ملفي بعد أن وقع عليها:

“الرجاء عمل اللازم”

كانت أول مرة أقرأ فيها هذه الجملة السحرية التي جعلت من موظفي القبول والتسجيل ينهون إجراءات قبولي خلال ساعة واحدة. لم أكترث حينها بصرفهم إيايَ، كسبعة هاص مقطوعة واللعب صن، إلى كلية الزراعة، ولم أتمادى كثيرًا في تحليل العلاقة بين الرسم والشجر، فربما كان دافعهم هو التصاق بعض أوراق الفجل والخسّ بملابسي، ولكن المهم أنني قُبلت، وسأستدرك الأمر لاحقًا وأقوم بالتحويل إلى كلية اللغات والترجمة.

لم تتمكن مخيلتي اللزجة من نفض تلك الجملة التي كنت أجهل لعامين أنها حل لمشكلتي -وسأكتشف مستقبلاً أنها حلّ للسواد الأعظم من مشاكل الناس في السعودية- أمست تزورني في الليل نائمًا، أراها بسقف الحجرة، ثم تتشكل على الصدّامات الخلفية للمراكب السائرة أمامي في طريقي إلى الجامعة، وكنتُ أحلم بعالم توزع فيه تلك الأوراق الصفراء بالمجان عند الإشارات كالماء والتمر في رمضان، ثم انتهيت بكتابتها على دفاتري خلال الفراغات بين المحاضرات وأتبعها بلقب مراهق متحمس:

“الرجاء عمل اللازم.. ذكريات المشتاق ٢٠٠١”

مرّت السنوات، وشاهدتُ تلك الورقة أكثر من مرّة على معاملات الأصدقاء والأقرباء، وبدأ المنطق بفرقعة نفسه كثيرًا ودائمًا في مخيلتي، وفكرت: إذا كان الإجراء لازمًا، فلماذا يتمرمط الناس ويفرقعوا أنفسهم ويتوسلون في سبيل الحصول عليه؟

كم هو سخيف أن تُختَصر حقوقك وأحلامك في جملة على ورقة صفراء يكتبها من يصنع سعادته بتطبيل المساكين ودعواتهم. كم هو محبط أن تتحوّل أحلام الشباب السعودي من أن يكونوا مهندسين وأطباء ومحاضرين في الجامعات ومشاركين في خدمة البلد وسكانه، إلى أن يكونوا رجالاً كاملي الدسم يقضون أيامهم بتجاهل مصالح الناس ويكتفون بحل الكلمات المتقاطعة وإلصاق الأوراق الصفراء على المعاملات في أيام تتنزل عليهم الرحمة، وأنا لا أتهم هنا العميد حينها بتجاهل مصالح الناس ولكن أنا أتحدث بعمومية، فكم هو مخجل أن تتحول حقوق الناس من مطلب يجب توفيرها ومعاقبة المقصرين في تحقيق عدالتها، إلى صدقة تمنح لهم بمنّة.

وكم أنا متحمس، لأن أخبركم الآن، أن جميع سكان السعودية من مواطنين ومقيمين سيحصلون على ثلاثة كراتين ممتلئة بجميع حقوقهم “اللازمة”، إذا ما توقفوا عن طلب الواسطة والتطبيل لكاتبي تلك الأوراق البالية، فقد انتهت صلاحيتها وصلاحية أقلامهم الفاسدة، فمن الآن وصاعدًا، سنكتب ونطالب بحقنا وحق الوطن بأنفسنا.

لقراءة المقال في مدوّنة أشرف إحسان فقيه

لأننا لو نشعر بذلك، برغبتك الواضحة في عودتنا، لن يفكر أحدٌ، مجرّد التفكير، بالبقاء في الغربة. سنعود وليست الشهادة التي تدفعنا إلى العودة، فهي لا تتجاوز كونها ورقة لا تختلف عن مثيلاتها التي عُلقت لأجيال على جدران إدارات مؤسساتك يا وطني، تلك التي أنتهك بعض حامليها بنيتك التحتيّة ولعبوا المونوبولي ببيوتك الشعبية وغير الشعبية، ووزعوا بيادقهم على شطرنج مخططاتك، ثم تركوك عاجزًا أمام تهديد السحاب، الزائر الخفيف الذي يأتي مرةً في العام. سنعود وليس من المهم معرفة مسميات الدول التي درسنا بها، أو مواقعها على الخريطة، ولا مدى ارتباطها بالوثن أو اهتمامها بالقبلة، ففي النهاية هي دولٌ تعترفُ بحقّ الإنسان بها، الذي كرّمه الله عن بقية الخلق. سنعود إذا أردتنا أن نفعل، ولكننا لا نسمع صوتك يا وطن، هل ترغب في أن نعود؟

لقد تعلمنا الآن يا وطن، أليس هذا هو الغرض من خروجنا في بادئ الأمر؟ لقد تعلمنا أن نفصح عما نريد. العلاقة بين الناس لن تنجح إذا ما كانت الرغبات والشكاوى لا تُفصح، وإذا قيلت كُممت الأفواه وفتحت أبواب الزنازين لمساجين رأيٍ وتوجُّه. لقد تعلمنا في الغربة أن نعرف ما لنا وما علينا، حتّى حقّك علينا يا وطن عرفناه هنا، ذلك الحق الذي أشغلنا عنه صخب شكوانا. لقد عرفنا قيمتك عندما غادرناك، ولكننا نخسرك بمجرد أن نصل إلى جمارك مطاراتك.

أكمل قراءة المقال في مدوّنة أشرف إحسان فقيه

هي الوتر الذي يخلق فكرة أجمل في مخيلتك وأنت تقرأ، العاطفة وتر “الشرارة” لو كانت الكتابة عود، وفي هذه المعزوفة، صوت “الجواب” يحتاج إلى إعادة دوزنة.

وكأن الليل بحّار، أو هكذا أشعر، يطوي شباكه فارغة في صدري بعد يومٍ كامل من الصيد، أسمع الآن خطواته على الرصيف الخشبي يمشي بقرعِ الخائبين. يأتي النهار وأخرج إلى زحمة، الكل ينظر للأعلى وكأنهم يتوقعون سقوط شيء، ولا شيء يسقط. أقود دراجتي وأحيي ساعية البريد، تخبرني أن على الجيران الجدد كتابة أسمائهم على الصندوق، أخبرها أنني لا أكون موجودًا في النهار كي أبلغهم ذلك، أعيش النهارات بما أتظاهره من سعادة، ثم أعود وأقابل الليل عائدً من البحيرة، نصل سويًا، يَسقط مفتاحي فيلتقطه قبل أن يلمس الأرض، ندخل إلى الشقة، أخلع معطفي ويعلقه الليل على الشماعة. ثم تهزّ ساعية البريد كتفيها، وتقول، لقد تركت لهم ملحوظة على أية حال، وتغادر.

يختلط الزمنُ فيما أحكيه، وتفتقد الأحداث منطقيتها. ولا أحتاج إلى منطقٍ في هذا الليل، إنه يقرأ لي حكاية ما قبل النوم، ولا أتمكن من النوم، لستُ معتادًا على الاستماع إلى حكاية لأنام. والنوم لا يأتي على أية حال. سألتني الدكتورة أنبور: “هل لديك صعوبة في البقاء نائمًا، أم صعوبة في النوم؟” قلت الثانية. “ما اسم الحبوب التي تستخدمها؟” ميلاتونن. وتحوّلت الدكتورة إلى محقق، “هل لديك أقوال أخرى؟”. ثم يشعل سيجارة ويمدّها إلي. أجبت: أرغب في توكيل محامٍ. فيضحك، ويقول: ابني، هذا أنا. ثم يتصاعد للأعلى ويعطى السماء صفة الليل.

وتذكرتُ أنني لا أستخدم دراجتي في الشتاء، وأن ساعية البريد لم تعد تقف لتحدثني عن الجيران، تخاف أن تنكسر رئتها وهي تضحك. السيجارة والشتاء يجعلان من فمي مدخنة وأنا أقف في الخارج، أنتفض، ويتساقط الرماد على عتبة الباب ويخبر الثلج بأنه للتوّ كان سيجارة، ولا يصدقه الثلج أو أن التفكير في ذلك يتعبه، فهو أيضًا يتوقع ذوبانه في أية لحظة.

ثم أعود إلى الداخل، ويتبعني الليل، أخبره أنه أدى دور المحقق بحرفية عالية، فيتظاهر بعدم الاهتمام وكأنه معتادٌ على الإطراء، يأخذ مني شباكه الفارغة، مطويةً كما يجيء بها. أتمنى له رحلة صيد جيدة، أسمع قرع حذائه على الرصيف الخشبي. يدخل النهار وأخرج إلى زحمة، الكل ينظر للأعلى وكأنهم يتوقعون سقوط شيء، ولا شيء يسقط.