عبده أنجلو

28 فبراير 2010

إهداء إلى مطاعن.

اسمه عبده، وفي صبيحة يومٍ من أيام أبريل عام 1994 ونحن نجلس في حصّة تعبير الصف الأول المتوسط صرخ الأستاذ طه:

- أنت يا عبده أنجلو، قلنا أكتب عن أسبوع الشجرة، مش ترسمه!.
ليعلق ذلك اللقب على مدى سنوات في مخيّلة كلّ من عرفه أو شاهدَ طلال مدّاح في “البرحة”، ويبقى كرمزٍ لحارتنا التي لا يزال سكانها يتساءلون -وهم ينشرون الغسيل فوق سطوح منازلهم أو يطيرون الحمام- عن سبب اختفاء عبده أنجلو.

لست متأكدًا إذا ما كان ذلك باتفاقٍ جرى بين آبائنا، أم إنها إحدى الصدف التي تجد نفسك تفكر فيها بتمعّن إذا ما كنت تهتمّ بفنّ الصُدفة ثم تهمس: “صدفة تمّ الترتيب لها بشكلٍ جيّد!” فقد خرجنا، أنا وعبده، إلى الحياة سوية. أو لنقل بالتحديد أنه وُلد في يومِ الثلاثاء الثالث من مارس من عام 1981 وجئت أنا متأخرًا يومين اثنين فقط، وكبرنا في الحارة ذاتها، الشميسي- شارع شلهوب. لم يكن يفصل بين بيتينا سوى سور سطوحٍ ذي علو سمحَ لنا بامتطائه خلال ظُهريات الطفولة، إما بدواعي اللعب وقطف حبّات “العبري”، أو بدواعي الطبخ واستعارة بصلة لأمهاتنا من وإلى البيتين.

عبده يعشق النحت والرّسم تمامًا كما كان يعشق التحدّي وتنفيذ قراراته التي دائمًا ما أتت مُفرطةً في الاختلاف. ذات ليلة خميس باردة، بعد أن شوينا وأكلنا ودخنّا الحشيش، كنّا نرسم على جدار سطوحنا ونكتب أبيات شعر أو اقتباسات من القصص والروايات التي كنّا نحصل على ثلاثة ريالات من والدي عند إنهاء قراءة أحدها خلال سنيّ طفولتنا، قال لي عبده، وأنا أنظر إلى بلورةِ فخرٍ تلمع في منتصفِ عينه القريبة، أنه بدأ الرسم وهو ينتظر في بطن أمه، وعندما تمتّ ولادته تخلّقت لها شامة على شكل ريحانة فوق سرّتها. تلك الليلة كانت أوّل مرةٍ أرى فيها والدته عاريةً على جدار السطح.

عبده يرسم كما لو كانت الريشةُ جزءًا من يده. أكاد أجزم أحيانًا أنه حينما يعمل على لوحةٍ ما ويصل إلى مرحلة الرضا في تعبيره عن فكرته تنبتُ للريشةِ مفاصل فيحركها ويثنيها كإصبع سادس. إنه يرسم بخشوع، وينحتُ بلاهوتية مهيبة. ففي صباح أحد الأيام غادرت حجرتي فوق السطح، مارًا بجوار الزاوية التي تحولت إلى غارِ حرائنا، بقطعٍ من الصفائح والأحجار ولطخات الاسمنت بنيناها ورشةً للكتابة والرسم، للكتب والأخشاب والطين والأشياء التي تتحول على يد عبده إلى أصدقاء جدد وبأسماء نبتكرها في وقتها بحسب درجة انتشائنا ومزاجية الليل، وهناك شدّت انتباهي منحوتةٌ على هيئة طفل أقرع، كان قد أنهاها في الليلة السابقة، متأكدٌ بأن الطفل انتظرني حتّى وقعت عيني عليه ثم رفع يده بحماس طالبٍ يعرف إجابة السؤال، ولكن التفريق بين الحلم والواقع مسألةٌ غائبةُ الجدوى بالنسبة لي. ومن فكرةِ تلك الحادثة كتبتُ “التمثال الذي ربَّت على كتف نحّاته” القصة التي وصلت إلى هذه المجلة في مظروفٍ أرسله عبده موقَعًا باسمي لتصبح أول ما نُشر لي، وخطوة البدء في مشوار عملٍ لم أكن قد أجدتُ بعد كيفية الحلم به لولا أنْ قررهُ لي عبده ونفّذه، ثم اختفى بعد ذلك بثلاث سنوات.

أنهينا، أنا وعبده، الثانويّة سويًا واستلمنا شهاداتنا ونحن نعرف جيّدًا إلى أين نذهب، وماذا نفعل بها. لا شيء يُحرج فضولك غير أن تجهل أمرًا بشكلٍ كلّي، ولا عِلم يُخلّفُ جهلَهُ هذا الفراغَ غير علمِ اللغة، لذلك درست في كليّة الآداب قسم أدب إنجليزي، وجاورني عبده في كلية اللغات والترجمة قسم اللغة الإيطالية، وعندما تخرجنا وقفنا على حقيقة أن الشميسي لم يعد كما كان، فقد بدأ يستجوب أحلامنا، بعد أن تساهل كثيرًا في احتواء الأحداث المثيرة، تلك التي كان عبده يصنعها ويعلبها ثم يرتبها على رفوف سنواتنا. ومثلما أنني لا أرى الجدوى في التفريق بين الحلم والواقع، فعبده يؤمن، بما لا يقبل الشّك، أن ما يسمى واقعًا ليس سوى حلم يحاول الهرب من حقيقته. ولذلك كانت أحلام عبده تقفز إلى الشارع على مرأى سكّان الحارة، والحارات المجاورة، إلى أن عمّت أنباؤها أرجاء الرياض، وأصبح المسنون الجالسون على باب دكان حسن مرزوق يتمتمون: “وش باقي ما سويت يا عبده!” ونظراتهم معلقة بالسماء حيث يحلّق في الفضاء بالون هيليوم بقطر مترين وقد رُسمت عليه عينٌ كبيرة بحجم بالون.

في الثاني عشر من أغسطس من عام 2000، تبادلنا مشاعر الأسى والحزن، وأخبرني عبده أنه لن ينام في حجرته فوق سطوح بيتهم حتّى ينهي مشروعه، واعتزل الناس في (قلاّب) والده الواقف في البرحة القريبة من دوّار أم سليّم، قبل أن تبني فيها البلديّة صالات مكشوفة لألعاب الكرة. استمرّ يأتي في الليل ملطخًا بالتراب والطين يشرب الشاي معي ويستمع إلى أغنية “أغراب” أو “الله يرد خطاك”، ثم يعود إلى القلاّب. وبعد أسبوع استيقظت الحارة تحت دهشة تمثالٍ يقف على أعلى نقطة من البرحة، بطول إنسان طبيعي، للراحل طلال مداح ممسكًا بالعود بيد، ورافعًا الأخرى سلامًا للعابرين.

انتشر خبر التمثال بسرعة الإلكترون بداخل أسلاك الهاتف الممددة في حواري الشميسي، واحتشد الناس حوله طوال اليوم، حتى حسن مرزوق أغلق دكانه في منتصف النهار لأول مرةٍ مذ عرَفته الحارة، وحضر الحشد مع أصدقائه المسنين. ثم جاء شبابٌ لا نعرفهم من حارات بعيدة بكاميرات ذات شاشات صغيرة، واكتفى شباب حارتنا بكاميرات التحميض، جاء عمال المحلات المجاورة، والحلاقون الذين يتحولون إلى ختَّانين إذا ما دعت الحاجة، وبائعو القورة، وآباء يحملون أطفالهم على أكتافهم، التفوا للمرة الأخيرة حول “صوت الأرض” الذي تشكل مجددًا من طين البرحة. ولم تكد شمس ذلك اليوم تُقنع الليلَ بغروبها حتى تهادت سيارة من أسفل البرحة أسرع من غبارها، ليس من الضروري معرفة من بها، ولا شكلها، ولا يُهم كونها بختمٍ حكومي أو حتى شاحنة محملة بالمواشي، كانت سيارة وحسب، أسرعت تجاه التمثال بلا نية توقف، وحطمته كجدار قديم، كحلمٍ تعثر في حقيقته.

لم نتكلم عن أحداث ذلك اليوم بعدها، ولا أية أحداث مشابهة رغم كثرتها. لقد صنع عبده ثلاثة تماثيل في البرحة بعد تمثال طلال، ثم توقف بعد أن تعرض إلى التهديد والمضايقات بشكلٍ متكرر. وخلال السنوات التي تلت ذلك كنت أراقب فيها خفوت تلك اللمعة التي تعلقت في عينه مذ كان في بطن أمه. وقبل أن تختفي كلّيًا أسرّ لي عبده أنه سيجرب مشروعًا جديدًا. لقد قرر أن يذهب إلى المحكمة الكبرى بالرياض ويحضر إحدى المحاكمات ليرسم قاعتها وقاضيها وأطراف القضية، شعرتُ في تلك الليلة أنني لن أتمكن من رؤيته مجددًا، وأنني ولمرةٍ وحيدةٍ استطعتُ التفريق بين الحلم والحقيقة.

ربما تمكّن من التسلل إلى قاعة المحكمة والجلوس في منتصفها، وربما كان مستمتعًا بالرسم عندما سأله القاضي عن سبب وجوده وأخبره بكلّ بساطة أنه رسام القضية، بالتأكيد لن يتمكن القاضي من فهم ما يقصده عبده فيما يقوله عن أن الكاميرات ممنوعة في قاعات القضاء ولذلك نشأ فنّ رسم المحاكمات. ربما تمنى عبده من أعماق روحه أن يسمح له القاضي بالجلوس بهدوء حتى ينهي لوحته. كثيرة هي “الربمات” التي لا يمكن لنا أن نؤكد إمكانية حدوث كلّ واحدة منها، ولا يهم ذلك، الأهم هو أن عبده لم يعد مجددًا. سمعتُ بعدها بأسبوع في دكان الحارة أن أحدهم رآه يُجلد في ساحة المحكمة. ذهبت للسؤال عنه، ولم أجد إجابة واضحة من كتّاب العدل فقد اتفقوا أنَّ اسمه غير موجود في قضايا الأسبوع، أما حرّاس قاعات القضاء فقد تجنبوا الحديث معي. توقفتُ عن السؤال عنه، عندما عدتُ إلى البيت بإحدى الليالي بعد شهرٍ من اختفائه، ووجدتُ رسالة باسمي مغروسة في علبة عداد الكهرباء، كتب فيها عبده الكثير من الأسباب والقليل من الوصايا، وقال: “لقد شرّدوا أحلامي، سوف أذهب للبحث عنها.”

اختفى عبده في الثامن والعشرين من أغسطس عام 2007. غادر وترك حياته لأفراد الحارة يصبونها مع القهوة للسكان الجدد والزائرين من الحارات الأخرى، ويسترجعونها وهم يشاهدون مباراة كرة قدم بملعب البرحة في ليالي رمضان، أو يتذكرونه ويبتسمون وهم يقطعون البرحة إلى الحارة المجاورة. ويرد طيفه كجملة: “الله يذكرك بالخير يا عبده أنجلو!” تتشكل أحياناً في خيالات بعضهم، وعيونهم تبحث عن شيء قد ينبت على سطوح البيوت أو يحلّق في السماء. ذات يوم قال لي زميل لبناني في المجلة عندما حكيت له قصة عبده، أن زوجته الإيطالية أخبرته عن شاب سعودي مهووس بالفنّ عمل لفترة قصيرة في ميناء جنوا. ومؤخرًا أقسم صالح بن حسن مرزوق أنه شاهده يساعد بعض الغرقى خلال سيول جدّة. والشيء الوحيد الذي يمكن قوله بإيمان مطلق أن عبده يجيد الاختفاء حتى عن مكان وجوده، إنه الفكرة التي يصعب تخيّلها، والحلم الذي لا يمكن أن تمسك به حقيقته.

خالد الصامطي
26 فبراير 2010 – شيكاغو.

الحبق الحافي. (11)

3 يناير 2010

The Darjeeling Limited

18 ديسمبر 2009

الحبق الحافي. (10)

4 ديسمبر 2009

عن البومة والمقابر وأشياء تتوارد خلف النافذة.

26 نوفمبر 2009

أبو فهد

17 نوفمبر 2009